أخذت الصف الأول بالميكروفون
دفَع هشام السويلم بطاقتها إلى طرف الطاولة بظفره وقال لموظفة الاستقبال أمام صف الانتظار: «هذي خارج قائمة المنصة. خليها على مقاعد الانتظار إذا حبت تحضر.» انزلقت البطاقة حتى علقت عند زاوية كرسي بلاستيكي رخيص، وبقيت ليان الحربي واقفة لا هي داخلة ولا هي جالسة، والناس الذين يحملون فناجين القهوة عند المدخل التفتوا كما لو أن اسمها صار خطأً معلناً. كانت قد خرجت من مناوبة طويلة، وما زال تيبّس الكتفين في عباءتها واضحاً، وفي يدها ورقة مطوية نصفين، فاتورة قديمة قلبتها مرات كثيرة حتى صار طرفها ناعماً من كثرة الفتح والإغلاق؛ إيجار هذا الشهر ينام فيها كشوكة. اليوم ليس مناسبة مجاملة. اليوم منتدى شراكات في قطاع الطاقة، واليوم الذي يفصل بين اسم يُذكر واسم يُركن عند الحائط.
قالت ليان بهدوء أبرد من تكييف القاعة: «أنا المتحدثة البديلة في الجلسة الثانية.» ابتسم هشام تلك الابتسامة اللامعة التي يستعملها من يقف على سلطة ليست له بالكامل. «البديلة ما يعني المنصة لك. إذا احتجناك نناديك. الحين وقفي هناك، لا تربكين الترتيب.» ثم أشار بيده لا إلى الصف الأمامي بل إلى آخر مقعد عند حافة الممر، كأنه يمنّ عليها بمكان ظل.
لم تجلس. التقطت بطاقتها من عند زاوية الكرسي البلاستيكي، ومسحت بإبهامها على الخدش في طرف بطاقة الدخول، ذلك الطرف البالي الذي حملته بين سيارات الأجرة والمصاعد وأبواب الشركات طوال أسابيع التحضير. فوق المنصة، الشاشة الرئيسية ومضت ثم اسودّت فجأة، وخرج من السماعات طنين حادّ قطع جملة المذيع. تعثّر شريط العرض، وتجمّد شعار المنتدى، وبدأ بعض الحضور ينهضون من الصف الأول، يلتفتون نحو الفنيين بوجوه ضاقت فيها المجاملة.
رفعت ليان رأسها مرّة واحدة فقط، ثم تجاوزت طاولة الضيافة قبل أن يطلب منها أحد. «الملف المفتوح خطأ، ومدخل الصوت على القناة الجانبية.» قالتها وهي تصل إلى جهاز التحكم عند جانب المنصة. أحد الفنيين مد يده متردداً، لكن المذيع كان يكرّر: «لحظة لو سمحتوا، لحظة»، واللحظة في قاعة ممتلئة برجال أعمال ومسؤولين كانت تتكسر سريعاً. ضغطت ليان زرين، بدّلت المدخل، سحبت العرض الاحتياطي من الحافظة السحابية باسم الجلسة، فعاد الشعار، واستقام الصوت، وانفرجت الشاشة عن جدول المنتدى كأنها لم تسقط قبل ثوان.
تحركت الرؤوس نحوها دفعة واحدة. حتى أبو راشد، المستثمر الكبير الجالس في الصف الأمامي وبيده فنجان لم يرفعه بعد، ثبت عينه عليها. هذه كانت أول شرخة في ثقة الغرفة القديمة. لكن هشام لحقها بسرعة، أخذ من يد الفني الجهاز اللوحي، وقال بصوت مسموع كفاية ليغطي على كل شيء: «شكراً، هذا تدخل تقني فقط. أستاذة ليان تقدر ترجع لمكانها. المنصة لأصحاب الدعوات.» ثم التفت للمذيع: «كمّل.»
ارتدّ الطنين داخل صدرها هذه المرة، لا في السماعات. صاحبة الحل وقفت ثانية خارج الدور، كأنها أطفأت حريقاً في بيت ليس لها ثم أعادوها إلى الرصيف. على المقاعد الجانبية كانت أمينة، مسؤولة التنسيق، تضغط الهاتف في يدها بعصبية. همست وهي تقترب: «هشام غيّر ترتيب البرنامج من الصباح. يقول الاسم مو مثبت عند الرعاة.» قالت ليان: «ومن ثبّت البرنامج أصلاً؟» لم تجب أمينة. فقط فتحت شاشة هاتفها، وأغلقتها فوراً عندما مرّ هشام قريباً منهما، كأنه يطوف ليتأكد أن الإهانة بقيت في مكانها.
كان في آخر الممر رجل تعرفه العائلات قبل المعارف المهنية: خالد، ابن عم هشام، والذي كانت العائلة والأصدقاء يعرفون أن بينه وبين ليان نية ارتباط قديمة توقفت لأن أمها قالت: «البنت ما تدخل بيتاً وهي مطأطأة الرأس من أول الطريق.» لم يقترب منها، لكن رؤيته واقفاً هناك زادت ثقل الهواء. في الرياض لا يضيع شيء يخص السمعة بين قاعة وبيت. إذا أُهينت هنا، فالحكاية تصل إلى مائدة العشاء قبل أذان المغرب.
نادى المذيع اسم متحدث لم يحضر، وتباطأ الصعود إلى المنصة. وقف الصف عند طاولة التسجيل يضغط إلى الأمام، والموظفة نفسها رفعت جهاز المسح وهي تسأل بصوت أعلى من اللازم: «أستاذ هشام، الجلسة الثانية منو يعتمد أسماءها؟ عندنا ضيوف يقولون الترتيب وصلهم غير.» هذا السؤال، أمام الأجساد المكدسة التي تنتظر بطاقات الدخول والجلوس، لم يعد همساً إدارياً. مد هشام يده إلى الجهاز اللوحي وقال: «أنا.» قالت ليان: «إذن افتح البرنامج المعتمد.» التفت إليها كأنها كسرت حداً لا يحق لها لمسه. «مو شغلك.»
لكن أبو راشد رفع صوته من الصف الأول من غير أن يقوم: «إذا فيه اختلاف، اقروه الآن. الناس تنتظر، وأنا بعد شوي عندي موعد.» كان صوته من النوع الذي لا يحتاج صراخاً ليأمر. وتحوّل الانتظار كله إلى قوس مشدود بين يد هشام والجهاز اللوحي. الموظفة جمدت ماسح البطاقات في الهواء. فناجين القهوة توقفت في منتصف الطريق إلى الأفواه. حتى المذيع على المنصة نزل درجة من صوته، يترقب.
حاول هشام أن يبتسم ابتسامته المحكمة. «الموضوع بسيط، مجرد تحديث داخلي.» قالت ليان: «اقرأه.» لم يقرأ. وهنا فعلت أمينة ما لم يتوقعه أحد؛ أخرجت هاتفها، فتحت مجموعة العمل، ورفعت الشاشة أمام الموظفة ثم أمام أبو راشد مباشرة. كان عليها أثر ارتجاف، لكنه ارتجاف متأخر، بعد أن ضاق عليها الخوف. قالت: «هذه نسخة البرنامج المعتمدة من الرعاة أمس ليلاً. وهذه رسالة الدخول المرسلة للمتحدثين. اسم ليان الحربي هنا متحدثة رئيسية للجلسة الثانية بعد اعتذار الدكتور مازن.» ثم بإصبع آخر فتحت سجل التعديل في المنصة الداخلية: اسم هشام ظهر على آخر تعديل قبل ساعة واحدة، حذف اسم ليان ووضع مكانه مستشاراً أقل خبرة من شركته.
انقلبت الغرفة في لحظة القراءة نفسها، لا بعدها. لم تحتج ليان إلى شرح. الأسماء تقرأ وحدها حين تُرفع في وجه من ينتظرون. اقتربت الموظفة من الشاشة رغماً عنها. أبو راشد مد يده، وأخذ الهاتف من أمينة، وحدّق فيه طويلاً بما يكفي ليصبح صمت هشام ثقلاً مرئياً. خلفهم، أحد الضيوف قال بنبرة خشنة: «يعني الترتيب اتغيّر عشان شركتكم؟» وآخر سحب بطاقته من الماسح قبل أن تُطبع، كأنه لا يريد أن يمرّ عبر بوابة مرتبكة.
قال هشام بسرعة متكسرة: «كان تعديل مبدئي، حفاظاً على صورة الجلسة. أستاذة ليان ممتازة طبعاً لكن...» قاطعه أبو راشد من مكانه: «لكن ماذا؟» ابتلعت كلمة «لكن» وجه هشام كله. حاول أن يستعيد شيئاً من هندامه فقال موجهاً الكلام إلى ليان لا إلى البقية: «إذا تبين، نقدر نضيفك بمداخلة قصيرة من المقعد. ما يحتاج نصعّد الموضوع.» هذه كانت محاولة الترقيع الأخيرة: يعترف بها نصف اعتراف، ويُبقيها في نصف مكان.
رفعت ليان الورقة المطوية من يدها، تلك الفاتورة القديمة، وطوتها مرة أخرى حتى صارت حافة حادة بين أصابعها. «أنت ما أضفتني. أنت حذفتني.» لم ترفع صوتها، لكن الجملة خرجت مستقيمة، بلا أي فراغ يختبئ فيه. ثم نظرت إلى الموظفة وقالت: «من التالي على الجلسة الثانية؟» قالت الموظفة، وقد تغيّر اتجاه جسدها لأول مرة: «أنتِ، أستاذة ليان.» وبمجرد أن نُطق اسمها من طاولة التسجيل، صار التراجع أصعب على الجميع.
تحرك هشام بسرعة إلى طرف المنصة، محاولاً أن يسبقها إلى المذيع. «لا، دقيقة، فيه ترتيب بروتوكولي، المنصة مو فوضى.» لكن كل خطوة منه كانت تزيد وضوح ما فعله. رجل حجب اسماً ثم يركض الآن ليحجب الجسد نفسه. مرّ بجانب خالد، فمد خالد ذراعه نصف مدّ، ليس ليوقفه تماماً بل ليعطله جزءاً من ثانية. جزء الثانية كان كافياً. صعدت ليان الدرجتين الجانبيتين إلى مقدمة المنصة بينما المذيع، المربك حتى العظم، كان يلتفت بينها وبين هشام كمن يخاف أن يمسك الخطأ بيده.
توقفت ليان عند الطاولة الأمامية حيث الميكروفون المثبّت على قاعدة سوداء. مدّ المذيع يده غريزياً إلى القاعدة، ربما ليحفظها من الفوضى، لكن ليان سبقت يده وأمسكت الميكروفون نفسه. صرير خفيف خرج من السماعات، ذلك الصرير الذي يسبق ملكية الصوت. وصلت يد هشام إلى طرف الطاولة في اللحظة نفسها، وقال مبهوتاً: «مو بهذه الطريقة.» التفتت إليه وهي لا تزال ممسكة بالميكروفون، لا بهمس جانبي بل أمام القاعة كلها. «بل بهذه الطريقة بالضبط، لأنك استعملت الطاولة والبرنامج والنداء كأنها ملكك.»
في الصف الأول، نهض أبو راشد أخيراً، لا ليقترب منها بل ليجعل وقوفه تصديقاً علنياً على أن ما سيقال الآن ليس مشاجرة جانبية. في الممرات، توقف الداخلون عند نصف خطوة. حتى عامل القهوة عند الباب ثبت الصينية على كفه ولم يتحرك. كانت القاعة كلها معلقة على القبضة حول الميكروفون.
قالت ليان: «أنا ليان الحربي، الاسم الموجود في النسخة المعتمدة من برنامج المنتدى، والمتحدثة للجلسة الثانية بتكليف موثق من الرعاة بعد اعتذار المتحدث الأصلي. والذي غيّر الاسم قبل ساعة ليس صاحب الحق في المنصة، ولا في ترتيب الضيوف، ولا في تقرير من يقف في صف الانتظار ومن يصعد هنا.» تحركت نظرتها من هشام إلى الصفوف ثم عادت إليه. «وأنت من هذه اللحظة خارج أي قرار يخص ترتيب هذه الجلسة.»
كانت الضربة الأولى ظاهرة على وجهه قبل أن تصل إلى أذان الناس. انفتح فمه ثم انغلق، كأن الكلام صار ثقيل الوزن. حاول أن يتقدم خطوة، لكن أبو راشد قال من الأمام، من غير أن يرفع يده: «ارجع مكانك يا هشام.» جاءت الجملة كختم على الورق. ليس لأن الرجل أعلى صوتاً، بل لأن هشام لم يعد يملك الجهة التي يستند إليها. هذه هي الخسارة التي تُرى: لم يعد يوجّه أحداً، بل يُوجَّه.
ومع ذلك حاول آخر محاولة يائسة، متمسكاً بما تبقى من وجهه. قال نحو القاعة: «صار سوء فهم، وأستاذة ليان أخت عزيزة، وما نرضى عليها—» قطعت عليه وهي ترفع الميكروفون أكثر، حتى ارتفع معه رأسها لا صوتها فقط: «لا تستخدم القرب الاجتماعي ستاراً بعد ما استعملت الإقصاء علناً. العائلة والأصدقاء يعرفون، وهذا يكفي. هنا المعيار العمل، والاسم الصحيح، والترتيب الصحيح.» ثم التفتت إلى المذيع الواقـف جانباً كموظف فقد تعليماته. «نادي الجلسة باسمي كما هي في البرنامج المعتمد.»
تردد المذيع، والتفت إلى هشام مرة، فكان ذلك التردد بقايا النظام القديم كلها في ثانية واحدة. لم تنتظر ليان إذناً جديداً. أدارت جسمها نصف دورة نحو الصفوف، وأخذت المكان أمام الطاولة لا بجانبها، مكان من يفتتح لا من يعتذر. «نبدأ الآن. الجلسة الثانية عن كفاءة التوريد في قطاع الطاقة، وأنا أديرها وأتحدث فيها. ومن لم يعجبه الترتيب الصحيح فباب القاعة خلفه، لا المنصة أمامه.»
هنا وقع الكسر الكامل. تراجع هشام خطوة فعلية هذه المرة، فارتطمت فخذه بحافة الكرسي الجانبي عند المنصة، واضطر أن يمسك طرف الستارة حتى لا يختل توازنه. الضرر صار جسداً لا مجرد معنى. الموظفة عند طاولة التسجيل نادت إلى زميلتها: «ثبتي الاسم الحالي. ليان الحربي على المنصة.» لا أحد طلب منها ذلك، لكنها قالتها لتعلن الجهة التي تتبعها الآن. ومن بين الصفوف، تقدمت أمينة ووضعت على الطاولة نسخة مطبوعة من البرنامج المعتمد، فوق الورق الذي كان هشام يلوّح به قبل قليل. الورقة التي حاولت حذفها صارت علماً فوق طاولته.
مال خالد خطوة من آخر الممر، ونظر إلى هشام لا إلى ليان. لم يقل كلمة، لكن انصراف عينه عنه كان أوضح من أي خصام عائلي. الوجه الاجتماعي الذي كان هشام يراهن عليه انسحب من جانبه في اللحظة التي احتاجه فيها. وحين حاول أن يفتح فمه من جديد، لم يجد إلا موظف الصوت يقول له من أسفل المنصة: «لو سمحت أبعد شوي عن الخط.» حتى الفني البسيط صار يضع له حدّاً.
أخذت ليان نفساً واحداً، قصيراً وحاداً، ثم نزلت بيدها على قاعدة الميكروفون تثبتها أمامها. في يدها الأخرى بقيت الورقة المطوية، نصف فاتورة ونصف تذكير بكل ما جاء بها إلى هنا وهي تُمنع من الصف الأمامي كأن تعبها لا يساوي اسماً. رفعتها قليلاً ثم دسّتها في جيب عباءتها. لا شيء ينقذ كرامة معلقة على منصة مثل أن تسمي نفسك بنفسك أمام من حاولوا محوك.
قالت في الميكروفون، بصيغة القرار لا التبرير: «يُعتمد الآن النداء الرسمي للجلسة الثانية باسم ليان الحربي. أي تعديل خارج النسخة الموثقة لاغٍ. تفضلوا إلى أماكنكم.» ثم جذبت الميكروفون إليها أكثر، حتى ملكت المسافة كلها عند مقدمة المنصة، وبقيت يدها عليه بينما ماتت آخر صفيرة راجعة في السماعات.