انكشف قدام الممر كله
سحب فهد جهاز المسح من يد ليان وقال بصوت أعلى من صفير العربات: «أنتِ على الجرد اليوم، مو على الإطلاق. اتركي الممر.» كانت عربة محمّلة بصناديق قواطع كهربائية تقف مائلة عند مدخل الرف السابع، وخلفها ثلاث عربات أخرى، والسائقون مصطفون عند خط الأصفر تحت حر باب التحميل. على طرف الطاولة المعدنية بقي كوب شاي تركي حتى برد وترك دائرة باهتة حوله، وبجانبه ملف الإطلاق الأزرق الذي كانت ليان تفتحه كل صباح. فهد جذب الملف أيضًا، ووضعه تحت كفه كأنه شيء يخص اسمه لا الشحنة.
قالت ليان: «شحنة الظهر للمنطقة الشرقية مربوطة بهذا الممر.» لم ينظر لها. أشار لسامي أن يدفع العربة الأولى، ثم لوّح بالجهاز كمن يلوّح بمفتاح بيت. «أنا أرتب الخروج. أنتِ لا تتدخلين.» كانت تعرف لماذا يوجعها هذا الآن بالذات؛ لأن الترقية معلقة من أسبوعين، ولأن العائلة والأصدقاء يعرفون، ولأن كلمة واحدة عن تعطّل شحنة في مستودع شركة من قطاع الطاقة تصل قبل المغرب إلى أبيها عبر معارف لا يرحمون. مع ذلك لم تشرح. سحبت دفتر الأرقام الصغير من حافة الطاولة المزدحمة بإيصالات مطوية وأنبوب لاصق وقلم عليه أثر حبر قديم، ومشت إلى رأس الممر بدل أن تتراجع.
أول خطأ ظهر خلال أقل من دقيقة. فهد مسح ملصقًا لعربة تخص مشروع محطات في القصيم على أنها ضمن شحنة الدمام، فانفتح الحاجز الإلكتروني لبوابة التحميل الخطأ. احتج السائق الأول وهو يرفع ورقته، وتوقف الثاني خلفه، وتراجعت العربة الثالثة نصف متر ثم علقت عجلاتها عند حافة الأرضية. ارتفع صوت فهد على السائقين لا على الخطأ نفسه. «انتظروا ترتيبكم. لا أحد يتحرك.» لكن لا ترتيب كان موجودًا. الأرقام على الرفوف لا ترحم، والممر الضيق تحت حمل التأخير يفضح من يقرأ الورق ومن يحفظ حركة المخزن من نبضه.
جاءت مها من طرف المحطة تحمل ورقة اعتماد وقالت بخفوت مرتبك: «أبو راشد يسأل ليش الشحنة ما طلعت.» رد فهد فورًا: «قولي له النظام يحدّث.» ثم التفت إلى ليان التفتة التي يستخدمها دائمًا حين يريد إعادتها لحجم أصغر أمام الناس. «وأنتِ، لا توقفي فوق رأسي. إذا تعرفين تشتغلين، التزمي بمكانك.» في الممر المجاور، كان عاملان يبطئان الدفع لأن الجميع صار ينتظر كلمة من رجل لا يعرف أي عربة يجب أن تخرج أولًا. ليان رفعت بصرها نحو الرف السابع، نحو كودين متشابهين يفصل بينهما رقم واحد فقط، وقالت لسامي: «العربة الثانية مو هنا. هذي تبع محول احتياطي للخرج الغربي.» سامي نظر إلى فهد، لا إليها. هذه هي العلّة كلها: العيون تتبع اليد التي تمسك الأداة حتى لو كانت اليد الخاطئة.
انقطع الهواء بنداء الظهر من مسجد بعيد خلف المستودعات، وانزلق الصدى فوق سقف الصاج. في تلك اللحظة تحديدًا، ضغط فهد على الجهاز مرة أخرى، فظهرت على شاشة المحطة رسالة حجز أحمر؛ لقد أغلق على نفسه مسار الإطلاق بإدخال رقم متكرر. تجمدت البوابة، وبقيت العربات في الممر كأنها خناقة حديد. أبو راشد دخل من جهة الباب الداخلي، غترته مرفوعة قليلًا عن العرق، ومعه اثنان من الإدارة الميدانية. لم يرفع صوته، وهذا كان أسوأ على فهد. «مين قفل المسار؟» أجاب فهد بسرعة جاهزة: «النظام علّق.» قالت ليان من مكانها عند رأس الممر: «النظام ما علق. انحجز المسار من مسح خاطئ.»
التفتت الرؤوس إليها كأنها تكلمت من مكان ممنوع. فهد ابتسم تلك الابتسامة التي يلبسها حين يحاول تحويل الحقيقة إلى قلة أدب. «وأنتِ من متى صرتِ مشرفة إطلاق؟» خطت ليان خطوة واحدة فقط، لا أكثر، ومدت يدها إلى الجهاز. حين سحب يده إلى الخلف لتفاديها، أخذت من على الطاولة ملف الإطلاق الأزرق بدلًا عنه، فتحته على الصفحة التي تحمل ترتيب الخروج، وثبتته على حافة العربة الأولى. ثم قالت لسامي بلا التفات: «ارفع الرباط من العربة الثالثة. الثانية تتراجع للرف ستة. الأولى تروح للبوابة الشمالية بعد إلغاء الحجز اليدوي.» كان هذا هو الفاصل. لم تطلب إذنًا، ولم تنتظر أن يمنحها أحد حقًا كانت تقوم به كل يوم قبل أن يقرر فهد سرقته.
«ليان.» جاء صوت فهد حادًا. «اتركي الملف.» لكنها كانت قد وصلت إلى المحطة الثابتة على عمود الممر، ضغطت تسلسلًا قصيرًا على لوحة الإلغاء، أدخلت الرقم المرجعي من حفظها، ثم سحبت بطاقة المشغّل المعلقة بخيط أسود من تحت شاشة الغبار. البطاقة كانت بطاقتها أصلًا، اسمها مطبوع عليها بخط صغير، وكان قد علّقها عند المحطة كأن قربها منه يكفي لملكيته. مررتها على القارئ، فانطفأ الحجز الأحمر. قالت: «الآن.» تحرك سامي. تراجعت العربة الثانية بلا ارتباك، انفتح ممر نصف متر، مرّت الأولى بسلاسة نحو البوابة الصحيحة، ولحقت بها ورقة السائق مختومة من مها. خلال أقل من دقيقة، انكسر الجمود الذي صنعه فهد في عشر دقائق. حتى أصوات العجلات تبدلت؛ من احتكاك متوتر إلى طقطقة مستقيمة على الخط المعدني.
أبو راشد لم يمدحها. فقط وقف جانبًا وترك نظره على الشاشة وعلى يديها. هذا أثقل من أي ثناء. فهد اقترب منها نصف خطوة، خاف أن يقترب أكثر أمام الإدارة. «هذا تصرف خارج التسلسل.» قالت وهي تقلب صفحة الملف: «التسلسل واقف لأنك مسحت شحنة القصيم على الدمام، ثم سكرت المسار.» كانت مها تتابع من طرف الطاولة، يدها على ختم الخروج متوقفة في الهواء. أحد السائقين الذي ظل يراوح تحت الشمس أدخل رأسه من الباب وقال بلهجة ضجر: «نطلع ولا نبيت هنا؟» أجابت ليان من غير أن ترفع صوتها: «الورقة الزرقاء أولًا. الأبيض ينتظر عشر دقائق.» ثم أشارت إلى سامي بعينها. «خذلك اليمنى، لا تلف كثير. الذراع الخلفية تجر.»
حاول فهد أن يستعيد الواجهة بسرعة. أمسك عربة صغيرة فيها صناديق كابلات، وقال: «هذي بعد مع الأولى.» ليان رفعت الملف أمامه، إصبعها على السطر المعني. «لا. هذه محجوزة لطلبية الرياض الداخلية. إذا طلعتها الآن، ينقص تركيب المساء.» قال بعناد طفولي يغطي به ارتباكه: «نمشيها ونعدّل لاحقًا.» كلمة «لاحقًا» في مستودع مضغوط تعني ورطة باسم شخص آخر. أبو راشد مد يده نحو الورقة من دون أن يطلبها. أخذها، قرأ السطر، ثم نظر إلى الكود المعلق على العربة الصغيرة. لم يواجه فهد مباشرة، فقط قال لسامي: «ترجع مكانها.» كان ذلك أول كسر في سلطة فهد أمام الممر كله. يده بقيت على مقبض العربة لحظة زائدة، ثم تركته كأنه ساخن.
خرجت عربتان متتاليتان بإدارة ليان، وعاد النفس للممر. لكن فهد لم يكن من النوع الذي ينسحب حين يخسر أول مرة؛ كان يخاف من رجوع الأمور إلى صاحبها أكثر من خوفه من الخطأ نفسه. دار إلى الجهة الأخرى من الرفوف، وفتح من هاتفه طلبًا داخليًا، ثم صاح: «نحوّل الباقي على المسار الجنوبي. خليهم يلفّون من الخلف.» التفتت إليه ليان فورًا. المسار الجنوبي أضيق، وفيه تحميل مواد حساسة لا تحتمل خلطًا. قالت: «إذا دخلت شحنة القواطع مع الكيابل هناك، راح يتوقف الممران.» قال متمسكًا بما بقي له من نبرة أمر: «أنا أقرر.» ثم دفع أول عربة نحو التحويل.
الضرر ظهر أسرع مما توقعت حتى هي. عند زاوية الرف التاسع، تعلقت إحدى العجلات بقاعدة معدنية بارزة، فمالت الصناديق العليا واصطدمت بزوايا الرف. تساقطت بطاقتا تعريف، وانفتح كرتون من الجانب، وظهر داخلَه فاصل نحاسي ملفوف. ارتد العامل الذي يسحب العربة بكتفه إلى الخلف، وصرخ السائق الآخر كي لا يتقدم. الممر الجنوبي انسد، والممر الأصلي لم يفرغ بعد. الآن صار الاختناق اثنين لا واحدًا. فهد قال بانفعال مفضوح: «ارفعوها! امسكوها!» لكن لا أحد تحرك باندفاعه نفسه؛ لأنهم جميعًا رأوا ما حدث حين تحرك من رأسه لا من معرفة المكان.
ليان كانت قد وصلت قبل أن يكمل صياحه. أمسكت جانب الكرتون المفتوح، دفعت الصندوق العلوي إلى الداخل، ثم أمرت العاملين: «نزّلوا الوزن من الخلف، واحد واحد. لا أحد يجر.» ركعت نصف ركعة عند العجلة العالقة، خلعت إسفينًا مطاطيًا من تحت الرف المجاور، سندت به الحافة، ثم التفتت إلى مها: «اكتبي تلف عبوة واحدة فقط، لا تفتحي بلاغ كامل. البضاعة سليمة.» فهد حاول أن يمر بينها وبين العربة ليظهر أن القرار يعود إليه، لكنها قالت من تحت حمل الصندوق: «لا تلمسها.» توقف. لم يكن في عبارتها ارتفاع، ومع ذلك رجع نصف خطوة كما لو أنها دفعت صدره بيد.
أبو راشد اقترب الآن حتى صار على حافة الممر نفسه، وهذا لم يفعله من بداية الأزمة. نظر إلى تلف الكرتون، إلى البطاقة الساقطة، إلى العربة المتوقفة في منتصف الخطأ، ثم إلى فهد الذي لم يعد يمسك بشيء إلا هاتفه. «كم مسار وقف؟» قالت مها بصوت صغير لكنه واضح: «اثنين.» سأل أبو راشد: «ومن اللي شغّل الاثنين؟» هذه المرة لم يجاوب أحد نيابة عن فهد. سقط السؤال عليه وحده، وبقي معلقًا عليه لحظة كافية لتتبدل الوجوه. السائق الذي كان أكثرهم صبرًا ثنى ورقته إلى نصفين، ثم أعاد فتحها بملل غاضب. أحد العمال مسح عرقه بكمه ونقل عينيه إلى ليان ينتظر أمرًا، لا توجيهًا عامًا.
قال فهد سريعًا، متمسكًا بآخر خيط: «أنا أقدر أرجعها، بس خلّوني أرتب الفريق.» ردت ليان وهي تعيد تثبيت البطاقة على الكرتون الصحيح: «إذا رجعتها من هنا، راح تضرب الرف مرة ثانية. لازم يفضى الأصل أولًا.» ثم التفتت إلى سامي: «خذ الأولى إلى البوابة، وارجع فارغ. بعدها نسحب هذي على خط مستقيم.» سامي لم ينظر إلى فهد هذه المرة. حرّك العربة كما قالت. التبعية انكسرت في أبسط صورة: عين تتجاوز المشرف إلى من يعرف الشغل.
حاول فهد استعادة سلاحه الأول، الأداة. مد يده إلى جهاز المسح المحمول الموضوع قرب المحطة، وقال لمها: «أعطيني مفاتيح الإشراف.» ليان سبقته. تناولت حلقة المفاتيح الكبيرة المعلقة على جانب الطاولة، تلك التي تفتح درج الختم وخزانة الملف ومحطة القارئ الاحتياطية. ارتفعت الأصوات المعدنية في يدها مرة واحدة، حادة ومسموعة. ثم وضعتها أمام ملف الإطلاق مباشرة، على الحافة التي يراها الجميع. لم تقل «هذه لي»، لأن الحركة قالتها. فهد احمر وجهه. «هذا تجاوز.» قال أبو راشد أخيرًا، وبلهجة أنهت اللعب: «التجاوز إن الممر يوقف في يدك مرتين.» ثم مد يده إلى بطاقة المقعد البلاستيكية الموضوعة على مكتب الإشراف عند رأس الممر، كانت تحمل اسم فهد مثبتة مؤقتًا فوق الاسم الأصلي. نزعها نزعًا سريعًا، فانفك اللاصق بصوت خشن. تحتها ظهر اسم ليان مطبوعًا من قبل، لم يختفِ أصلًا، فقط كان مغطى. حمل البطاقة المؤقتة بيد، والملف الأزرق باليد الأخرى، ثم وضع الملف وحلقة المفاتيح أمام ليان على الطاولة المعدنية. «التشغيل عند ليان. من هذه اللحظة. ما فيه خيار ثاني يحرك الحمل بسلام.»
لم يرد فهد فورًا. حاول أن يقول شيئًا، لكنه احتاج أولًا إلى أن يبتلع المنظر: اسمه منزوع من المقعد، ملف التشغيل خارج يده، والممر كله لا ينتظر صوته. هذا هو النوع من الإهانة الذي لا يعلو فيه الضجيج؛ يتجمد فقط في الحلق. ليان لم تستدر لتتأكد من وقع القرار. سحبت الكرسي الرئيسي خطوة إلى الطاولة، جلست، فتحت الملف على صفحة التتابع، وأشارت لسامي والعاملين بإشارتين قصيرتين متتاليتين. «الأصل أولًا. بعده الجنوب. مها، ختمي فقط ما أقول عليه.» تحرك الممر على هذا الإيقاع كأن أحدًا أعاد توصيل الكهرباء إلى آلة كانت مختنقة. خرجت العربة الفارغة، ثم انسحبت العربة العالقة بخط مستقيم، ثم ثبتت البدائل في ترتيبها الصحيح. حتى السائقون خفّ ضغطهم؛ لم يعودوا يطالبون بوعود، صاروا يأخذون أوراقهم تباعًا.
بقي طلب واحد، الأصعب لأنه نتيجة الفوضى كلها: شحنة مختلطة الأوراق، نصفها داخلي ونصفها خارجي، وعلى كل صندوق ملصق جديد فوق قديم. فهد رأى فيها فرصة أخيرة ليثبت أن الأمر لا يكتمل بدون توقيعه. قال وهو يحاول الاقتراب من الطاولة: «هذه لازم أراجعها أنا، فيها تحويل.» ليان رفعت يدها من دون أن تنظر إليه. «قف عند الخط.» كانت هناك شريطة صفراء على الأرض أمام مكتب الإشراف، حدّ صغير لا يعني شيئًا عادة، لكنه صار في تلك اللحظة حدًا اجتماعيًا كاملًا. وقف عنده فعلًا. أخذت ليان الصناديق واحدًا واحدًا بعينيها، قارنت الأرقام، نزعت الملصق الأعلى من على أحدها، فظهر تحته الكود القديم الذي يثبت أنه داخلي. فصلت الورق في ثانيتين، ختمت مها ما سلّمته لها، ثم كتبت ليان بالقلم ذي الأثر القديم ملاحظة قصيرة على رأس الصفحة: «يُمنع تحويل المسار دون مراجعة تشغيل.» وضعت التوقيع، ثم دفعت آخر ورقة إلى السائق الأخير. «انطلق.»
رجعت حلقة المفاتيح إلى يمين الملف، وسكنت. على الكرسي الرئيسي عند رأس الممر، ظهرت بطاقة الاسم الصغيرة: ليان. بجانبها بقايا دائرة الشاي البارد على الطاولة، والملف الأزرق مفتوح على آخر أمر خرج. بعد أن أنهت القرار الأخير، دفعت الكرسي إلى الخلف فدار نصف دورة خفيفة، وتوقفت المفاتيح عن الرنين.