ما بعد الضرر أبقانا معًا
أمسكت ريم ذراع أم فيصل قبل أن تنزلق عند عتبة المجلس، ودفعت الصينية بقدمها بعيدًا عن طرف السجادة، فانقلبت فناجين القهوة على الرخام بدل العباءة. صاح سالم من آخر الممر: "ريم، اتركيها." لكنها كانت قد أسندت المرأة إلى الجدار، وفكّت طرف الشيلة عن وجهها لتدخل لها الهواء. ارتجفت أم فيصل، وشحب لونها تحت ضوء المدخل، بينما المفتاح المتأخر في يد ريم كان يضغط راحة كفها حتى ترك حفرته القديمة.
وصل فيصل من الباب الجانبي مع سائق العائلة، ورأى المشهد مكتملاً: ريم عند جسد أمه، عباءة مبتلة بالقهوة، ضيوف خلف الستارة، وعلبة طعام باردة على الطاولة الجانبية لم يلمسها أحد منذ العصر. لم يسأل أولًا هل تنفست أمه. قال بصوت منخفض لكنه قاطع: "مين سمح لك تدخلين للمجلس الداخلي؟" رفعت ريم رأسها نحوه لحظة واحدة فقط، ثم قالت للسائق: "هات ماء وسكر بسرعة." السائق جرى. أما فيصل فبقي عند إطار الباب، كما لو أن موضع قدميه أهم من ارتعاش يد أمه.
حين استقرت أم فيصل قليلًا ووصل الإسعاف المنزلي من الحي المجاور، صار البيت كله معلقًا على التفاصيل الصغيرة: من يفتح، من يغلق، من يرد على اتصالات الخالات، ومن يخفي عن الضيوف أن الأم كادت تقع أمامهن. ريم فعلت كل ما يحتاجه البيت بلا أن يُطلب منها: مسحت الرخام، غيّرت مفرش المقعد، جمعت الفناجين المكسورة في كيس سميك، ثم حملت هاتف أم فيصل وراحت تكتب لمن يجب أن يُعتذر منهن بلغة مهذبة تحفظ الوجه. ومع ذلك، لما خرج الطبيب وقال إن المسألة هبوط وإرهاق لا أكثر، التفت فيصل إليها كأنها سبب الفوضى لا من سدّها. "بعد ما تخلصين، اجلسي في المطبخ. ما فيه داعي تطلعين قدام أحد."
قالها أمام سالم. لم يرفع سالم عينه، لكنه أخذ منها كيس الزجاج المكسور من غير كلمة، ومضى به إلى الحوش الخلفي. كانت تلك الحركة صغيرة، خطفًا للمخاطرة منها لا أكثر، لكنها منعت فيصل من أن يتركها تحمل الجرح كله وحدها. ريم لم تشكره. غسلت يديها عند المغسلة الخارجية، واللون البني من القهوة ينساب مع خيط رفيع من الدم من إصبعها.
في المطبخ، كانت أصوات المجلس تصلها مكتومة مع رائحة الهيل. أم فيصل على الكنبة الجانبية في غرفة النساء، وبنات الخالة يدخلن ويخرجن بخوف مرتب. خرج فيصل من عند أمه، وألقى على الطاولة قائمة قصيرة: ماء زمزم، تمر إضافي، أدوية من الصيدلية، ومصباح شحن من المخزن لأن الكهرباء بدأت تضعف في الدور العلوي. قال ببرود محسوب: "بما أنك موجودة، غطي النقص." ثم التفت إلى خالته التي لحقت به عند الباب وأضاف بصوت أوضح: "ريم تعرف تشتغل تحت ضغط." كانت الجملة مديحًا ظاهره ناعم، لكن موقعها حبسها في خانة من تُستعمل ولا تُعترف.
رفعت الخالة حاجبها، ونظرت إلى ريم نظرة فرز سريعة من الرأس إلى القدم. "إيه، واضح." ثم سألت: "هي من أي جهة أصلًا؟" أجاب فيصل من غير أن ينظر إلى ريم: "زميلة قديمة من الجامعة، والحين في شركة بقطاع الطاقة مع سالم." زميلة. لا أكثر. مع أن العائلة والأصدقاء يعرفون، ومع أن أم فيصل كانت قد شربت قهوتها من يد ريم أكثر من مرة في مناسبات صغيرة، ظل الباب نصف مفتوح ونصف مغلق، لا يسمح لها إلا بما يخدم.
خرجت ريم لتؤدي ما عليها. حرارة الرياض في الليل كانت لا تزال عالقة في البلاط، والسيارة العائلية تنتظر عند الظل الجانبي. استعارت بطاقة الدخول إلى المخزن من السائق، وعادت بها متأخرة كما لو أنها تعيد حدًّا لا يخصها. في المخزن، وجدت المصباح المشحون مع أكياس تمر، وحملت كل شيء دفعة واحدة لأنها لا تريد العودة مرتين إلى الممر نفسه. عند عودتها، سمعت خالة أخرى تهمس قرب الستارة: "البنت شاطرة، بس الشطارة غير المكان." لم تتوقف. دفعت الباب بوركها، ودخلت بالمؤن إلى المنطقة التي لا يُسمح لها أن ترتاح فيها.
الموقف الذي كسر يقين فيصل جاء سريعًا وبلا تمهيد. ابن أخت أم فيصل، طفل في التاسعة، كان يركض في الممر العلوي هربًا من ضيق الكبار، فعلق طرف ثوبه بمسمار بارز عند حافة رف قديم، وتمزق الثوب من الخلف قبل أن يهبط مع أمه إلى المجلس. صرخت أخته الصغيرة، والتفتت الخالة نحو السلم، وجهها قد اشتعل قبل أن ترى التمزق كاملًا. لو نزل الطفل هكذا لانفتح باب كلام لا ينتهي، والضيوف ما زلن في البيت.
كان فيصل أقرب إلى السلم، لكنه تجمّد لحظة، ربما لأنه رأى أمه تنظر من غرفتها، وربما لأنه فكّر أولًا بمن سيرى. ريم لم تقل شيئًا. وضعت أكياس التمر على الأرض، نزعت الشال الخفيف من كتفيها، لفته من الخلف حول الطفل وثبّتته عند خصره بحركة سريعة، ثم ركعت أمامه وربطت العقدة من جهة لا تُظهر شيئًا. "انزل عندي، ولا تلتفت." قالتها للطفل وحده. ثم التفتت إلى أخته: "هاتِي دبوس من علبة الخياطة، بسرعة." ركضت الصغيرة.
الطفل نزل، والخالة التي كانت على وشك الصراخ أغلقت فمها بنفسها عندما رأت أن الفضيحة الصغيرة أُغلقت قبل أن تولد. في تلك اللحظة، كانت أم فيصل على باب غرفتها، مستندة إلى الحائط، عيونها على ريم لا على أحد غيرها. أما فيصل فبقي في مكانه ثانية إضافية، كأن هذه الثانية تكلفه أكثر مما ينبغي. رأى ريم تسحب اللوم كله إلى كتفها وتغطي البيت بدل أن تفتح لنفسها ساحة تبرير. لم تقل له: رأيت؟ لم تطلب منه شيئًا. وهذا بالذات ما صفعة ظنه.
بعد صلاة العشاء بقليل، هدأ المجلس قليلًا، لكن التعب بدأ يعرّي الطباع. خالة فيصل اقترحت أن تخرج ريم من الداخل "حتى ترتاح الحريم براحتهم". كانت تقولها كأنها ترتب هواء الغرفة، لا كأنها تطرد شخصًا أبقى البيت قائمًا منذ المغرب. ريم كانت تحمل إبريق الشاي عند عتبة الممر، وتوقفت التوقف القصير الذي لا يراه إلا من يراقبها. فيصل كان يقف مع سالم قرب الباب الفاصل بين المجلس والممر. سمع العبارة، ورأى رؤوسًا صغيرة تلتفت لتقرأ الموقف.
قالت الخالة مرة أخرى: "يكفي اللي سوته، والباقي علينا." هنا كان يستطيع أن يسايرها، أن يشكر ريم بصيغة بعيدة ويتركها تخرج من الباب الجانبي كما دخلت. بدل ذلك مدّ يده إلى الإبريق من يد ريم، ثم أعاده إليها أمام الخالة نفسها، وقال: "الشاي يكمّل من الداخل، وخلي المكان مثل ما هو." لم يرفع صوته، لكنه فتح بيده ستارة المجلس النسائي قليلًا ونادى أخته لتأخذ الصينية من ريم وتدخلها. كانت حركة صغيرة في الضيافة، لكنها بدّلت الموقع كله: من يد تقف عند الحد إلى يد يُفتح لها الحد تحت نظر شاهد. ارتبكت الخالة، وتيبس فمها. أما سالم فأنزل عينيه إلى سجادة الممر حتى لا يفضح انحيازه بابتسامة.
دفعت تلك الحركة كلفة فورية. اقتربت الخالة من فيصل وهمست بحدة لم تخفها جيدًا: "أنت توسّع الباب أكثر من اللازم." ردّ وهو ينظر إلى أمه في آخر الممر: "البيت اللي انستر الليلة ما ينقفل في وجه اللي ستره." ثم مضى. لم يعتذر لريم، ولم يلتفت إليها، لكن الجملة خرجت في المكان الذي يُحسب فيه كل لفظ. وكانت كافية لتجعل الخالة تصمت لأنها إن اعترضت بعد ذلك، اعترضت على ستر البيت لا على شخص بعينه.
لو انتهى الأمر هنا لظل مجرد ميل خفيف، لكن البيت لم يترك لأحد رفاهية التمهل. مع اقتراب انصراف آخر الضيوف، انقطعت الكهرباء في الدرج المؤدي إلى السطح حيث خُزنت البطانيات والصواني الإضافية منذ رمضان. أرادت أم فيصل أن تُعاد الفوانيس الصغيرة والمصباح المشحون إلى الأعلى قبل أن يراها أحد مبعثرًا عند الممر؛ ترتيب ما بعد الارتباك عندها لا يقل قداسة عن إخفاء الارتباك نفسه. حملت ريم حقيبة القماش الكبيرة التي جُمعت فيها الفوانيس، والأسلاك، وعلبة الدواء، والمفتاح، وحتى علبة الطعام الباردة التي لم تجد وقتًا لتأكلها. الحقيبة كانت ممتلئة على نحو يجر الكتف.
عند أسفل السلم اعترضتها الخالة الأخيرة، تلك التي لا تنسى أن تحرس حدود كل شيء. نظرت إلى ريم ثم إلى الحقيبة وقالت: "اتركيها، سالم يطلعها. ما يحتاج أحد يشوفك طالعة فوق." كان الدرج نصف مظلم، والممر مفتوحًا على المجلس الرجالي الذي بقي فيه شاهد واحد فقط: عم فيصل الكبير، يجلس قرب الباب ينتظر السائق. رفع رأسه عند النبرة، لا عند الكلام.
ريم لم تجادل. فقط شدّت الحزام على كتفها ورفعت الحقيبة محاولة الصعود. انقطع حبل أحد الفوانيس من داخلها، فمالت الحمولة كلها دفعة واحدة، واصطدم جانبها بالدرابزين. لو سقطت الحقيبة لانكسرت الفوانيس، وتناثرت الأدوية، وظهر للعابرين ما كان البيت يخفيه منذ المغرب. أم فيصل نادت من بعيد بصوت متعب: "انتبهوا."
هذه اللحظة بالذات لم تعد تقبل إدارة المسافة. كان فيصل عند باب المجلس الرجالي يودّع عمه، ورأى الحقيبة تميل، ورأى ريم تقاومها وحدها لأنها تعرف أن مجرد التردد هنا يفتح باب تدخل الخالة وانسحابها من الدرج. خطت ريم أولًا؛ ثبتت قدمها على الدرجة الأولى، وأدخلت يدها في حلقة الحزام الثانية لتمنع انزلاق المصباح، كأنها تعلن بظهرها: إما أن يكتمل هذا الحمل أو يسقط أمامكم. عندها فقط ترك فيصل عمه، ومشى إلى السلم بلا استعجال استعراضي، ومد يده إلى الحزام نفسه لا إلى الحقيبة من طرف بعيد.
قالت الخالة فورًا: "خلهـا، ما يصلح." لكنه أمسك الحزام مع ريم من الجهة الأخرى، حتى صار وزن الحقيبة معلقًا بين كفيهما. لم ينظر إلى الخالة. نظر إلى عمه الجالس عند الباب، الشاهد الوحيد الكافي، وقال جملة قصيرة قطعت الطريق: "بتطلع." ثم التفت إلى ريم: "ارفعي من جهتك." لم تكن أوامر هذه المرة، بل توزيع وزن. رفعت. فارتفع الحمل بينهما، لا منها عنه ولا منه عنها.
الدرج الضيق أجبرهما على القرب من غير مساس زائد؛ كتف أمام كتف، وحافة الحقيبة تضرب الركبتين مع كل درجة. المصباح داخلها كان مضاءً خافتًا، يرسل ضوءًا أصفر من فتحة السحاب نصف المفتوحة، فيتحرك النور على الدرابزين وعلى أصابع اليدين المتمسكتين بالحزام نفسه. وراءهما، سعل العم سعلته الجافة التي تعني أنه رأى وفهم وسيسكت. وفي الأسفل، لم تقل الخالة شيئًا آخر. الصمت الذي دفعته كان ثمنًا اجتماعيًا واضحًا؛ لم يعد يستطيع بعده أن يعيد ريم إلى المطبخ بعبارة مهذبة وينجو من معنى ما فعل.
في منتصف السلم، تعلقت علبة الدواء بحافة الدرجة وكادت تسحب الحقيبة إلى الخلف. هذه المرة كانت ريم هي التي عدّلت المسار. رفعت الركن بساعدها وقالت من غير أن تنظر إليه: "أدخلها للداخل." أدخل يده أكثر تحت الحزام، حتى لامست عقدة الشال التي كانت مربوطة هناك من قبل حول الفانوس المكسور، رباطًا مؤقتًا صنعته هي في عجلة الساعات الماضية. فهم من ملمس العقدة كم مرة كانت تصلح الخراب من دون أن يراه. لم يقل شيئًا. فقط أخذ وزناً أكبر عند المنعطف.
وصلا إلى البسطة الصغيرة بين الدورين، حيث الجدار أضيق والهواء أبرد قليلًا. من أسفل، جاء صوت أم فيصل تطلب ماء. لم يتركا الحقيبة. مالت ريم نحو الدرجة التالية، لكن الحزام ضغط على معصمها. فتحت أصابعها قليلًا لتبدّل القبضة، ثم أبقت يدها في مكانها، مبادرة بالبقاء لا بالتسليم. في اللحظة نفسها، رفع فيصل الحزام من جهته حتى استقام بينهما، وصار المصباح معلقًا من شريط الحقيبة في المنتصف، ضوؤه يتأرجح على ظهر يدها ثم على ظهر يده، وعلى الدرجة الإسمنتية الضيقة بينهما.