توقفنا عند خط المرآة
دفعت سلمى عربة القهوة عبر الممر الجانبي، فاعترض خالد الطريق بظهره وقال من غير أن ينظر في وجهها: "مو من هنا. المجلس الكبير للضيوف، وأنتِ خلكِ على المطبخ الخلفي." كان ضوء السقف يطن فوقهما طنينًا خافتًا، وبطاقة عملها المعلقة على الشريط الباهت ترتطم بصدرها كلما وقفت ثم تحركت. في الصالة وراءه كانت أصوات الرجال ترتفع وتهبط حول صفقات قطاع الطاقة، وضحكات متقطعة، وفناجين تُوضع على صحونها بخفة من اعتاد أن يُخدَم لا أن يَخدم. هذه الليلة بالذات كانت تساوي لها أجر أسبوعين؛ أم فارس استدعتها بنفسها لأن الخادمة الأساسية اعتذرت، ثم تُركت الآن تُمحى بجملة واحدة كأنها قطعة أثاث دخلت المكان الخطأ. مدت يدها لتدير العربة عائدة، ففتح خالد الستارة نصف فتحة ليأخذ الصينية وحده. عندها جاء صوت فارس من داخل المجلس، هادئًا أكثر مما ينبغي: "خلّها تدخل. القهوة تُقدَّم كاملة، مو ناقصة."
تجمد خالد لحظة، ثم اضطر أن يبتعد. دخلت سلمى وهي تشعر ببرودة المكيف على جبينها الساخن من خارج الرياض، وبنظرات سريعة تنزلق عنها ثم تعود. فارس جلس في طرف المجلس لا في صدره، ومع ذلك كانت الحركة تميل إليه من غير إذن. لم يرفع صوته مرة ثانية، فقط أشار إلى الطاولة القريبة منه، لا إلى الطاولة الأبعد كما يفعل الناس حين يريدون إبقاء الخدمة بعيدة عن أطرافهم. وهي تنحني لتضع الدلة، مرت أصابعها قرب طرف كمّه أكثر مما تسمح به المسافة المعتادة. لم يلمسها. لكنه لم يفسح المجال أيضًا. صار عليها أن تلتف حوله ببطء، والنفس محتجز بينهما كأن الخطأ ينتظر أن يقع على مرأى من الجميع.
في بيت أم فارس، كل شيء له ترتيب أشد من الكلام. النساء في الصالة الداخلية، الرجال في المجلس، وأهل البيت يعرفون أين يقف كل اسم، حتى لو كانت العائلة والأصدقاء يعرفون أكثر مما يقال. سلمى تعرف هذا النظام جيدًا؛ هي ليست خادمة البيت، بل تعمل مع متعهد الضيافة الذي تتعامل معه الأسرة في المناسبات الكبيرة. تراها أم فارس مفيدة حين تضيق الساعات، ويرى فيها خالد عاملة يمكن رفعها وخفضها بالإشارة. أما فارس فكان منذ شهرين يعود متأخرًا من المكتب الملحق بالبيت، يمر قرب المطبخ الجانبي، ويتوقف ثانية أطول من الحاجة كلما وجدها ترتب الصحون أو تجمع الكاسات التي تركت حلقات شاي باردة على الرخام. لم يقل شيئًا خارج حدود الأدب. لهذا كان ما حدث الآن أسوأ: استثناء صغير، واضح، وعلني بما يكفي ليُحسب.
بعد العشاء، نُقلت النساء إلى المائدة الطويلة في الصالة الداخلية. أم فارس جلست في الوسط، وعلى يمينها نورة ابنة خالتها، وعلى اليسار زوجة عمها. سلمى دخلت بصينية الحلوى، فمدت نورة يدها إلى المقعد القريب من طرف المائدة وقالت بخفة جارحة: "حطي هنا وبعدين اطلعي، لا تلخبطين جلستنا." لم يكن المقعد مخصصًا لها أصلًا، لكنه كان مقعد الخدمة المعتاد حين تحتاج أم فارس أحدًا قريبًا. وقبل أن تبتعد، قالت أم فارس من فوق فنجانها: "لا، خليها هنا." ثم التفتت إلى سلمى: "قفي عندي شوي. أبغى القهوة العربية بعد عشر دقايق." تغير مكانها من ظلّ على الجدار إلى نقطة ظاهرة خلف كتف سيدة البيت. مجرد وقوف، لا أكثر، لكنه حرم نورة من لذتها الصغيرة في طردها خارج المشهد.
دفعت نورة الشوكة في الطبق وقالت: "واضح عندكم ترتيب جديد." ابتسمت أم فارس ابتسامة لا تكشف شيئًا. "الترتيب يعرف نفسه." لم تنظر إلى سلمى بعد ذلك، كأن الأمر كله إداري. لكن الإداري في هذه البيوت أخطر من الصريح؛ من يقف قريبًا يُرى، ومن يُرى يُحسب عليه كل نفس. حملت سلمى الدلة بعد عشر دقائق، وسارت بين الأثواب والعطور الثقيلة، تشعر بأن المسافة التي ينبغي أن تتركها حول الأكتاف والأيدي أضيق من السابق. كان البيت كله يعلّمها كيف لا تخطئ، بينما شيء واحد فقط يدفع الخط إلى الأمام ثم يقف.
حدث الانقلاب في الممر بين مجلس النساء والمخزن الصغير. كانت سلمى خارجة على عجل تحمل صينية زجاجية فارغة حين انعطف خالد من الجهة الأخرى، وبيده هاتفه، منكبًا على رسالة. لو اصطدمت به لسقط الزجاج وتناثر في الممر أمام الضيفات، فضيحة صغيرة تكفي لأن تُمنع من أي عمل مع هذه الأسرة بعدها. قبل أن ترى الطريق جيدًا، انغلقت أصابع حول معصمها من فوق الرسغ مباشرة، قوية بما يكفي لتوقفها لا لتؤلمها. توقفت الصينية في الهواء، ووقف جسدها أيضًا. فارس كان أقرب مما يجب، بينه وبين كتفها أقل من شبر، وقد جذبها نصف خطوة إلى الوراء، تاركًا خالد يمر وهو يتمتم بلا اعتذار.
لم يترك معصمها فورًا. ثانية واحدة فقط، لكن العالم انقسم فيها. لم تكن تلك حركة تأديب أمام عامل أخطأ في المسار، ولا شهامة عابرة. كان إمساكًا دقيقًا، يعرف أين يوقفها وكيف يبقي الزجاج ثابتًا وكيف يمنع عينًا ثالثة من قراءة ما لا يقال. ثم أفلتها وقال من غير أن ينظر إليها مباشرة: "هذا الممر يضيق وقت الزحمة." كلمة عادية، تصلح لأي شيء. إلا أن حرارة أصابعه بقيت حول جلدها كأنها أثر سوار غير مرئي. رفعت الصينية ومضت، لكنها لم تعد تعرف هل حماها أم ضيّق عليها الخروج.
من بعدها، صار البيت يعاملها عبره لا عبر نفسه. مرة وجدت خالد يهم بإرسالها من الباب الخارجي لتحضر علبة تمر من السيارة في الحر، فقال فارس وهو يمر نحو المجلس: "خلي السائق يجيبها." ومرة أخرى، عندما فرغت القهوة في الركن الجانبي، أشارت أم فارس إلى سلمى لتدخل من الستارة الأمامية، فسبقها صوته: "من هنا أقرب." فتح لها بنفسه ممرًا بين مقعدين من الجلد، كأن خطوة واحدة إضافية تستحق هذا الانتباه كله. لم يكن يصنع لها مكانة؛ كان يضيّق عليها الهواء بترتيب خاص. كل استثناء صغير يثبت أنه يراها في اللحظة التي يحاول الآخرون فيها استعمالها أو صرفها.
وكان هذا أخطر من الإهانة الأولى. الإهانة تُحتمل وتُنسى مع الراتب. أما أن يُقرأ طريقها كل مرة قبل أن تسلكه، وأن يتغير موضع الستارة أو الصينية أو من يحمل ماذا بسببها وحدها، فذلك يتركها معلقة بين منزل ليس منزلها ورجل ليس مباحًا أن يكون له هذا الحضور في يومها. العائلة والأصدقاء يعرفون اسمه مع أسماء البيوت الكبيرة، ويعرفون أن أم فارس تزن الوجوه قبل الكلمات. وسلمى تعرف أيضًا أن من يعمل عند الأبواب يسمع ما يكفي ليُتهم حتى لو لم يفعل شيئًا.
حين خف الضيوف بعد صلاة العشاء الأخيرة، طلبت أم فارس من سلمى أن تنقل صندوقًا من المباخر الاحتياطية إلى المخزن العلوي. "خذي الممر الجانبي، أسرع،" قالت وهي تتفقد قائمة على هاتفها. كان الممر العلوي أهدأ من بقية البيت، ممتدًا بين غرفة الملابس والصالة الصغيرة، وعلى جانبه مرآة طويلة تكسر الضوء إلى شرائط رمادية. الطنين نفسه في السقف، أخف، كأنه يحرس الفراغ. صعدت سلمى والسلك الباهت لبطاقتها يحتك بعنقها، والهاتف في كفها مطفأ إلا من وهج خافت كلما وصلتها رسالة من زميلة تسأل: خلصتوا؟
وضعت الصندوق داخل المخزن، وكان يمكنها أن تنزل فورًا. كان هذا هو المنطقي، والأأمن، والأليق بامرأة تريد أن تحافظ على رزقها واسمها. لكنها تأخرت في ترتيب العلب داخله ثانية زائدة، ثم ثانية أخرى. سمعت وقع خطوات في الممر قبل أن تراه. لم تُفاجأ. هذا ما أخافها أكثر؛ أنها لم تُفاجأ.
خرجت فوجدته عند منتصف المرآة، ليس حاجبًا الطريق تمامًا ولا فاتحًا له. كان بلا شماغ الآن، كأن السهرة أنهكت الرسمية من رأسه وأبقت بقيتها. نظر إلى الصندوق ثم إلى يدها الخالية. "أمي ترسل كل شيء عبرك الليلة؟" سأل. قالت: "أمك ترسل ما تحتاجه." كان يمكنها أن تمر من جانبه إلى الدرج لو مشت حالًا. وكان يمكنه أن يبتعد لو أراد أن يسهّلها. لكنه وقف في موضع يحول الحركة إلى قرار.
قال: "خالد يتجاوز حدّه." ردت بسرعة أخطأت فيها الهدوء: "هذا شأن بيتكم." انعكسا معًا على خط المرآة الرفيع، صورتان لا تلتقيان إلا لو اختلّت المسافة. تقدم نصف خطوة، لا أكثر. اليد التي أمسك بها معصمها سابقًا ارتفعت قليلًا ثم توقفت في الهواء الفاصل بينهما، كما لو أن الجسد اعترف قبل الكلام وتذكر الخط في اللحظة نفسها. كان يكفي أن تعبره هي هذه المرة؛ لن تحتاج حتى إلى أن يلمسها. يكفي أن لا تتراجع.
سمعت في الأسفل رنين فناجين خافتًا، وصوت امرأة تضحك ثم تسكت. البيت ما زال عامرًا، والدنيا كلها تحت هذا السقف محسوبة. قالت هي، بصوت منخفض لكنه مستقر: "لو كل مرة تغيّر الطريق من أجلي، الناس ما تحتاج تشوف أكثر." لأول مرة نظر إليها مباشرة بلا ساتر عمل ولا مجلس. لم ينفِ. لم يعتذر. فقط ظل واقفًا، كأن الاعتراف الوحيد المسموح به هنا هو هذا العجز المتعمد عن إكمال خطوة.
كان الدرج خلفه أقرب مخارج الممر، وعلى يسارها باب غرفة الملابس نصف مفتوح. لو تحركت نحوه لاضطر أن يفسح أو يمنع، وكلاهما كسر. ولو بقيت مكانها أكثر، صار الوقوف نفسه معنى. خفق قلبها حتى شعرت به في طرفي أصابعها. ثم فعلت ما لم يتوقعه منها أحد في هذا البيت: تقدمت خطوة واحدة، لا نحوه، بل إلى خط المرآة نفسه، حتى صار الانعكاس بينهما أضيق من الواقع، وحتى كادت أطراف أصابعها تلامس الكف المرفوعة في الهواء.
وتوقفت.
لم تتراجع، ولم تعبر. رفعت يدها ببطء، ثم أنزلتها إلى جانبها قبل أن تكتمل الحركة، تاركة الفراغ قائمًا بين جلدين يعرفان المسافة الآن بدقة مؤلمة. قالت باسمه لأول مرة، بلا لقب ولا زيادة: "فارس." ثم استدارت قليلًا بحيث صار كتفها موازيًا للخط الفاصل في الزجاج. "افتح الطريق إذا تبي تحميني. واتركه مغلق إذا هذا كل ما عندك." لم تنتظر جوابًا، ولم تمد يدها لتطلبه.
حبست نفسها نصف لحظة، ثم اختارت ألا تخطو. كان القرار كله في الكف التي لم ترفعها ثانية، وفي القدم التي بقيت خلف الحافة اللامعة من الرخام. بعدها فقط، على امتداد خط المرآة في الضوء والظل، تعكّر شريط الزجاج بنفَسين متقابلين، غشاوة رقيقة تماسكت لحظة كضباب ممسوك، ثم بدأت تترقق وبقي الهواء مقطوعًا.