Fast Fiction

أثرهم رجع عليهم

دفعت نوف موظف الاستقبال بالملف الأزرق إلى جهة سارة وقالت من غير ما تنظر لها: "خليه عندك مؤقتًا، لين يجي صاحب القرار." كانت البطاقة الممغنطة على طرف مكتب سارة مهترئة الحافة من كثرة ما دخلت وخرجت من بوابات الشركة، وبجانبها إيصال مطوي نصفين انفتح وانطبق أكثر من مرة. أخذت الملف لأن الجميع كان ينظر، ثم رفعت عينيها إلى الزجاج الفاصل بين المكاتب فرأت نوفل يمر مع وفد من موردين من قطاع الطاقة، يتوقف نصف ثانية عند الباب، يلمحها، ثم يكمل كأنها سكرتيرة طوارئ جاءت تغطي غياب أحد.

هذا ما صار اسمه عندهم في الأسابيع الأخيرة: تغطية. لا شريكة يعرفها الجميع، ولا صاحبة تعب وقف معه من أول نقلته إلى الرياض، ولا المرأة التي كانت العائلة والأصدقاء يعرفون عنها قبل أن يبدأ هو في تنقيح الحكاية. مجرد وجه مفيد يوضع على الطرف حين يلزم، ويُسحب إذا حضر الاسم المناسب.

أغلقت الملف، وسحبت هاتفها من تحت حافة المكتب المزدحمة بالدبابيس وكوب الشاي الذي برد وترك دائرة باهتة على الخشب. فتحت الرسائل المؤرشفة لا شعوريًا تقريبًا، حتى ظهر اسمه بين محادثات دفنها قديمًا. لم تفتح الخيط كاملًا. اكتفت بأن ترى سطرًا قديمًا تحت اسمه، تاريخًا من سنتين ونصف، وكلمة واحدة تكفي لتوقظ الدم في وجهها: "أمي". أغلقت الشاشة فورًا عندما عاد ظل نوف إلى الزجاج.

عند العصر، دخلت ريم عليها بلا استئذان كعادتها، عباءتها مفتوحة قليلًا من عجلة الطريق، ومفاتيحها ترن. وضعت كيسًا صغيرًا من القهوة على الطاولة وقالت بخفوت: "الليلة لا تروحين وأنتِ مفكرة الموضوع عشاء عادي."

رفعت سارة رأسها. "عشاء أم نوفل."

"مو عشاء وبس." قربت ريم كرسيها، وخفضت صوتها أكثر. "أمّه رتبت مجلس النساء وحددت أماكن الجلوس بنفسها. بنات خالاته أول، ثم زوجات أولاد العم، ثم... الباقي. وحتى الاستقبال عند العتبة موزون. إذا دخلوك من الصالة الجانبية، خلاص، ثبتوا النسخة اللي قاعدين يشتغلون عليها من شهور."

لم تقل سارة "أي نسخة". لم تحتج. كانت تعرفها جيدًا: سارة زميلة قديمة، ساعدت نوفل فترة انتقاله، ثم تعلقت أكثر من اللازم. حكاية نظيفة، مرتبة، لا تفضح أحدًا إلا من جرى محوه منها.

قالت ريم وهي تراقب وجهها: "أنا سمعت خالتها تقول للي يخدمون: لا أحد يجيب اسم سارة قدام الكبار بطريقة تحرج. فهمتي؟ مو بس يهمشونك. يثبتونك في مكان مهين، وبعدين يقولون هذا الطبيعي."

مرّت لحظة قصيرة. خارج الزجاج، أذن العصر من مسجد قريب، وهدأت الممرات دفعة واحدة كما لو أن الشركة ابتلعت نفسها. سارة أخرجت نفسًا باردًا، ثم مدت يدها إلى الكيس وأبعدته. "إذا أدخلوني من الجنب، بدخل من الجنب. لكن مو وأنا فاضية اليد."

نظرت ريم إلى الهاتف. "لسه عندك؟"

"عندي شيء." قالتها بلا زينة. "مو الليلة لسه."

في طريقها إلى البيت، كانت الرياض مغبرة بلون أصفر خفيف يعلق على الزجاج. أوقفت السيارة تحت ظل عمارة قديمة، وبقيت دقيقة كاملة قبل أن تصعد. حين دخلت شقتها، رمت حقيبتها على الكرسي، وفتحت النافذة قليلًا، ثم جلست على طرف السرير وفتحت الخيط المؤرشف مرة ثانية. هذه المرة نزلت بإبهام ثابت، لا سريع ولا متردد، حتى وقفت عند رسالة فيها صورة مرفق ورقم تاريخ واضح أعلى الشاشة.

لم تفتح كل شيء. زحزحت المحادثة ببطء، فقط بما يكفي ليظهر اسمها كما كتبه هو يومها، كاملًا، بلا اختصار ولا تجنب: "سارة، إذا سألت أمي الليلة فأنا قلت لها بوضوح إنك أنتِ اللي أمشي معك، وموعدنا الجمعة بعد المغرب عندهم." أعلى الرسالة وقت قديم، وأسفلها رد منها بسطر قصير. بعد الرسالة بأيام، كانت هناك فجوة. ثم محاولات محو ناعمة: "خلينا نخفف الكلام قدامهم"، "مو لازم كل شيء ينقال بنفس الصيغة"، "أنتِ تفهمينني". رفعت سارة لقطة للشاشة وحفظتها، ثم أعادت الخيط إلى مكانه في الأرشيف. لم تضغط شيئًا آخر. لم يكن وقت الذبح قد جاء.

وصلت بيت أم نوفل بعد العشاء بقليل. البيت واسع، مضاء بكرم مقصود، والهواء في الفناء الداخلي مختلط برائحة هيل وصابون ضيوف. عند المدخل النسائي وقفت خادمة صغيرة، متوترة من كثرة الأوامر. خلف الستارة الثقيلة تحركت أصوات النساء: ضحكات قصيرة، رنين فناجين، نبرة أم نوفل وهي تعطي تعليمات من داخل مجلسها كما لو أنها تدير ميزانًا حساسًا.

ظهرت ريم أولًا من الداخل، وعينها التقطت سارة قبل أن تنطق الخادمة. اقتربت بخطوتين فقط، كأنها لا تريد أن تُحسب واقفة معها أكثر من اللازم. همست: "بدأوا." ثم التفتت إلى الخادمة وقالت بلهجة محايدة: "هذه معنا."

الخادمة ترددت، ثم قالت ما حُفِّظ لها: "المدام قالت تجلس بالصالة الصغيرة أول، لين يخف الزحام."

الصالة الصغيرة كانت على اليمين، أبرد وأبعد، وفيها كرسيان فقط وطاولة جانبية عليها صينية تمر ناقصة. مقعد انتظار، لا مقعد ضيفة. من داخل المجلس الرئيسي خرجت بنت خالة نوفل بثوب ثقيل ولمحت سارة، ثم ألقت ابتسامة التهذيب التي تُستخدم مع من لا يراد إنكارهم تمامًا ولا الاعتراف بهم كذلك. "يا هلا، تعبتِ نفسك."

وقفت سارة لحظة عند حد السجادة. لم تتجادل، لم ترفع صوتها. سلمت بهدوء، ودخلت الصالة الصغيرة وجلست على الطرف، ظهرها مستقيم، كأنها اختارت المكان. كان هذا أسوأ ما في الإهانة: أن تُبنى من أدوات الضيافة نفسها، من مسافة الخطوة، من الفنجان الذي يتأخر، من المقعد الذي لا يراك أحد عليه إلا إذا احتاج أن يبرر وجودك.

دخلت أم نوفل بعد دقائق، بعباءة منزل فاخرة ووجه محفوظ بعناية. ألقت السلام على ريم أولًا، ثم على امرأة مسنة خلفها، ثم التفتت إلى سارة وكأنها تذكرتها في اللحظة الأخيرة. "يا بنتي، البيت بيتك. بس تعرفين الليلة كبارات العائلة موجودات، والجلوس له ترتيب."

ردت سارة: "أكيد."

هذا الرد القصير أغاظ أم نوفل أكثر من أي اعتراض. جلست نصف جلوس على الكرسي المقابل، وقالت بصوت منخفض يكفي أن يسمعه من يمر قرب الستارة: "ونوفل أصلًا وضّح لنا الموضوع من زمان. أنتِ زميلة وقفتي معه في شغل، الله يجزاك خير. ومو حلو الناس تكبّر أشياء ما أخذت صفة."

كانت هذه هي الدفعة الزائدة، اليد التي أرادت تثبيت المسمار الأخير تحت نظر شاهد قريب. ريم، الواقفة عند الممر، شدّت الفنجان في يدها حتى سمع صوت خفيف للخزف. من خلف الستارة، خفتت حركة المجلس؛ ليس صمتًا كاملًا، لكن ذلك الانتباه الذي يتكون حين يعرف الجميع أن هناك أحدًا يُعاد تعريفه في مكانه.

رفعت سارة هاتفها من حجرها. لم تتكلم أولًا. فتحت الأرشيف، ثم ضغطت اسم نوفل، ثم قلبت الشاشة قليلًا نحو أم نوفل وريم معًا. كانت يدها ثابتة على نحو أزعج من يراقبها؛ لا ارتعاش فيها يصلح ليُفسر بالغضب، ولا بطء يصلح لالتماس الشفقة.

قالت فقط: "مدامك تقولين من زمان؟ خلينا نرجع للزمان نفسه."

نزلت بإبهام واحد إلى الرسالة التي اختارتها في شقتها، ووقفت عندها. التاريخ أعلى الشاشة واضح. الاسم واضح. قرأت سطرًا واحدًا بصوت لا يعلو ولا يلين: "سارة، إذا سألت أمي الليلة فأنا قلت لها بوضوح إنك أنتِ اللي أمشي معك، وموعدنا الجمعة بعد المغرب عندهم."

لم ترفع عينيها بعد القراءة. حرّكت الشاشة قليلًا إلى الأسفل، لتظهر الرسائل التالية. "خلينا نخفف الكلام قدامهم." ثم بعدها بأيام: "لا ترددين نفس الصيغة أمام أمي." ثم بعدها: "أحتاج ترتيب الموضوع بالتدريج." الرسائل كانت قصيرة، لكن التدرج فيها فاضح؛ اعتراف، ثم تراجع، ثم محو. ليس سوء فهم. عمل يدوي، بارد، على الاسم نفسه.

امتد وجه أم نوفل قليلًا، تلك الحركة الصغيرة حول الفم التي تأتي قبل أن يعثر صاحبها على رواية بديلة. قالت بسرعة: "يمكن كان يقصد—"

سارة رفعت إصبعها، لا إلى وجهها، بل إلى الشاشة. "هذا يقصد نفسه." ثم حرّكت أعلى المحادثة حتى ظهر التاريخ القديم كاملًا مرة أخرى، ومعه اسمها كما كتبه هو بلا لبس. لم تشرح. لم تقل "أنا كنت". لم تحتج إلى ذلك. الرسائل نفسها كانت تقوم بالعمل القذر الذي أمضوا شهورًا يوزعونه على الناس بلسان ناعم.

من خلف الستارة تحرك ثوب، ثم ثانٍ. إحدى القريبات قربت الخطوة أكثر من اللازم. ريم دخلت أخيرًا الصالة بدل أن تبقى على الممر، وكأن وجودها عند العتبة لم يعد المكان الصحيح. هذا وحده كان كافيًا ليكسر الترتيب الذي فرضوه قبل دقائق.

رن هاتف سارة برسالة جديدة، الاسم نفسه فوق الشاشة. نوفل. ظهر أول السطر: "لا تفتحين الموضوع كذا، خليني أو—". لم تفتح الرسالة. تركتها معلقة تحت القديم، ثم رفعت المحادثة أعلى قليلًا، وضغطت على خيارات الرسالة الحاسمة. ظهرت القائمة. اختارت "تثبيت".

ثبتت الرسالة في أعلى الخيط. صار السطر القديم فوق كل محاولاته الأحدث، فوق الالتفاف، فوق الاستدراك المتأخر الذي وصل الآن، فوق النسخة التي أرادها لأمه وللعائلة. أثره رجع عليه حرفيًا: ما كتبه ليحجز لها مكانًا يومًا صار هو نفسه القيد الذي حبس روايته الجديدة.

أم نوفل مدت يدها بلا وعي، كما لو أنها ستخفض الهاتف أو تغيّر زاويته، ثم تراجعت حين أدركت أنها ليست صاحبة الشاشة. قالت بنبرة مشدودة: "هذا بينك وبينه."

أقفلت سارة القفل على هذه الجملة فورًا. "وكان بيني وبينه قبل ما يصير بينكم وبين اسمي." ثم نهضت. لا بسرعة المنتصر، ولا ببطء المجروح. نهضة شخص استرد التعريف الأدنى لنفسه، والباقي لا يعنيه الآن.

مرّت بجانب الطاولة الجانبية. الفنجان الذي وُضع لها متأخرًا كان الشاي فيه قد برد وترك على الصينية دائرة داكنة. أخذت هاتفها فقط. عند الممر الخارجي اهتزت الشاشة مرة أخرى. رسالة جديدة من نوفل ظهرت تحت الرسالة المثبتة: "سارة، أرجوك نقدر نتفاهم." بقي خيط الرسائل مفتوحًا على الشاشة، والرسالة القديمة المثبتة تعلو الجديدة، مقروءة، ثابتة، بينما مشت إلى الباب.