هذه الغرفة كانت تنتظرني
انزلقت صينية القهوة من يد العاملة الجديدة قبل أن تصل إلى باب مجلس النساء، فاندفعت سلمى والتقطت الدلال من أعناقها الساخنة بيديها العاريتين، ثم دفعت الصينية بركبتها إلى حافة الطاولة الضيقة المزدحمة بعلب تمر وملاعق صغيرة. قالت نهى من خلفها، بلهجة ناعمة تؤذي أكثر من الصراخ: "خلاص يا سلمى، حطيها هنا. مو لازم تدخلي. انتظري برا عند الممر." كانت سلمى قد جاءت أصلًا تحمل ملفات عرض مشروع التخرج لابن خالة نهى، وتسبقها ساعات يوم طويل في الجامعة، كرمشة بطاقة الدخول باقية على شريطها حول عنقها، وطرف كمها مطبوع بخط حبر قديم. ومع ذلك، حين أنقذت القهوة من أن تنسكب على عباءات الضيفات، لم تحصل إلا على الإبعاد نفسه، كأن يدها تصلح كل شيء إلا مكانها.
وقفت عند طرف الممر المؤدي إلى المجلس، لا هي ضيفة فتجلس، ولا عاملة فيؤمر لها بمكان واضح. الهواء في بيت خالة أمينة كان أثقل من حر آخر النهار في الرياض، ممتلئًا برائحة الهيل وأصوات الترحيب. نهى دخلت بالصينية التي أنقذتها سلمى، واستقبلت الشكر بابتسامة جاهزة كأن الأمر كله جرى بترتيبها. ثم عادت بعد دقيقة ومدت يدها بلا نظر كامل. "وين الكفر الإضافي؟ بسرعة. بنت عمتي الصغير انسكب عليها العصير." سلمى انحنت إلى الكرسي الجانبي، سحبت غطاءً خفيفًا مطويًا، ولما رأت أثر البقعة على فستان الطفلة قبل أن تفضح المشهد أمام الكبار، أخذت الغطاء بنفسها ودخلت خطوتين فقط، تكفكف السكر السائل بمنديل، وتلف القماش على الطفلة حتى اختفى الأثر.
رفعت خالة أمينة عينيها من طرف المجلس. لم تقل كثيرًا، فقط أشارت إلى طاولة صغيرة عند الستارة الفاصلة وقالت: "خلي شنطتك هنا يا بنتي، أهون من وقفتك بالممر." كان ذلك أقل من دعوة وأكثر من طرد مؤجل، ومع ذلك كان أول كسر صغير في الترتيب الذي أرادته نهى. وضعت سلمى حقيبتها هناك، قرب مبخرة مطفأة ومصحف صغير، وشعرت للحظة أن كتفها الهابط من إرهاق النهار وجد حافة يسندها. لكن نهى خرجت مرة أخرى، رأت الحقيبة، وقالت بسرعة خافتة: "لا تطولين. بعد شوي يجي يزن وأهله من مجلس الرجال، ما يصلح يصير زحمة هنا."
يزن لم يكن غريبًا عن سلمى. في الجامعة، كانا في فريق واحد لمشروع مرتبط بمسار من مسارات قطاع الطاقة، وهو من القلة الذين يقرأون ما ترسله كاملًا بدل أن يلتقطوا اسمهم من الغلاف ويتركوها تسد الثقوب. لكن هذه الليلة لم تكن جامعة، وكانت نهى حريصة على أن تصير سلمى شيئًا بين الرسائل والطلبات: موجودة عند الحاجة، مختفية عند الحساب. كلما خرج أحد يطلب ماءً باردًا، أو مناديل، أو شاحنًا لهاتف أحد الأولاد، كانت نهى تناديها أولًا. "أنتِ أقرب." "أنتِ أهدى." "أنتِ تعرفين المطبخ." كانت سلمى تفعل، لأن الامتناع هنا سيبدو جفاءً على خالة دعتها أصلًا لتسليم الأوراق ومراجعة العرض، ولأن أي رفض أمام العائلة والأصدقاء يعرفون، حتى من بعيد، يكبر أسرع من سببه.
حين أذّن المغرب انقطع الضجيج لحظة، وتبدلت حركة البيت. بعض النساء قمن إلى غرفة جانبية، وبعض الأطفال اندفعوا إلى الممرات كأن البيوت تتسع لهم وحدهم وقت الصلاة. استغلت سلمى الوقفة لتفتش هاتفها. لا سيارة أجرة تقبل الطلب في ذلك الحي بسرعة، وأخوها أرسل قبل نصف ساعة أنه عالق في الجهة الأخرى من المدينة. الرسالة الأخيرة من نهى كانت قبل العصر: تعالي بدري، نسوي بروفا سريعة على العرض قبل الناس. البروفة لم تحصل، والمساء صار أثقل من أن يعتذر أحد عنه. أغلقت الشاشة، ثم أدخلت الهاتف في الحقيبة كأنها لم ترَ شيئًا.
بعد الصلاة، عاد الازدحام أسوأ. أحد الأولاد أسقط صحن حلوى قرب مدخل المجلس، فتطاير الشراب اللزج على طرف السجادة. وقفت نهى لحظة تنظر، مترددة بين أن تنحني وبين أن ترفع صوتها على الطفل. سلمى سبقتها. ركعت على السجادة، جمعت الزجاج المكسور بيدين ثابتتين، غطت البقعة بمنديلين سميكين ثم سحبت الصينية الفارغة فوق المكان حتى لا تراه الداخلات. "جيبوا لي موية فقط، لا أحد يجي هنا بالحفاية." قالتها من غير رفع رأس، كأنها صاحبة البيت لا ضيفته الزائدة. الطفلة نفسها التي غطتها قبل قليل تشبثت بكتفها لتتوازن، فسندتها سلمى بيد، وبالأخرى مسحت أثر الشراب قبل أن يلتقطه بصر كبيرات السن.
هذه المرة كان يزن عند آخر الممر، خارجًا من جهة مجلس الرجال وفي يده كوب ماء. توقف لا لأن المشهد غريب، بل لأن المقارنة كانت فجّة؛ نهى واقفة بثوبها المرتب وعبارتها المقطوعة، وسلمى على الأرض تنقذ السجادة وهدوء البيت وسمعة السهرة كلها دفعة واحدة. قال بهدوء: "خذي هذا." ومد لها الماء بدل أن يناوله لنهى. رفعت سلمى رأسها، ترددت جزءًا من ثانية، ثم أخذته وغسلت طرف أصابعها عن السكر. نهى التفتت إليه بضحكة قصيرة لم تنجح. "هي تعرف تتصرف." قال: "واضح."
مع تقدّم الليل، بدأ الناس يخفّون. السيارات تتحرك من تحت النوافذ، والممر الواسع يبرد قليلًا بعد أن نُزع عنه زحام الأحذية. سلمى جمعت ملفاتها أخيرًا، وعدّلت شريط بطاقتها المكرمش، وحاولت أن تمر على خالة أمينة للسلام والانصراف. لكن نهى سبقتها مرة أخيرة، بصوت منخفض محسوب: "إذا بتنتظرين أحد، انتظري برا عند المدخل الخارجي. داخل البيت ما عاد فيه جلسة. أمي بتنام، والخادمات بيقفلون." لم تقلها كإهانة صريحة؛ قالتها كلائحة بيت. وهذا أسوأ. لأن الرد على اللائحة يبدو تمردًا، لا دفاعًا.
نظرت سلمى عبر الزجاج الجانبي. الفناء الخارجي احتفظ بحرارة الإسفلت، والهواء بعد العشاء في الرياض لا يرحم من يقف بلا سيارة ولا ظل. رصيف الحي هادئ أكثر من اللازم؛ الهدوء نفسه الذي يفضح من تُترك وحدها. كان يمكنها أن تطلب مباشرة مكانًا تنتظر فيه عشر دقائق، نصف ساعة، أي شيء. لكنها عرفت شكل الجواب قبل أن يخرج: ليس مناسبًا، ليس الليلة، الناس ما خلصوا تمامًا. لذلك قالت فقط: "بسلّم وأطلع." ورفعت حقيبتها على كتفها، كما لو أن الوقوف في الخارج أهون من سؤال واحد يهينها مرتين.
وصلت إلى العتبة الجانبية التي تؤدي إلى الساحة، وهناك خانها جسدها لأول مرة. لم يكن انهيارًا دراميًا؛ مجرد دوخة حادة من يوم الجامعة والحر والقهوة التي لم تشربها، جعلتها تضع يدها على الجدار الأبيض. في اللحظة نفسها سمعوا صرخة قصيرة من داخل البيت. طفل خالة أمينة الصغير، الذي ظل يركض بين المجالس، كان قد علق طرف ثوبه الخفيف في درج حديدي قرب المطبخ، وسقط على ركبته واصطدم رأسه بحافة الخزانة. نهى تجمدت عند الممر، قالت "يا ويلي" ولم تتحرك. سلمى تركت حقيبتها قبل أن تستقيم تمامًا، وعادت بسرعة.
كان الدم قليلًا لكنه فزع البيت كلّه. جلست سلمى على الأرض، جذبت الطفل إلى حضنها قبل أن يزيد ارتجافه، ورفعت ذقنه بإصبعين لتبعد يده عن الجرح. "لا تضغطون عليه كلكم، افتحوا لي مكان." قالتها حادة هذه المرة. أخذت منديلًا نظيفًا، ضغطت على الركبة أولًا لتوقف السيل، ثم طلبت ماءً باردًا لا مثلجًا. الطفل كان يلهث من البكاء، فوضعت راحته على كم عباءتها بدل الجرح، وثبّتت رأسه على كتفها حتى هدأ. خالة أمينة جاءت مذعورة، ونهى معها علبة إسعاف مفتوحة على ارتباك، تقلب الشاش ولا تعرف أي طرف تمسكه. سلمى سحبت لاصقًا، نظفت الجلد حول القطع الصغير، وغطت الركبة في ثوانٍ، ثم مررت كفها على ظهر الطفل بإيقاع ثابت. المشهد كله حدث أمام من بقي من النساء، وأمام يزن الذي وصل مع صوت الصراخ، وتوقف عند نهاية الستارة.
تغير شيء دقيق لا يحتاج إعلانًا. خالة أمينة انحنت، أخذت وجه حفيدها بين يديها، ثم رفعت بصرها إلى سلمى لا إلى نهى. "جزاكِ الله خير." قالتها بصدق مرتبك، كأنها انتبهت متأخرة إلى من ظل يسند بيتها طوال المساء. نهى أغلقت علبة الإسعاف بعنف صغير ووضعتها على الطاولة. لم تقل شيئًا، لكن الصمت هذه المرة لم يخدمها. يزن اقترب، رفع حقيبة سلمى التي تركتها عند الممر، وعلّق شريطها الملتوي عن الأرض من دون أن يقدمه لها فورًا. نظر إلى وجهها فقط وقال: "أنتِ شاحبة."
استقامت سلمى ببطء. كانت يداها ثابتتين أكثر من ساقيها. "أنا ماشية." قالتها وهي تمد يدها للحقيبة. لم ترد أن تتحول لحظة واحدة من الاعتراف المتأخر إلى فضل عليها. أخذت الحقيبة، وشكرت خالة أمينة، ثم اتجهت من جديد إلى العتبة الجانبية. خلفها، حاولت نهى أن تستعيد ترتيبها: "أوصل لها سائق تطبيق إذا تبون." كان عرضًا متأخرًا بما يكفي ليبدو نظيفًا أمام الناس، وقاسيًا بما يكفي ليتركها تنتظر خارج الباب حتى يصل.
فتحت سلمى الباب الخارجي الصغير، ولفحها الهواء الحار من الفناء. وقفت ثانية في الظل الضيق عند الجدار، وبدأت تبحث في هاتفها عن أي سيارة تقبل. لم تقبل واحدة. ولا ثانية. ولا ثالثة. ضوء الشاشة جعل شحوبها أوضح. كان الخروج الآن أهون على الكرامة من الرجوع خطوة واحدة إلى الداخل. لهذا حين سمعت الباب الداخلي خلفها لم تلتفت مباشرة.
جاء يزن من الممر الآخر، لا من جهة المجلس، بل من الممر الجانبي المؤدي إلى الجزء الداخلي من البيت، حيث دورة المياه الصغيرة وغرفة الضيوف التي تستخدم أحيانًا للنوم العابر. في يده مفتاح صغير، وفي الأخرى كوب ماء جديد. لم يرفع صوته، ولم ينظر نحو الصالة حيث يمكن لأحد أن يلتقط المشهد ويؤوله. فقط تجاوزها خطوة، فتح الباب الجانبي الذي بقي طوال الليل مغلقًا، فأضاء ممرًا نظيفًا ضيقًا، ثم ثبت الباب بيده وقال: "هنا أبرد. اغسلي وجهك أولًا." وضع الكوب على الرف الصغير قرب المغسلة، ثم أضاف بعد لحظة محسوبة: "الغرفة هذه فاضية. اقعدي فيها لين يجيك أحد، أو لين أوصلك أنا بعد ما يخف البيت."
بقيت سلمى مكانها، الهاتف في يدها، والهواء الحار وراء ظهرها كأنه يدفعها إلى الشارع دفعًا. لم يكن ما فعله كلام مواساة يمكن رده بابتسامة. كان فتحًا واضحًا في مكان لم يكن لها قبل دقائق حق الوقوف على حافته. من داخل البيت جاء صوت نهى، بعيدًا بما يكفي ليصير بلا سلطة: "يزن، أمي تدورك." رد من غير أن يرفع رأسه: "عارف." ولم يغلق الباب.
قالت سلمى، بصوت منخفض خشن من التعب: "ما أبي أسبب إحراج." هذه كانت آخر قطعة من درعها، لا أكثر. نظر إلى يدها التي ما زالت تقبض على الهاتف كمن يتمسك بسبب للخروج، ثم إلى آثار السكر الجاف قرب كمها، وإلى بطاقة الجامعة المكرمشة على صدرها. "الإحراج كان من زمان." قالها مرة واحدة، بلا زيادة، ثم أبعد جسده عن المدخل بدل أن يسده، وترك المساحة لها. لا أمر، لا استعطاف. مجرد طريق مفتوح ومكان محفوظ من الفناء والعيون.
أخفضت سلمى رأسها لحظة، كأنها تجمع ما تبقى منها حتى لا يتساقط عند العتبة. ثم دخلت. خطوة أولى على السيراميك البارد، ثم ثانية. رفعت الحقيبة عن كتفها المتخشب ووضعتها على الكرسي القريب داخل الغرفة الصغيرة. شربت نصف الكوب دفعة واحدة، وشعرت لأول مرة تلك الليلة أن يدها لا تحتاج أن تكون مستعدة لحمل شيء يخص غيرها. حين التفتت، كان يزن قد بقي عند الحد الفاصل، لا يتقدم أكثر. أشار إلى باب دورة المياه المفتوح والضوء مشتعلاً. "إذا احتجتِ شيء، هذا الممر ما راح يتقفل."
هزت رأسها فقط. ثم أخذت خطوتين إلى الداخل أكثر، ومدت يدها إلى باب الغرفة الصغيرة، لا لتغلقه تمامًا، بل لتتركه على فتحة ثابتة لا تسقط ولا تفضح. كانت تلك حركتها هي، لا حركته. وبعدها مشت إلى دورة المياه المضاءة، غسلت وجهها ويديها ببطء، وعلقت بطاقة الجامعة على طرف المغسلة حتى لا يبتل الشريط.
في دورة المياه المضاءة، تحت المصباح الأبيض الهادئ، بقيت المغسلة خالية إلا من قطرات على الخزف وحلقة ماء دافئة لم تبرد بعد.