Fast Fiction

توقفنا عند الفاصل

دفعت مها الصينية من يد سلمى وقالت وهي تبتسم للضيوف لا لها: "خلي القهوة هنا، والمجلس من جهة الرجال ما يحتاج زيادة دخول." بقيت الدلة الثقيلة في يد سلمى لحظة أطول من اللازم، والحر المتعلق في آخر مساء الرياض لزق بكمّ عباءتها مثل عقوبة صغيرة. كانت قد جاءت من دوام طويل في شركة مقاولات تخدم مشاريع في قطاع الطاقة، ما بدلت حتى حذاءها المسطح، ولا زالت قساوة آخر الوردية في كتفيها واضحة وهي واقفة عند طرف الممر، بين باب المطبخ وستارة المجلس، لا هي من أهل الجلسة ولا هي خادمة مأجورة يمكن تجاهل اسمها بلا وجع.

خالة أمينة لم ترفع رأسها أصلًا. كانت تستقبل زوجات الأقارب بوجهها الرسمي، تعدل طرف شيلتها، وتعيد رواية الجملة نفسها عن "النية الطيبة" و"البيوت اللي تعرف أقدار بعضها". العائلة والأصدقاء يعرفون أن اسم سلمى مرّ على هذا البيت أكثر من مرة في كلام غير معلن عن نوفل، ثم سُحب الكلام كل مرة إلى منطقة ضبابية تحمي وجه الجميع وتتركها هي واقفة في الهواء. اليوم، أمام صواني التمر والفناجين المرصوصة، اختارت مها أن تعيد تعريف مكانها بصوت منخفض يكفي أن يُسمع.

مدّ نوفل يده إلى الدلة قبل أن تستدير سلمى. كان خارجًا من المجلس الداخلي بعد أن سلّم على ضيف متأخر، وتوقف قريبًا أكثر مما تسمح به المسافة في بيت مليء بالعيون. أصابعه لامست المقبض فوق أصابعها، كأنه سيأخذ الحمل عنها أو يصحح الإهانة علنًا، ثم شد نفسه في آخر لحظة. تراجع نصف خطوة فقط، وقال بصوت يسمعه من يلزم: "القهوة للداخل أولًا. خليها معي." لم يأخذ الدلة من يدها. لم يلمسها مرة ثانية. لكنه وقف بحيث صار المرور إلى الستارة من حقها لا منّة من مها.

رفعت مها حاجبها. "أنا رتبت، نوفل."

قال من غير أن ينظر إليها: "وأنا أقول للداخل أولًا." ثم أزاح الصينية الصغيرة من زاوية الكرسي البلاستيكي في الممر، ذلك الكرسي الرخيص الذي يُترك عليه عادة من لا يجد مكانًا ولا صفة، ووضعه جانبًا بقدمه حتى لا يضيق عليها الطريق. كانت حركة صغيرة، لكنها فضحت أكثر مما لو نطق اسمها بحنو. دخلت سلمى بخطوة محسوبة، وقد عاد هو إلى مسافته فورًا كأن شيئًا لم يقع.

في المجلس النسائي بعد دقائق، صارت الضيافة نفسها سلاحًا. مها توزع الفناجين على القريبات بالأولوية، تتجاوز سلمى كلما مدّت يدها لمساعدة أو لتجلس، ثم تعود بابتسامة مرتبة: "إنتِ ارتاحي عند الباب." عند الباب بالضبط، حيث الهواء من المكيف لا يصل كاملًا، وحيث كل داخل يرى من بقي على الحافة. خالة أمينة نادت على بنت أختها لتجلس قربها، وتركت الفراغ الذي كان يكفي شخصًا واحدًا يذهب لغير سلمى.

حين دخل نوفل يحمل صينية الشاي من المطبخ إلى المجلس الكبير، كان المفروض أن يضعها عند مها أو عند خالته. بدل ذلك توقف عند سلمى أولًا وقال بصيغة الخدمة لا الخصوصية: "أمسكي هذا." كانت الصينية أخف من الدلة، لكن حملها أمام الكل لم يكن أخف. صار لا بد أن تتقدم خطوة إلى الداخل، إلى قلب المجلس لا طرفه، ليتسع له الطريق. ثم التفت إلى إحدى القريبات وسألها إن كانت تفضل النعناع، كأنه لم يفعل شيئًا. إلا أن مها رأت، وخالة أمينة رأت، وحتى العجوز التي كانت منهمكة في سبحَتها رفعت عينيها لحظة ثم خفضتهما. الاستثناء الصغير صار مرئيًا، وقابلًا لسوء القراءة.

بعد أذان العشاء بقليل، انتقل الرجال إلى السفرة في الصالة الخلفية، وصارت الحركة بين المطبخ والممر الضيق أسرع. جاء سائق خالة أمينة بمفتاح جانبي كانت مها قد نسيته عند الباب الخارجي. رمت به إليها من طرف الممر وقالت: "خذيه، وأقفلي الباب بعد البنات." المفتاح وصل متأخرًا كأنه تذكير بأن الدخول والخروج كلهما بيد غيرها. أمسكت سلمى به، وبرودة المعدن في راحة يدها كانت أوضح من أي كلمة.

عند عتبة الصالة الخلفية وقف ابن خالة بعيد، يضحك، وحاول أن يسبقها إلى الداخل وهو يقول: "خليها، ذي شغلتكم أنتم." مد ذراعه أمامها بلا أدب رجال البيت مع بنات البيت. في اللحظة نفسها ظهر نوفل من الجهة الأخرى، ورأى الحركة كاملة. لم يتكلم كثيرًا. وضع يده على صدر ابن خالته ودفعه نصف خطوة إلى الوراء، لا بعنف يثير مشهدًا، بل بحسم يهين صاحبه أكثر لأنه حدث كتصحيح بديهي. ثم التفت إلى سلمى وحدها وقال: "تفضلي."

لم تكن الكلمة وحدها ما قلب الجو. كانت يده التي ظلت حاجزًا بين الرجل وبين العتبة، وجسده الذي فتح الممر لها هي أولًا. مرت من جواره، تشم رائحة قهوته الباقية على كمّه، وتشعر بثقل أن هذه الأولوية ليست بريئة. خلفها انقطع ضحك ابن الخالة فجأة، ومن داخل الصالة سعل أحد الأعمام سعالًا جافًا، ذلك النوع من السعال الذي يحاول أن يغطي قراءة محرجة. لم تلتفت سلمى. لو التفتت، لاعترفت بأن العتبة تغيّرت.

هذا التغير لم يحمها؛ زاد عليها. بعد الطعام، حين خف الزحام قليلًا، جلست خالة أمينة في الصالة الواسعة وطلبت من مها أن تحضر العلبة المخملية التي لا تخرج إلا في المناسبات ذات النية الواضحة. لم يكن فيها خاتم، لكن وجودها وحده يكفي. قالت الخالة بصوت محسوب: "مها، اجلسي هنا يا بنتي. نوفل لازم يفكر بجد. البيت يحتاج وحدة تعرف مقامه." لم تذكر اسم سلمى، وهذا كان أقسى من الرفض. مها جلست قربها في المكان الذي يُرى، ومالت بكتفها كما لو أن الصورة اكتملت من غير إعلان.

كان نوفل واقفًا عند طرف السجادة، ووجهه جامد على طريقته التي يستعملها في الاجتماعات وفي مجالس الكبار. نظر إلى خالته نظرة واحدة ثم أبعدها. لو تكلم الآن لاشتعل البيت، ولو سكت بدا موافقًا. وكلتاهما ليستا نجاة لسلمى. شعرت بنور شاشة هاتفها يلمع في كفها من تحت العباءة؛ رسالة من أختها تسأل متى ترجع. أطفأت الشاشة وخبأتها، كأن النور نفسه فضيحة. ثم نهضت من مكانها قبل أن يلتفت إليها أحد وقالت لمها: "باقي صينية فوق، بأجيبها."

كانت مها تعرف أنها تهرب، فلحقت بها إلى أول الممر. "ما يحتاج. فوق مجلس الشباب، مو مكانك."

"أعرف مكاني." قالتها سلمى بلا ارتفاع، وهذا أغاظ أكثر من التحدي. ثم تحركت إلى الدرج الداخلي الذي يصل الصالة بالمخزن الصغير حيث تحفظ الصحون الإضافية. في منتصف الطريق لحقها صوت نوفل من الخلف: "المفتاح." استدارت. كان يقصد المفتاح الجانبي الذي بيدها منذ قبل. رفع يده ليأخذه، لا ليمنعها. كان يمكنه أن يقول لها: أعطيني وأنا أذهب. كان يمكنه أن يفتح لها مخرجًا خاصًا خلف كلام الخدمة. لكنها رأت في ذلك الغطاء نفسه فخًا جديدًا؛ ممرًا سريًا يعيدها إلى مكان الظل.

وضعت المفتاح على الدرابزين الخشبي بينهما بدل أن تسلمه في كفه. "أقدر أطلع وأرجع."

وقعت الجملة بينهما كحدّ مرسوم. أخذ المفتاح بعد لحظة، من فوق الخشب لا من يدها، ثم تنحى جانبًا. صعدت هي أولًا، تحفظ المسافة التي لو ضاعت ساء كل شيء.

فوق، كان البيت أهدأ، لكن الهدوء ليس أمانًا. المصباح الأصفر عند منعطف الدرج يرسم نصف الدرجات بوضوح ويترك النصف الآخر في ظل رقيق. أخذت الصينية الفارغة من الطاولة الصغيرة عند المخزن، وحين همت بالنزول سمعت صوت مها في الأسفل، حادًا هذه المرة لأنها تظن أن الارتفاع حماية: "وش اللي مطلعها فوق وحدها؟ من متى تدخل كل مكان؟"

تجمدت قدم سلمى على الدرجة. من الأسفل ردت خالة أمينة بنبرتها المصقولة: "انزلي يا سلمى، خلاص. والباقي نوفل يشوفه." كانت الجملة، بظاهر اللطف، طردًا مغطى. يشوفه نوفل: كأنها شيء زائد يجب أن يتداركه رجل البيت قبل أن يُقرأ خطأ. لو نزلت بسرعة تحت هذا النداء، نزلت كمن قُبلت عليه شفقة. ولو بقيت فوق، صارت وقاحتها هي الخبر.

ظهر نوفل عند أول منعطف من الدرج، لا قريبًا بما يكفي ليلغي المسافة، ولا بعيدًا يتركها وحدها تحت الضرب. كانت بينهما نصف درجة فقط، المسافة التي تكفي لخطأ واحد وتكفي أيضًا لمعنى كامل. رفع يده نحو الصينية ثم أوقفها في الهواء، لم يطلبها ولم يلمسها. من الأسفل صعد صوت مها ثانية: "نوفل، خلها وانزل. الناس موجودين."

التفت برأسه قليلًا إلى أسفل، وقال ببرود سمعته الصالة كلها: "خلي الطريق." ليست لها. للآخرين. كأنه يوقف الزحام لا يدافع عن أحد. لكن جسده تحرك في الدرجة الأدنى حركة واحدة واضحة؛ اتسع كتفه على الممر الضيق وصار الصعود إليها أو الهجوم على نزولها مستحيلًا من دون أن يمروا به أولًا. هذا كل ما فعله. لم يمد يدًا. لم يناد باسمها. فقط منع العالم حول ذلك الخط من أن يبتلعها.

كان عليها هي أن تختار. الصينية في يدها، والبيت كله تحتها، وواحد فقط من الاحتمالات مريح: أن تنزل في المساحة التي فتحها لها، تقبل الحماية، وتتركه يتحمل القراءة بدلها. عندها ستخرج سالمة للحظة، مدفوعة بفضله، ويضيع منها الشيء الوحيد الذي بقي لها: أن لا تُحمل كعبء ثم يُعاد وضعها حيث يناسبهم.

تنفست مرة بطيئة، ثم أنزلت الصينية على الدرجة العليا قرب الجدار. رفعت طرف عباءتها عن مقدمة حذائها، وتقدمت بنصف خطوة حتى صارت على حافة الدرجة التالية، ثم توقفت قبل أن تكتمل. لم تنزل إلى المساحة التي صنعها. ولم ترجع إلى فوق. قالت، من غير أن تنظر إلى أحد في الأسفل: "أنا ما أنزل بسترة أحد."

الجملة لم تكن اتهامًا له، بل تحديدًا لموضعها. لو أراد أن يكسرها الآن، يكفي أن يقول: انزلي. أو أن يصعد خطوة ويأخذ الصينية منها ويُنهي المشهد بسلطته. بدل ذلك خفض يده تمامًا، ثم وضعها على الدرابزين بمحاذاة الدرجة التي تقف عندها، لا على يدها ولا على عباءتها. صار الخط الذي اختارته خطه هو أيضًا. وحين حاولت مها أن تصعد من الأسفل لتجرّ الأمر إلى شجار، رفع نوفل وجهه فقط وقال الكلمة الأخيرة بصيغة البيت لا بصيغة القلب: "قلت خلي الطريق."

توقفت مها؛ لأن في صوته هذه المرة ما لا يترك لها ستارة تختبئ خلفها. لا إعلان، لا فضيحة، ولا حتى اسم. مجرد أمر واحد جعل حق الاقتراب نفسه متوقفًا. في الصالة سقط غطاء فنجان على الرخام، ورن الصوت صغيرًا وواضحًا. أما خالة أمينة فلم تقل شيئًا. الصمت الذي تركته لم يكن قبولًا، لكنه لم يعد يملك قوة الطرد السابقة. صار البيت كله واقفًا عند تلك الشقّة الضيقة بين درجتين.

رفعت سلمى الصينية مرة أخرى، ولكن هذه المرة إلى الخلف، إلى أعلى، كأنها تعيد ما بيدها إلى صاحبه الحقيقي: نفسها. ثم انسحبت نصف خطوة إلى الدرجة التي بدأت منها. لم تطلب طريقًا، ولم تمنحه حق حملها عبره. تركت له فقط أن يراها وهي ترفض أن تعبر تحت مسمى الحماية. هو لم يتزحزح. لم يصعد نحوها ولم ينزل بعيدًا. بقي حارسًا للمسافة التي اختارتها، لا بابًا فوقها.

ثبت طرف حذائها عند نصف الدرجة، لا يصعد إلى التالية ولا يهبط، وتوقف ظلها على الحائط الضيق. إلى جانبه امتد ظل نوفل بمحاذاة ظلها، قريبًا بما يكفي ليعترف بالفاصل، وبعيدًا بما يكفي فلا يندمج.