Fast Fiction

البيت الذي فُتح لها

وضعت سلمى صينية القهوة على طرف الكونتر المزدحم بعلبة تمر مفتوحة وملاعق صغيرة، فامتدت يد نوفل وسحبها من بين يديها كأنها التقطت شيئًا لا يخصها. قال من غير أن ينظر إليها: "خليها. المجلس فيه رجال من طرف خالي، مو وقتك تدخلين." ثم ناول الصينية لابنة عمته التي وصلت للتو بعباءتها المرتبة وعطرها البارد. بقيت سلمى عند عتبة المطبخ، أصابعها ما زالت على شكل حملٍ فارغ، وبطاقة الجامعة المتعبة تتدلى من رقبتها بخيط باهت انثنى من كثرة الاستعمال. كانت قد خرجت من المكتبة قبل المغرب بدقائق، ثم مرت على الصيدلية، ثم جاءت لأن أم نوفل اتصلت وهي تلهث من ضغط الضيوف. العائلة والأصدقاء يعرفون بوجود قربٍ بينها وبين هذا البيت، لكن المعرفة شيء، ومن يؤذن له أن يعبر الستارة شيء آخر.

لم تقل شيئًا. فقط التفتت حين سمعت سعلة حادة من داخل الممر، ورأت أم نوفل تضع يدها على صدرها وتبحث بعينيها عن الماء. قبل أن يطلب أحد، فتحت سلمى الثلاجة، سكبت كأسًا، وأسندت المرأة إلى الكرسي القريب من باب الخدمة، بعيدًا عن أنظار الداخل. "خذي نفسًا قصيرًا... شوي شوي." وضعت بجانبها علبة الدواء التي تعرف مكانها من زيارات كثيرة لم يُسمَّ لها فيها مكان. لم ترفع أم نوفل رأسها إلا بعد أن هدأ السعال، وقالت بصوت مبحوح: "ادخلي من هنا، لا توقفين في الحر." كانت جملة صغيرة، لكنها فتحت لها ظل الممر الجانبي بدل وقفة الباب.

البيت في شمال الرياض واسع وبارد من الداخل، لكن البرودة لا تصل إلى من يُترك واقفًا قرب باب الخدمة. بعد الأذان بقليل، امتلأ المجلس بأكواب القهوة وأصوات رجال يتكلمون عن مشاريع في قطاع الطاقة وأسعار التوريد، بينما النساء في الصالة الأخرى يراقبن حركة الداخل والخارج أكثر مما يراقبن الطعام. لم يسمح نوفل لسلمى أن تحمل شيئًا إلى الأمام. كلما تقدمت، أشار إلى موضع أدنى: مرة عند المغسلة، مرة عند الطاولة الجانبية، ومرة قال بلهجة مصقولة أمام خالته: "هي بس تساعد أمّي شوي." كلمة "بس" نزلت عليها أثقل من الصينية التي سحبها منها.

كان يمكنها أن تخرج. سيارة الأجرة تصل خلال عشر دقائق. لكن الليل في هذا الحي لا يرحم من تخرج وحدها متعبة، وسكن الطالبات الذي تشاركه مع اثنتين أخريين يغلق بابه الداخلي مبكرًا، وصاحبة المبنى لا تحب التأخير للمرة الثانية. كما أن أم نوفل لم تكن بخير، والمرأة تعرف هذا بملامح لا تخطئها. لذلك ظلت واقفة، تسند كتفها المنهك إلى طرف الرخام، وتخفي تيبس آخر النهار تحت كمّ عباءتها. مر هشام، أخو نوفل الأكبر، خارجًا من المجلس إلى المغسلة، فرأى الكوب الذي جهزته لأمه، والدواء مفتوحًا بجانبه، والعرق الرفيع على صدغ سلمى. لم يقل إلا: "إذا خلصت الصلاة، جيبي لأمي الشوربة فوق، لا تخلونها تنزل."

جاءت المصيبة من حيث لا ينتظرها بيت يحب المظاهر. ابنة الخالة نفسها، وهي تحمل إبريق العصير المزجج إلى النساء، علقت حافة عباءتها بزاوية الطاولة، فانقلب الإبريق دفعة واحدة. اندفع الشراب الأحمر على مفرش الكنب الفاتح، وعلى طرف ثوب امرأة كبيرة السن من جهة أم نوفل. صرخة مكتومة، ثم ارتباك خبيث؛ كل واحدة تراجعت نصف خطوة كي لا تُحسب عليها الفوضى. وظهر نوفل عند الستارة في اللحظة نفسها، جاهزًا بالغضب قبل أن يفهم.

لم تنتظر سلمى نظرات الاتهام. التقطت أولًا عباءة المرأة الكبيرة ورفعتها عن البلل، ثم وضعت بين يدها وبين الثوب منشفة من عربة الخدمة. قالت بهدوء سريع: "لا تقومين، يثبت اللون إذا تحرك." بعدها جذبت مفرش الطاولة دفعة محسوبة إلى الداخل ليمنع السائل من النزول إلى السجاد، وأزاحت صحن الفاكهة بكوعها قبل أن يسقط. لم تلتفت إلى الإبريق المكسور، بل إلى وجه ابنة الخالة الذي انفتح عليه الفزع. بخفة أقرب إلى الستر منها إلى التنظيف، أخذت منها بقايا المقبض الزجاجي وأخفته في المنشفة، ثم قالت بصوت تسمعه المرأة الكبيرة وحدها: "انكب من طرف الصينية، مو منك." في أقل من دقيقة كان الضرر محاصرًا، والحرج موزعًا بعيدًا عن الفتاة.

وصل هشام على صوت الزجاج، فتوقف عند الباب. رأى أمه في آخر الصالة تحاول أن تنهض، ورأى ابنة الخالة شاحبة تكاد تبكي، ورأى سلمى راكعة على السجاد تمسح الحافة الخارجية فقط حتى لا يتسع الأثر. نوفل فتح فمه أولًا: "قلت لكم—" لكن هشام قطعه بنبرة لم ترفع صوتها: "هاتوا غطاء ثاني للمقعد." ثم انحنى بنفسه وأخذ المنشفة النظيفة من يد الخادمة، وناولها لسلمى لا لغيرها. كانت المرة الأولى منذ بداية الليل التي يُسلَّم فيها إليها شيء أمام شاهد لا يضعها في الهامش. ولمّا نهضت لتأخذ الغطاء، تنحت أم نوفل قليلًا لتفسح لها الممر الأقصر بين الطاولة والستارة. ممر صغير، لكنه لم يكن موجودًا قبل دقيقة.

بعدها تغيّر الهواء من غير أن يصفق له أحد. النساء صرن يوجهن السؤال لسلمى مباشرة: أين نضع هذا، هل يكفي ذاك، هل تبدلت البقعة؟ ونوفل ازداد صمتًا، وهو الصمت الذي يلبسه الرجال حين ينفلت من أيديهم ترتيب المجلس. مع ذلك لم يعترف لها بشيء. حين انتهى معظم الضيوف، قال وهو يلتقط مفاتيحه من الصحن قرب المدخل: "أوصلكم بعد شوي." لم يكن عرضه كرمًا؛ كان رقابة متأخرة. سلمى فهمت هذا من عينيه، ومن الطريق التي قال بها "أوصلكم" كأنها صندوق يعاد إلى مكانه.

في المطبخ، كانت أم نوفل قد أرهقها السعال مرة أخرى، فصعدت إلى غرفتها بمساعدة الخادمة. بقيت سلمى تجمع الأكواب الفارغة وتضعها على الرخامة الضيقة. انحنت لتلتقط ملعقة سقطت تحت الدولاب، فدار المكان قليلًا. تمالكت نفسها بقبضتها على الحافة حتى ابيضت مفاصلها. منذ الصباح لم تأكل إلا نصف فطيرة باردة في الجامعة. هاتفها اهتز برسالة من زميلتها: صاحبة السكن غيّرت القفل الداخلي لأن إحدى البنات تأخرت أمس، ولن تفتح بعد الحادية عشرة. رفعت سلمى الشاشة، أطفأتها فورًا، ثم أعادت الهاتف إلى جيبها كأنها تخفي دينًا.

دخل هشام يطلب ماءً باردًا لأمه، فوجدها واقفة ثابتة أكثر مما ينبغي. على كمها قرب المعصم خط حبر قديم، وعلى طرف بطاقتها الجامعية كسر صغير، وتحت عينيها تلك الظلال التي تصنعها أيام لا تجد مكانًا تنتهي فيه بسلام. مد يده إلى الكأس، ثم توقف. "ما رجعتي للسكن؟" سألها. هزت رأسها مرة واحدة. "بقفل." لم تزد. لا شرح، لا شكوى، فقط الكلمة التي تكفي لتضع الليل كله على الطاولة ثم تسحبه قبل أن يراه أحد. قالت بعدها مباشرة، محاولة أن تستعيد مسافة النجاة: "أطلب سيارة. بس أوصل الشارع الرئيسي." كان هذا آخر درع لديها؛ ألا تطلب بابًا كاملًا، فقط طريقًا إليه.

في الخارج، كان نوفل قد سبقهم إلى الممر المؤدي إلى الباب الرئيسي. لم يعجبه أن يسمع آخر الحديث، ولا أن يرى أخاه واقفًا بين سلمى وبين العتبة. قال بنفاد صبر ظاهر: "ما يصلح تجلس هنا الليلة. الناس كانوا هنا، وبكرا عمتي ترجع. إذا تحتاج مشوار أنا أوصّلها." ثم زاد، وكأنه يرتب البيت لا يطرد إنسانة: "وغرفة الضيوف فوق مو مفتوحة لأي أحد." كانت الجملة مقصودة، باردة، ومسموعة بقدر يكفي. حتى الخادمة التي كانت تحمل كيس النفايات تباطأت عند زاوية الممر. هذا هو الوجه الحقيقي للباب حين يتكلم نيابة عن السمعة.

سلمى التقطت حقيبتها من فوق الكرسي الصغير. حاولت أن ترفعها على كتفها بثبات، لكن كتفها ارتجف. قالت من دون أن تنظر إلى أحد: "ما أبي أحرج أحد. أطلع." ومشت خطوتين. عند الثالثة انزلقت الدنيا من تحتها قليلًا، ليس سقوطًا كاملًا، بل ذلك الترنح المهين الذي يفضح الجسد حين ينتهي صبره قبل صاحبه. أمسكت بالجدار سريعًا. لم تلتفت. الإهانة كانت في أنها ما زالت تحاول المشي كأنها بخير.

هنا تحرك هشام أخيرًا بطريقة أغلقت التأويل. لم يجادل أخاه، ولم يرفع صوته، ولم ينظر إلى الخادمة ولا إلى آخر الممر. تقدم إلى الطاولة الضيقة قرب السلم، فتح الدرج الصغير الذي تُحفظ فيه المفاتيح الاحتياطية، وأخرج المفتاح الفضي المعلق بقطعة جلد بنية. وضعه في يد سلمى نفسها، ثم أخذ حقيبتها من كتفها برفق قصير كمن يخفف وزنًا لا مقامًا. قال فقط: "فوق، آخر الممر اليمين. الغرفة جاهزة." وحين مد نوفل يده بنصف اعتراض، التفت إليه هشام للمرة الأولى: "تبقى مفتوحة لها. الليلة وبعدها. وإذا رجعت متأخرة، تدخل من الباب الجانبي." لم يكن في صوته تحدٍّ مسرحي؛ كان ترتيبًا نهائيًا للبيت، بصيغة من يملك أن يثبت الطريق ويبقيه.

سلمى لم تبكِ، ولم تشكره بالكلمات التي تصغر اللحظة. أغلقت أصابعها على المفتاح حتى انغرست حافته في جلدها، كأنها تتأكد أنه شيء صلب لا مجاملة تمر. رفعت رأسها نحو السلم، ثم وقفت لحظة واحدة فقط. قالت بصوت واطئ، مستوٍ: "أنا أصعد." كانت هذه المرة الأولى تلك الليلة التي تختار فيها فعلًا يخصها من غير أن يُسحب منها في منتصفه.

صعدت الدرج بخطوات بطيئة، لكنها مستقيمة. في الأعلى كان الممر هادئًا، والمصباح الجانبي مضاءً، وباب الغرفة في آخر اليمين مواربًا فعلًا لا مجازًا. دفعت الباب ودخلت. الهواء داخلها بارد بقدر يكفي للنوم، لا للعرض. على الكرسي قرب الخزانة وُضعت عبوة ماء جديدة ومنشفة نظيفة. أغلقت الباب حتى بقي على فتحة صغيرة، ثم خلعت بطاقتها الجامعية أولًا ووضعتها على الطاولة، وبعدها نزعت حذاءها عند طرف السرير، ومدت يدها إلى الأرض لتعدل موضعه كأنها تثبت جسدها في المكان قبل أن تجلس.

وعلى البساط الصغير قرب السرير، استقر حذاءاها متجاورين، تتجه مقدمتهما إلى الداخل.