أغلقوه فدخلت
سحبت ريم باب السيارة بكتفها وأسندت خالة ابتسام من تحت ذراعها قبل أن تنزلق قدمها على بلاط المدخل، فقالت نوال من عند العتبة، من غير أن تمد يدًا: «دخّليها بسرعة، وبعدها روحي، المجلس مليان.» لم ترد ريم. شدّت عباءة خالة ابتسام على كتفها المرتعش، وغطّت بيدها الأخرى ارتباك المرأة حين أفلت طرف الطرحة، ثم دفعت الباب بقدمها إلى الداخل. حرّ الرياض بقي عالقًا في ظهرها، ورائحة المعقم من المستشفى ما زالت على كمّها المكرمش من طول النهار. على طرف الكونسول الضيق عند الباب، بين طبق مفاتيح وفاتورة مطوية وقلم عليه أثر حبر قديم، وضعت ريم ملف الأشعة كي لا يسقط، كأنها صاحبة المكان، مع أن نوال كانت تنظر لها كما لو أنها دخلت زيادة.
قالت نوال وهي تسبقهم بخطوتين: «حطيها هنا وبس. البنات موجودات.» لكن خالة ابتسام تشبثت بكم ريم وهمست بنفَس متقطع: «لا تخليني.» فمالت ريم عليها أكثر، ونقلتها من حافة المجلس إلى الكنبة الأقرب للممر، بعيدًا عن عيون القريبات وثرثرة الفناجين. في الداخل كان صوت الدلة يطرق الصينية، وامرأة كبيرة تسأل للمرة الثالثة إن الطبيب كتب جرعة جديدة. سالم خرج من آخر الممر وقتها، ربطة عنقه مرتخية ووجهه مرهق من يوم طويل في شركة من شركات قطاع الطاقة، ورأى فقط أن ريم هي التي أمسكت ثقل خالته كله وحدها. لم يقل شيئًا أمام الجمع، لكنه أزاح بيده الوسادة المزخرفة من مكانها ووضع بدلها مخدة صغيرة خلف ظهر خالة ابتسام. كانت هذه الحركة وحدها أوسع من أي ترحيب. نوال التقطتها، فضاق فمها.
لم تتوقف ريم عند الجلوس. فتحت الملف، راجعت ورقة الدواء، وطلبت ماءً فاترًا لا باردًا. لم يأتِ أحد. ذهبت بنفسها إلى المطبخ، تتفادى طرف المجلس كما تتفادى حدّ سكين. هناك كان سطح الرخامة مزدحمًا بعلب تمر، وأكواب شاي غير مرفوعة، وملعقة دواء لزجة. رتبت فراغًا صغيرًا، صبت الماء، سحقت الحبة التي يصعب على خالة ابتسام بلعها، وسألت الخادمة عن وقت آخر وجبة. من خلفها دخلت نوال وقالت بصوت منخفض حاد: «مو لازم تتصرفين كأنك مسؤولة. العائلة والأصدقاء يعرفون إنك قريبة منا، لكن لكل شي حد.» رفعت ريم رأسها فقط، لا أكثر. «الدواء لازم ينعطى بعد لقيمات.» قالتها وأخذت الصحن بنفسها. نوال مدت يدها لتأخذه، لكن سالم نادى من الممر: «ريم، وين الجرعة المكتوبة؟» فانقلب السؤال كخط رفيع يحفظ لها مكان قدم واحدة داخل البيت. التفتت إليه وأجابته مباشرة: «بعد عشر دقايق، ومعها شيء خفيف أول.»
عاد الضغط يتجمع أسرع. اتصل قريب يسأل إن كانوا سيعيدون خالة ابتسام إلى المستشفى، وتعالت آراء لم يطلبها أحد. امرأة اقترحت قهوة «تفك النفس»، وأخرى أرادت فتح المكيف على أبرد درجة. كل مرة كانت ريم تسد ثغرة قبل أن تصير مشكلة: تخفض الصوت قرب المريضة، تسحب المبخرة بعيدًا، تغير موضع الوسادة، وتفك سوار المستشفى من معصم خالة ابتسام حين بدأ يخدش جلدها. ونوال لا تكف عن دفعها إلى الحافة: «خليك بالممر.» «خلاص، عندنا من يقوم.» «إذا تبين، انتظري في السيارة.» حتى حين جاء وقت الصلاة وانسحب بعض الرجال إلى الغرفة الصغيرة، قالتها بنبرة مسموعة: «البيت اليوم مو ناقص دخول وخروج.» ومع ذلك، كلما تعثر شيء، كانت العيون تبحث عن ريم أولًا.
عند العشاء الخفيف، ارتبكت الخادمة في ترتيب الصينية، فوضعوا الشوربة أمام خالة ابتسام وهي شبه نائمة. تحركت ريم لتعدل الوضع، فاعترضت نوال طريقها بكف مفتوحة: «قلت لك استني برا شوي. كثرة الوقفة حولها تتعبها.» الجملة خرجت في اللحظة نفسها التي مالت فيها خالة ابتسام فجأة إلى الأمام، وارتجف صدرها بسعال ناشف ثم اختنق النفس في حلقها. الصحن انقلب على طرف الطاولة، وصرخت امرأة باسمها. لم تنتظر ريم إذنًا. دفعت يد نوال جانبًا بظهر معصمها، أمسكت كتفي خالة ابتسام، أمالتها على الجانب، وسحبت الملعقة من تحت ذقنها قبل أن تسد مجرى النفس. «لا أحد يعطيها شيء الآن.» صوتها كان ثابتًا بصورة أحرجت الجميع. طلبت منديلًا، رفعت ذقن المرأة قليلًا، وتحسست نبضها، ثم قالت لسالم من غير أن تنظر إليه: «الدواء البخاخ، في الكيس الأزرق.» سالم تحرك فورًا. نوال بقيت واقفة بجانب الصينية المسكوبة، وقطرة شوربة تنزل بطيئة على إصبعها الذهبي.
حين عاد النفس إلى صدر خالة ابتسام على دفعات خشنة، تراجع المجلس كله نصف خطوة. لم يحتج الأمر شرحًا. المرأة الكبيرة التي كانت تلحّ بالقهوة سكتت وأعادت فنجانها إلى الصحن. سالم ناول ريم البخاخ بيده مباشرة، لا عبر أحد، وبقي ممسكًا بالكيس حتى أخذت منه جهاز القياس. في تلك الدقيقة، لم تعد نوال قادرة على قول «استني برا» بالطريقة نفسها. لكنها حاولت أن تحفظ ماء وجهها فقالت ببرود مصطنع: «الحمد لله، وانتهى. الحين ترتاح خالتي، والباقي ما يحتاج زحمة.» كانت تستعيد سلطتها من الباب، لا من الرعاية.
تأخر الليل، وخفّ حضور الناس، وبقي البيت في شكل التعب الحقيقي بعد انفضاض الضيوف: فناجين ناقصة، علبة مناديل مفتوحة، وممر طويل لا ينام. ريم جلست على طرف الكرسي قرب الغرفة، لا في المجلس. كتفاها هابطان من ثقل المشاوير بين المستشفى والبيت، وحذاؤها الضيق صار يوجعها من آخر النهار. سالم خرج مرة ليسأل عن حرارة خالته، ومرة ليأخذ من ريم أسماء الأدوية مكتوبة بخط صغير واضح على ورقة مطوية من الملف. في المرة الثالثة، وضع كوب شاي خفيف على الطاولة الصغيرة بجانبها وقال فقط: «بدون نعناع، مثل ما تشربين.» لم يبتسم، ولم يزد. لكنها نظرت إلى الكوب لحظة، ثم إليه، وعرفت أنه انتبه أكثر مما يجب لكي يقال إنه انتباه عابر.
هذا تحديدًا ما لم تحتمله نوال. جاءت بعد دقائق تحمل مفاتيح الباب الجانبي، وفيها سلسلة جلدية قديمة عليها خدش حبر عند الحلقة المعدنية. وضعتها أمام ريم على طرف الطاولة كأنها تسدد حسابًا. «هذه تبع دخولك العصر. شكراً، وما قصرتي. الحين خلاص، خالة ابتسام استقرت، وسالم موجود.» لم تقل «لا ترجعين»، لكنها جعلت الكلمة تستقر بين المفاتيح واليدين. من داخل الغرفة، كان صوت تنفس خالة ابتسام ما زال غير منتظم بما يكفي ليمنع أي قلب مطمئن من المغادرة. ومع ذلك، لم ترفع ريم رأسها لتجادل. مسحت أثر الشاي عن إصبعها، أخذت المفاتيح، ووضعتها في كف نوال بدل أن تتركها على الطاولة. «جرعة الفجر مكتوبة، والبخاخ هنا، وإذا نزل الأكسجين عن الرقم هذا تتصلون مباشرة.» ثم قامت.
لم تخرج غاضبة، وهذا جعل خروجها أشد وجعًا. رتبت غطاء خالة ابتسام للمرة الأخيرة، نقلت عبوة الدواء من قرب الحافة إلى مكان أوضح، أغلقت نصف الستارة لتخفيف الضوء عن عينيها، ثم التفتت إلى الممر. لم تنظر إلى المجلس. لم تطلب بقاءً لم يعرض عليها. أخذت حقيبتها من تحت الكرسي، وسوت عباءتها عند الكتف كما تفعل من تعودت ترجع آخر الليل وحدها، حتى لو كانت قد حملت البيت معها طوال النهار. نوال سبقتها بخطوة إلى باب الصالة، حريصة على أن يتم الخروج بهدوء، كأنها تدير ضيافة لا طردًا.
عند عتبة الباب الخارجية، كان هواء الليل أهون من هواء المجاملة في الداخل. مدّت ريم يدها إلى مقبض الباب، وسمعت من آخر الممر صوت اختناق جديد، هذه المرة أخفّ لكنه كافٍ ليجمدها. التفتت فورًا، لا إلى نوال، بل نحو الغرفة. سالم خرج في اللحظة نفسها، ليس راكضًا بل بسرعة من يعرف أن ثانية واحدة تفرق. نظر إلى خالته، ثم إلى ريم الواقفة عند الباب بحقيبتها، ثم إلى المفاتيح في يد نوال. انكشفت الصورة كلها من دون كلمة: من كان يوشك أن يخرج، ومن كان يدير الإخراج، ومن الذي ظل البيت قائمًا عليه منذ العصر.
قالت نوال بسرعة: «أنا أروح لها.» وتحركت. سالم رفع يده، لا بعنف ولا بصوت عالٍ، لكن الحركة أوقفتها في مكانها. دخل الغرفة أولًا مع ريم خلفه خطوة واحدة فقط، وهناك كانت خالة ابتسام تفتح عينيها على نصف وعي وتبحث بكفها في الهواء. أمسكت ريم يدها قبل أن تقع على حافة السرير، وعدلت الأنبوب الصغير عند أنفها، وقالت بهدوء قريب من الأذن: «أنا هنا.» هدأت الأصابع. سالم سحب جهاز القياس، ثبت القراءة، ثم نظر إلى الورقة المثبتة تحت علبة الدواء. خط ريم. تعليمات ريم. البيت كله كان يعتمد على أثر يدها وهو يتظاهر أنه لا يمنحها موضع قدم.
حين استقرت خالة ابتسام هذه المرة، خرج سالم إلى الممر وأغلق باب الغرفة نصف إغلاق. نوال بدأت تقول: «أنا كنت فقط...» فقاطعها بجملة قصيرة: «يكفي.» لم يرفع صوته، ولم يلتفت نحو المجلس الفارغ. لا جمع هنا ليشهد له، ولا حاجة له. مد يده إلى جيب ثوبه وأخرج مفتاحًا آخر، أصغر من الذي أُعيد، عليه غطاء أسود مهترئ من كثرة الاستعمال. وضعه في يد ريم مباشرة، وأغلق أصابعها عليه. «هذا لك.» نظرت إليه ساكنة كأنها لم تسمع جيدًا. قال: «مو دخول اليوم. دخولك من الآن. إذا خرجتِ ورجعتِ، ما توقفين عند الباب.»
ثم أخذ حقيبتها من يدها، لا ليسلمها، بل ليخفف عنها لحظة العبور، ومشى بها إلى آخر الممر. نوال بقيت خلفهما عند انحناءة الصالة، خارج القرار. تجاوز سالم غرفة المجلس، وتجاوز غرفة الضيوف التي تُفتح في الأعياد فقط، ووقف عند باب جانبي لم يكن مضاءً من قبل. فتحه بمفتاحه، ودفع الباب إلى الداخل. كانت الغرفة صغيرة، مرتبة من غير استعراض: سرير مفروش بملاءة نظيفة، عباءة معلقة على المشجب، زجاجة ماء على الكومدينة، وشاحن على طرف المقبس. على الكرسي وضعت بطانية خفيفة مطوية، وفوقها كيس أدوية احتياطي، كأن أحدًا أعد المكان وهو لا يريد أن يشرح لماذا أعدّه. قال سالم، وعينه على الغرفة لا عليها: «كنت أقول إذا طال تعب خالتي ما ينفع ترجعين كل مرة آخر الليل. جهزتها من يومين.» ثم وضع حقيبتها عند الداخل، وفتح الخزانة نصف فتحة. «ادخلي، ريم.»
بقيت لحظة عند العتبة، المفتاح في قبضتها يضغط على راحة يدها. هذا ليس سماحًا عابرًا بالجلوس، ولا مجاملة لليلة صعبة. هذا باب داخل البيت، لا عند حافته. رفعت نظرها إلى سالم، وفيها تعب يوم كامل وانضباط أسابيع لم تطلب فيها شيئًا. «إذا دخلت، ما أبي كل مرة أحد يذكرني أني ضيفة.» قال فورًا: «ما أحد يقدر.» لم يزد عليها، ولم يمد الكلام حتى يفسده. كانت الجملة كافية لأنها خرجت في المكان الوحيد الذي يهم: بين باب مفتوح ومفتاح مستقر في يدها.
عبرت ريم إلى الداخل أخيرًا. وضعت حقيبتها بنفسها على الكرسي، خلعت حذاءها عند طرف السجادة، ولم تعد تنظر وراءها. على الطاولة الصغيرة قرب السرير، ركنت المفتاح الجديد بجانب زجاجة الماء، ثم أعادت التقاطه ووضعته داخل حقيبتها، كأنها تثبت الطريق من الآن. سحبت نفسًا عميقًا، ولم يكن فيه رائحة مستشفى هذه المرة، بل برد خفيف وهدوء ممسوك. خرج سالم بصمت، وترك الباب مواربًا بالقدر الذي يصون الداخل ولا يعيده إلى العزلة.
ظل المصباح الصغير عند رأس السرير مضاءً، يلقي نصف دائرة دافئة على الملاءة المرتبة والبطانية المطوية، فيما استقر ظل الباب المفتوح قليلًا على الأرض ثم ثبت.