أعادوا لها خط التحميل
سحب فهد اللاسلكي من يد سارة ووضعه على الطاولة أمام كرسي النداء، ثم أشار لها بطرف أصابعه كأنها عاملة إضافية لا صاحبة الخط. قال للحارس عند باب التحميل الثالث: «من اليوم النداء يمر من عندي. لا أحد يطلع شاحنة إلا بإذني». كانت أول عربتين قد توقفتا بالفعل عند حافة الممر، والحر يضرب الحديد من آخر النهار، وعلبة وجبة باردة مفتوحة على نصفها فوق صندوق بلاستيكي قرب الحائط، منسية من وقت الظهر.
سارة لم ترد. فقط مدّت يدها إلى لوح التوزيع الخشبي المعلق بجانب الكرسي، فوجدت أسماء السائقين وقد تغيّر ترتيبها بخط فهد العريض. اسم سالم، الذي يجب أن يدخل أولًا لأن حمولته مبرمجة لموقع في قطاع الطاقة خارج المدينة، نُقل إلى آخر الصف. واسم قريب فهد، مشعل، صار في الأعلى رغم أن أوراقه ناقصة. هذا هو الوجع الحقيقي: ليس الكرسي نفسه، بل أن تأخير نصف ساعة هنا يضرب عقدًا كاملًا هناك، ويُحسب على من كان يشغّل الساحة قبل أن تُدفع إلى الهامش. العائلة والأصدقاء يعرفون أن فهد ابن خال المالك، ويعرفون أيضًا أن سارة هي التي كانت تمسك هذا الخط منذ سنتين بلا تعثر. لكن المعرفة شيء، والكرسي شيء آخر.
قالت بهدوء وهي تسحب نسخة قديمة من كشف الحمولة من تحت ملف مكرمش: «مشعل ما يطلع قبل سالم». رفع فهد ذقنه من على الكرسي البلاستيكي كأن الهواء ملكه. «إذا عندك ملاحظة اكتبيها وسلميها. لا تقاطعين النداء». ثم التفت إلى نواف، الشاب الجديد على الرافعة، وقال بصوت أعلى من اللازم: «امشِ على ترتيبي. اللي يوقف معي، يشتغل».
تحركت سارة من عنده قبل أن يكمل، وهذا وحده أزعجه. عبرت حافة الرصيف إلى جانب الباب الثالث، وانحنت تحت السلسلة المعدنية المعلقة نصف رفعة، وتفحصت أقفال المنصات بعين سريعة. «نواف، ربطت البالتة الخلفية على حمولة سالم ولا لا؟» تردد، ونظر إلى فهد قبل أن يجيب. قالت دون أن ترفع صوتها: «انظر لي، مو له. ربطتها؟» «لا... قال نبدأ بمشعل».
صرير عربات السحب صار متواصلاً. سائقون يتبادلون النظرات عند الظل الضيق بين الشاحنات، وأكواب الشاي في مكتب الاستلام الصغير بردت قبل أن تُشرب. ريم، موظفة الإدخال، خرجت بورقة مطوية تصدر ذلك الصوت الجاف المزعج تحت أصابعها من كثرة الفتح والطي، وقالت لفهد: «باب أربعة ما انفتح في النظام. الشاحنة واقفة من عشر دقائق». رد عليها وهو ما يزال جالسًا: «خليهم ينتظرون. بنرتبها». سارة عرفت من طريقة جلسته أنه لا يرى الاختناق، يرى فقط الناس وهم ينظرون إليه.
أبو مازن وصل من الممر الخلفي بعباءته الخفيفة فوق الثوب، يمسح عرقه بطرف الشماغ، وخلفه رجلان من مكتب المراجعة جاءا على غير موعد لأن شحنة المساء مرتبطة بموقع حساس. لم يسأل أولًا عن الأرقام؛ نظر إلى الكراسي. فهد جالس على كرسي النداء، وسارة واقفة قرب الحائط، والممر مزدحم على غير عادته. هذا الترتيب وحده يحرج. قرب الباب، كانت مفاتيح أحد الأقفال معلقة في حلقة معدنية وعليها شريط أحمر؛ المفتاح الذي سلّم لسارة صباحًا ولم يُعد إليها بعد تبديل الوردية.
قال أبو مازن: «وش الوضع؟» أجاب فهد بسرعة: «نرتب إعادة توزيع. مجرد ضغط بسيط». وفي اللحظة نفسها دوّى احتكاك حاد من جهة الباب الثالث. بالتة ثقيلة انحرفت نصف انحراف وهي على شوكتي الرافعة، فاصطدمت بحافة الممر المعدني. السلسلة الجانبية تشدّدت، والباب نصف المفتوح ارتجف ثم توقف. لا الداخل يدخل، ولا الخارج يطلع.
كل شيء تجمد دفعة واحدة. نواف سحب الرافعة للخلف بقلق، فزاد انحشار البالتة. سائق في الشاحنة الأولى نزل من الكابينة وصاح: «إذا تكسرت الزاوية ما أستلمها». فهد نهض أخيرًا، لكنه وقف بعيدًا عن موضع الخطأ، يصرخ من عند الكرسي: «خفف... خفف! لفها يسار!» اليسار كان الكارثة. سارة رأت من أول نظرة أن الحمل مربوط خطأ، وأن قاعدة البالتة الخلفية داخلة تحت الحافة. لو لفها أكثر انشقت العبوات كلها، ومعها يتوقف الباب، وتضيع ساعة كاملة أمام شاهدي المراجعة.
عبرت السلسلة دون إذن. يدها رفعت الكلاب المعدني أولًا، وقدمت كتفها تحت طرف الرباط، ثم قالت لنواف بلهجة قصيرة لا تحتمل نقاشًا: «ثبّت. لا تحرك الشوك». إلى العامل عند الجانب الآخر: «افك العقدة السفلى فقط». وإلى السائق: «ارجع نصف متر مستقيم. الآن». فهد اندفع خطوتين: «سارة، ابتعدي، هذا مو شغلك الآن». لم تنظر له. جذبت الرباط المشدود، انحنت حتى لامس كمها الحديد المغبر، وأخرجت زاوية البالتة بسنتمترات قليلة من فك الممر. ثم طرقت بيدها على هيكل الرافعة: «ارفع شعرة. بس شعرة». تحررت القاعدة دفعة واحدة من الحافة المعدنية بصوت قصير خشن، وارتد الباب إلى مساره. «الآن قدّم». تحركت الرافعة مستقيمة هذه المرة، ودخلت الحمولة إلى الشاحنة كما لو أن الساحة أخذت نفسًا بعد اختناق.
لم يصفق أحد. لكن الرجلين القادمين مع أبو مازن تبادلا نظرة سريعة، ونواف أنزل عينيه عن فهد للمرة الأولى. الضرر كان ظاهرًا: زاوية الغلاف الخارجي انجرحت، لا أكثر. والفضيحة أيضًا كانت ظاهرة: الخط تجمد، والذي فكّه لم يكن الجالس على كرسي النداء.
اقترب أبو مازن حتى وقف بجانب الكرسي نفسه. لم يرفع صوته، وذلك أسوأ على فهد من الصراخ. قال وهو ينظر إلى لوح التوزيع: «مين بدّل الدور؟» قال فهد: «أنا. عندنا إعادة—» قاطعه أبو مازن ومد يده إلى اللاسلكي أولًا. «أعطه لها». تجمد فهد لحظة، كأنه لم يسمع. أعاد أبو مازنها هذه المرة دون شرح: «أعطوها الأمر. ودعوها تدير الخروج».
كان في الجملة شيء رسمي وثقيل، لا يشبه رجاء الأقارب. سارة لم تمد يدها حتى وضع أبو مازن نفسه اللاسلكي فوق كفها، ثم أدار لوح التوزيع قليلًا نحوها، وسحب الكرسي البلاستيكي من تحت فهد بنصف دائرة قصيرة ووضعه أمام اللوح. حركة صغيرة، لكن كل من في الممر رآها: الكرسي تبدل صاحبه، والمسافة تبدلت، ومن كان يقف صار يجلس، ومن كان يجلس صار خارج الخط.
جلسَت سارة. لم تلتفت لتتأكد من أحد. رفعت القلم، شطبت اسم مشعل من الصدارة بخط واحد قاسٍ، وأعادت سالم أولًا، ثم عبدالله، ثم شاحنة الباب الرابع بعد فتح مسارها. ضغطت على زر اللاسلكي وقالت: «سالم إلى ثلاثة، تحرك. عبدالله يجهز على أربعة. نواف، ما تلمس مشعل حتى تكتمل أوراقه. ريم، افتحي قفل أربعة الآن، وخلي المفتاح عندي». كان صوتها هادئًا جدًا، ولهذا انصاعوا بسرعة.
تحرك سالم أولًا. الشاحنة التي كانت تنتظر وهي تسخن عند الرصيف اندفعت إلى موضعها، والحارس فتح الحاجز من دون أن ينظر إلى فهد. ريم جاءت بالمفتاح ذي الشريط الأحمر ووضعته قرب يد سارة، لا على طاولة فهد. سائق الباب الرابع، الذي كان يتذمر قبل قليل، صعد إلى كابينته بمجرد سماع اسمه. الممر الذي ظل مختنقًا ربع ساعة بدأ يبتلع التوقفات واحدة واحدة.
فهد حاول التمسك بشيء. اقترب من اللوح وقال بصوت منخفض لكنه مسموع: «مشعل تبعنا. ما يصير يوقف كذا قدام الناس». ردت سارة وهي تراجع رقم الحمولة: «الناقص يوقف، ولو كان من أهل البيت». كانت العبارة حادة بما يكفي لتجرح الوجه، ومنضبطة بما يكفي ليعجز عن الاعتراض عليها أمام أبو مازن. هذه ليست مشادة؛ هذه قاعدة تشغيل خرجت من يد صاحبها الحقيقي، وعادت إلى مكانها.
عند الباب الرابع تعطل المزلاق مرة ثانية، لكن هذه المرة لم يتسع الخطأ. سارة أشارت فقط: «افتحوا من الجانب، لا من الوسط. لا تضيعون دقيقة على حركة غبية». عاملان نفذا فورًا. ثم رفعت اللاسلكي: «مشعل خارج الجدول حتى إشعار آخر. إذا كملت أوراقه يدخل بعد آخر إفراج». وصلت الجملة إلى السائقين والحارس والمكتب الصغير دفعة واحدة. الاسم الذي صعد بقرابة فهد نزل على الهواء نفسه الذي كان يرفعه.
رأى فهد ذلك السقوط حيًا. لم يعد يملك حتى حق الاعتراض بصوت عالٍ؛ لأن أي اعتراض الآن يعني تعطيل الساحة بعد أن عادت تتحرك. هذه كانت الضربة التي لا تُرد: قبل دقائق كان يتكلم باسم الخط، والآن صار أي كلام منه زيادة على التشغيل. وقف عند طرف الكرسي المسحوب، لا يجلس ولا يدخل، يعبث بورقة ملف مطوية بين أصابعه حتى أصدرت خشخشة جافة خفيفة، ثم كفّ.
مرت نداءات المغرب بعيدة فوق المنطقة الصناعية، متقطعة مع صوت الشاحنات وهي تتقدم بالمتر. لم يوقف سارة شيء. «عبدالله، تفضل. باب اثنين يجهز. سالم يخرج الآن». ضغطت الزر، وسمّى الحارس الرقم، وارتفعت البوابة. خرجت أول شاحنة، ثم الثانية. على اللوح، الأسماء استقرت بخطها، لا بخطه. على الطاولة، المفتاح عند يدها. وعلى الكرسي، ظهرها مستقيم كأنها لم تُزح عنه أصلًا.
جاءها أبو مازن بملف صغير وأبقاه على زاوية الطاولة دون كلمة. لم يكن تسليمًا احتفاليًا؛ مجرد اعتراف عملي بأن من يوقع الإفراج الآن هي سارة. فتحت الملف، ختمت أول ورقة، وأعادت ترتيب الخروج في أقل من دقيقة: «ثلاثة يطلع قبل أربعة. حمولة الموقع الغربي لا تنتظر. الباب الثاني بعده مباشرة». الكلمات خرجت متتابعة، قصيرة، لا تستعرض شيئًا. لكن أثرها كان يمشي على الأرض: عجلات تدور، أبواب تُفتح في وقتها، ورجال يتجهون إلى أوامرها لا إلى وجه فهد.
بقيت شاحنة أخيرة، وهي التي علقت عليها كل الفوضى. أوراقها نصف صحيحة، وحمولتها جاهزة، والسائق ينظر بين الاثنين ليرى من يملك الإفراج الأخير. فهد فهم الفرصة وحاول خطوة أخيرة. قال لأبي مازن: «أنا أوقعها، وانتهى الموضوع». حتى هذه لم تخرج منه كاملة. سارة كانت قد وقفت بالفعل، أخذت اللوح تحت ذراعها واللاسلكي في يدها، وتحركت إلى الممر الخلفي المتقاطع خلف بوابات التحميل، حيث تصل الأصوات متأخرة نصف ثانية وتضيق المسافة بين القرار والتنفيذ. هناك فقط يتوقف الجدل، لأن الشاحنة الأخيرة لا تتحرك إلا من صوت واحد.
وقفت عند تقاطع الممر، والهواء الساخن أقل حدة خلف الجدار. على رف جانبي كانت علبة الوجبة الباردة نفسها قد نُقلت مع الزحمة، مغطاة نصف غطاء، وعلى المسمار القريب تدلت حلقة المفاتيح التي عادت متأخرة إلى صاحبها. رفعت سارة اللاسلكي إلى فمها، وقالت: «الأخير باسمي. سالم خرج، عبدالله خرج، والآن رقم سبعة إلى البوابة. الإفراج يتم». ثم ضغطت الزر ثانية ضغطة قصيرة تثبت الأمر، واستقرت يدها على الجهاز في الممر الخلفي المتقاطع وراء بوابات التحميل، وانشقّ التشويش لحظة تحت إبهامها ثم صفا إلى سكون.