اختارني بعد ما فات
دفعَت نورة الستارة بظهر يدها وقالت بصوتٍ خافتٍ مستعجل: «هالة، خذي هذا الآن، لا تخلّينه عندي.» كان الظرف السميك فوق علبة صغيرة بلونٍ رمادي، وبينهما بطاقة دخول قديمة مهترئة الحافة تتدلّى من شريط ممزق. لم تكن هالة جالسة أصلًا؛ كانت واقفة عند طرف الممر بين المطبخ ومجلس النساء، تحمل صينية فناجين القهوة، والحرّ العالق من باب الحوش المفتوح يدخل مع رائحة الغبار. التفتت إليها ثلاث نساء في اللحظة نفسها، كأن الشيء لم يصل إليها بل سقط عليها. وقالت خالتها من الداخل، من غير أن تنهض: «حطي الصينية أول، وبعدين شوفي خرابيطكم.»
وضعت هالة الصينية على حافة الكاونتر الضيقة المكتظة بعلبة تمر وملاعق صغيرة وإيصال بقالة مطوي إلى نصفين ومفتوح مرات كثيرة، ثم أخذت الظرف لأنها أُجبرت على أخذه لا لأنها دُعيت إليه. شعرت بصلابة الورق تحت أصابعها قبل أن تقرأ الاسم المكتوب بخط تعرفه حتى بعد خمس سنين. سلمان.
في الداخل كانت أم صالح، والدة العريس الجديد لنورة، تُكرَّم بالمقعد القريب من الدلة، وتُصب لها القهوة أولًا ثم تُمرَّر الصواني على النساء حسب القرابة والرتبة. أما هالة، ابنة البيت التي تعبت منذ العصر بين السفرة والمطبخ، فمكانها عند الحافة، إذا دخلت دخلت وهي تحمل شيئًا، وإذا وقفت وقفت لتفسح. العلاقة القديمة مع سلمان لم تكن سرًا كاملًا؛ العائلة والأصدقاء يعرفون بقدر يكفي ليتركوا بعدها ظلًا، وبقدر لا يكفي ليحموا صاحبتها منه. هم فقط يعرفون النتيجة التي رُويت لهم: البنت استعجلت، الشاب اختار مستقبله، وكل واحد راح في طريقه.
جاء صوت أمها من خلفها أكثر برودة من المكيف: «هالة، لا توقفين هنا. دخّلي الشاي للضيوف.» ثم رأت نورة الظرف في يدها فتقدمت نصف خطوة، خافتة ومحرجة: «الرجال اللي جابه من جهة عمته، يقول لازم ينفتح الليلة. قال أمانة متأخرة.» لم تقل «من سلمان» أمام المجلس، لكنها قالتها بعينيها، وكان ذلك أسوأ.
دخلت هالة بصينية الشاي هذه المرة. عند عتبة المجلس وقفت لحظة لأن أم صالح كانت تتكلم عن ابنها المهندس في قطاع الطاقة، وعن بيتهم الجديد في شمال الرياض، وعن «الستر إذا جاء من بابه». لم ترفع أم هالة رأسها نحو ابنتها إلا لتشير بإصبعين إلى الطاولة الجانبية، لا إلى حلقة النساء. حتى التقديم له ترتيب يفضح من يُرحَّب بها ومن تُستخدم لتثبيت الهدوء. مدت هالة الصواني، فمرّت إحدى قريبات العريس وقالت بلباقة جارحة: «الله يعينك يا بنتي، أنتِ شايلة البيت كله.» الجملة التي تبدو مديحًا وتُستعمل بدل الاعتذار.
عادت إلى الممر والظرف ما زال في يدها. عند الباب الخارجي كان رسول العائلة، رجل كبير من جهة عمة سلمان، ينتظر في مساحة الظل بين الحوش والشارع، ماسكًا شماغه من الهواء الحار. لم يجلس في المجلس، ولم يُدعَ له بالقهوة، كأنه جاء ليترك حملًا ويهرب منه. قال حين رآها: «يا بنتي، أنا قلت لهم أسلمه لأبوك، قالوا الحريم أدرى بأمور الحريم. وأنا ما لي إلا أوصل.» ثم نظر إلى الظرف والعلبة الصغيرة وقال: «وفيه شي ثاني لازم يُقال قبل ما يصير فينا كذب أكثر.»
تصلب ظهرها. لم تشأ أن تسأله، لكنه تابع وكأنه يعجل نفسه قبل أذان العشاء. «أنتِ كنتِ تحسبين سلمان سكت يوم تقدم لك رسميًا ورفض أبوه، ثم ترك الموضوع. هذا مو كل اللي صار. قبل خمس سنين أرسل لك خطاب ثاني مع عمته، ومعه موعد عقد بسيط وشقة مستأجرة على قدّه، وقال يكفي البداية. أبوه أخذ الخطاب وخبّاه. وقال له إنك رفضتِ وإن أهلك ما يبون واحد راتبه ما يكفي. وسلمان…» تردد لحظة، ثم أكمل بعجز: «سلمان صدّق أبوه. وبعدها بأشهر جاءه قبول بعثة ودبي، فراح.»
لم تسمع آخر الكلمة كاملة. كلمة «خبّاه» وحدها ارتطمت في صدرها. كانت خمس سنين من الغضب قد بنت شكلًا ثابتًا لجرحها: أنه خاف وتركها. الآن انشق الشكل من المنتصف. ليس لأنه صار بريئًا، بل لأنه لم يكن كما ظنته تمامًا. كان أضعف. أسهل انقيادًا. أقل شجاعة حتى من الصورة التي أذتها سنوات. رفعت بصرها إلى الرجل وقالت ببطء: «والحين تذكّرتوا؟»
أخرج من جيب ثوبه ورقة مطوية قديمًا، حوافها ملساء من كثرة الفتح. «هذه نسخة كانت عند عمته. ماتت قبل شهر، ولقيناها بين أوراقها. وقالت قبل تموت: وصّلوها لهالة، لا تروح وهي مظلومة.» فتح الورقة أمامها لا ليسرد الماضي، بل ليثبته. كان فيها اسمها كاملًا، وتاريخ قديم، وعبارة قصيرة بخط سلمان: «إذا وافقتِ نبدأ بالقليل، وأنا أتحمل الوقوف قدام أهلي.» والعبارة نفسها جعلت الخسارة أغلظ، لأن القليل الذي كان كافيًا وقتها صار الآن مستحيلًا إرجاعه.
من داخل المجلس ارتفع صوت ضحكة جماعية ثم سكتت عند أول كلمة من الأذان. اهتز البيت قليلًا بتبدل الإيقاع؛ نساء يقمن للوضوء، فناجين تُجمع، أبواب تُفتح وتغلق. في هذا الارتباك خرجت أم هالة إلى الممر، فرأت الرجل والورقة في يد ابنتها. وجهها لم يتغير، وهذا كان اعترافًا أكثر من أي كلام. قالت للرجل: «الله يجزاك خير، وصلت الأمانة.» ثم مدت يدها لتأخذ الورقة، لكن هالة سحبتها قبل أن تصل إليها.
سألتها هالة من غير رفع صوت: «أنتِ كنتِ تدرين؟»
لم تجب أمها مباشرة. رتبت طرف شيلتها وقالت: «كنا نبي لك الأفضل. وقتها هو لا يملك إلا وعدًا، وأبوه رجل صعب. والناس ما ترحم. الحين نورة عندها خطبة والبيت مليان، مو هذا وقته.»
«إذًا كنتِ تدرين.»
تأخر ردها ثانية، ثم قالت الجملة التي تفعل ما بعدَها ولا تصلحه: «أبوك كان يدري. وأنا سكتّ.»
لم تبكِ هالة. فقط شعرت أن الممر صار أضيق من قبل، وأن الهواء الحار الداخل من الباب الخارجي أهون من الوقوف هنا. لأن الحقيقة لم تُعد إليها شيئًا؛ فقط سحبت من تحت غضبها القديم آخر رحمة كانت تمنح نفسها إياها. لم يكن هو خائنًا واضحًا فحسب، ولا هي مرفوضة فحسب. كان مستقبل كامل قد ضاع بين رجلٍ صدّق أباه وامرأةٍ سكتت لوجه الناس.
سمعت خطوات رجل تتوقف عند الباب الخارجي، ثم صوت أبيها مع أحدهم بنبرة مصطنعة، النبرة التي تستخدم للتهدئة حين يكون البيت فوق شرخ: «تعال من هنا، لا تدخل المجلس الحين.» رفعت هالة رأسها قبل أن ترى. عرفت الحضور من الطريقة التي تغيّر بها تنفس أمها. سلمان.
دخل إلى مساحة العتبة فقط، لا أكثر. بدا أكبر من صورته القديمة لا أجمل؛ القميص مكوي بعناية، الساعة أثقل، وثقة الرجل الذي نجح في دبي وعاد لا تخفي الكسر في عينيه. في يده ظرف جديد غير الأول، ومعه علبة مخملية صغيرة. هذه المرة لم يرسلهما مع أحد. اقترب خطوة، وتوقف لأن أباها وقف نصف وقفة بينه وبين الممر، وكأن البيت الذي أغلقه قديمًا لا يعرف الآن أين يفتحه. قال سلمان، صوته أخفض مما تذكره: «أنا تأخرت. أدري. لكن ما أبي أتركها ناقصة مرة ثانية.»
لم ترد. كانت الورقة القديمة في يدها اليسرى، والظرف الأول تحت إبطها، والبيت كله من حولها يتحرك على أعصابه قبل الصلاة. نظر سلمان إلى أمها ثم إلى أبيها ثم عاد إليها وحدها، كأنه فهم أخيرًا أن العذر لا يعبر من خلالهم. رفع الظرف الجديد والعلبة قليلًا، لا كهدية، بل كتعويض يحمل نفسه بوضوح فاضح. «هذا حقك علي. مبلغ باسمك، وشقة مسجلة إذا وافقتِ. وأنا جاي الليلة أطلبك قدام أهلك من جديد، مهما قالوا قبل.»
كان العرض قريبًا بما يكفي لتراه، بعيدًا بما يكفي ليظل مهينًا. شيء محمول في اليد، قابل للتسليم، يصل الآن بعد أن تغيّرت الأعمار والنيات وصارت نورة في داخل البيت تتجهز لخطبتها، وبعد أن صارت هالة معروفة في المكتب والممرات ببطاقة عمل مهترئة الحافة وشريط معلق استهلكته الأيام، تعمل وتصرف على نفسها وعلى بعض هذا البيت، وتتعلم كيف تُغلق الأبواب التي لم تُفتح لها في وقتها. المال والبيت؛ الأشياء التي كانت قبل خمس سنين كفيلة بتغيير اعتراض أبيها، جاءت الآن في لحظة لا تعيد السن، ولا تزيل منظر أمها وهي تعترف، ولا تمحو أنه صدّق أباه وتركها تواجه التهمة وحدها.
قال أبوها متوترًا: «يا بنت، الرجال جاء بنفسه. اسمعي منه.»
وهنا فقط نظرت هالة إلى أبيها لا إلى سلمان. كانت تلك النظرة أقصر من اللوم، وأثقل. ثم التفتت إلى سلمان وسألته سؤالًا واحدًا: «لما قالوا لك إني رفضت، حاولت توصل لي بنفسك؟»
تحرك فكه قبل أن يجيب. «لا. كنت أظن…»
«كنت تظن.» قطعت عليه الكلمتين، لا بقسوة مرتفعة، بل بدقة باردة. «وأنا دفعت ثمن ظنك خمس سنين.»
حاول أن يقترب أكثر، فرفع أبوها كفه إشارة صغيرة مرتبكة، لكن هالة هي التي حسمت المسافة. تحركت إلى المقعد الخشبي الموضوع عند آخر الممر، قرب الظل الذي يصنعه الجدار الخارجي وقت المساء. كان المقعد دائمًا مكان الأحذية المؤقتة وأكياس السوق قبل أن تُنقل إلى الداخل. وضعت فوق طرفه الظرف الأول والورقة القديمة، ثم مد سلمان يده بالظرف الجديد والعلبة، كأن قرب الخشب يسهّل القبول. لم تمد يدها.
قال بصوت مكسور هذه المرة من غير تمثيل: «أنا جاي أصلح. أختارك الآن قدامهم كلهم.»
ابتسمت ابتسامة صغيرة لا دفء فيها. «الاختيار ما ينفع إذا جاء بعد ما خلّيت غيرك يختار عنك.» ثم أخذت خطوة جانبية، ودفعت بيدها طرف العلبة والظرف الجديد من يده إلى المقعد، لا بعنف، فقط لتسقط مسؤوليتهما من ذراعها قبل أن تبدأ. استقرّا عند الطرف القريب من الظل. العلبة فوق الظرف، خفيفة وصريحة.
لم يلتقطهما. لم يملك حتى تلك الجرأة بعد. قال بسرعة، كأنه يخاف أن تقفل الجملة الباب: «أعرف أني تأخرت، لكني ما نسيتك. ما تزوجت. ما—»
رفعت يدها فأوقفته. من الداخل كان الأذان في آخره، ومن المطبخ سقط ملعق في المغسلة، وصوت الماء انفتح. كل شيء في البيت يواصل عادته بينما هذه الدقيقة وحدها لا تشبه شيئًا قبله. قالت: «الآن عرفت الحقيقة. وهذا يكفي لي.» ثم نظرت إلى الظرف والعلبة لا إليه. «أما الباقي، فات وقته.»
أمها همست اسمها، لا نداء ولا اعتذار، مجرد محاولة متأخرة لأن لا تمضي الجملة إلى نهايتها. لكن هالة كانت قد أخذت حقيبتها من الحافة، وأدخلت الورقة القديمة فيها وحدها. أبقت الظرف الأول والعلبة الجديدة والظرف الجديد على المقعد. بدا ذلك أدق من أي خطاب: تأخذ الحقيقة، وتترك الثمن.
قال سلمان، آخر محاولة وهو يلمس ظهر المقعد بأصابعه: «هالة… لو سمحتِ.»
استدارت إليه نصف استدارة، فقط بما يكفي ليصله صوتها من غير أن تمنحه وجهًا كاملًا. «لا تحمل ندمك إليّ كأنه حق مستحق.» ثم مشت إلى الداخل، عبر الستارة، لا إلى المجلس بل إلى الممر المؤدي للمصلى الصغير قرب غرفة الضيوف، كأنها تختار مكانًا لا يتسع إلا لشخص واحد وصلاة واحدة مؤجلة.
عند آخر المقعد، قرب الظل الخارج من الجدار، بقيت العلبة الصغيرة فوق الظرف غير المفتوح، والكرتون محافظًا على شكله بعد أن تركته ومضت.