Fast Fiction

المكان اللي منعوني منه انتظرني

دفعت سارة صينية القهوة بساعدها قبل أن تنزلق من طرف الطاولة الضيق المزدحم بمشابك شعر ومفاتيح وعلبة تمر مفتوحة، وقالت للبنت الصغيرة التي ارتبكت عند الباب: "خذيها للمجلس الداخلي، بسرعة." وما إن التقطت الصينية حتى جاءت هند من آخر الممر، بثوبها المكوي وصوتها الذي يلبس اللطف كأنه أمر، وقالت أمام امرأتين من خالات مازن: "سارة، لو سمحتِ لا ترتبين الدخول من نفسك. الضيافة لها ناسها."

بقيت يد سارة معلقة لحظة فوق فناجين فارغة، والحر اللاصق من آخر نهار الرياض داخل في المطبخ من باب الحوش. كانت آتية من الجامعة مباشرة، بكرتها السوداء على كتفها، حافة بطاقة المواصلات بارزة من المحفظة الجلدية المهترئة، وكتفاها مشدودين من يوم بدأ بمحاضرة وانتهى بمرور سريع على مكتب التدريب في شركة من شركات قطاع الطاقة قبل أن تناديها أم مازن: تعالي بدري، البيت مختنق والناس فوق بعض. جاءت لأنها كل مرة تُستدعى عند الزحام، لا لأن أحدًا قرر من قبل أن لها مكانًا لا يُمس.

قالت أم مازن من داخل المجلس النسائي، بصوت تقطعه المجاملة مع الضيوف: "يا هند، خلّي البنت، هي سترتكم يوم تأخرت صواني الحلو." لكن هند لم تنظر إلا إلى الصينية التي أنقذتها سارة قبل قليل، كأن الإنقاذ نفسه تعدٍّ. انحنت، سحبت من على طرف البوفيه بطاقة صغيرة مطبوعة كان مكتوبًا عليها اسم سارة ووضعتها تحت رزمة صحون إضافية. ثم قالت وهي ترتب بطاقات المقاعد القريبة من الستارة الفاصلة: "المقاعد اللي هنا لأهل البيت والأقرب. سارة تجلس بعدين إذا فضي شيء."

رأت سارة البطاقة تختفي، لا كجرح شعوري فقط بل كحذف كامل، مثل سطر ينمسح من كشف حضور. المقعد الذي كانت أم مازن وضعته لها في الظهر، عند آخر الصف قرب الطاولة الجانبية، صار فجأة "بعدها". نفس المكان الذي كانت تجلس فيه كل مرة حين تكون العائلة والأصدقاء يعرفون أنها ليست غريبة عابرة، صار قابلًا للسحب بلمسة أصابع مستعجلة. ابتلعت الرد. لم تكن المشكلة في الكرسي وحده؛ كانت في اليد التي أخفته وكأن وجودها كله يمكن أن يُنقل إلى آخر الخط مع الصحون.

أكملت تعبئة الدلال بصمت. حين دخلت أول دفعة من قريبات أهل الخاطب، كان الإيقاع متقطعًا بين سلامات وملاعق ونداء مؤذن المغرب من مسجد قريب. سدت سارة فراغين آخرين من غير أن تُطلب: بدّلت إبريق الشاي قبل أن يبرد، وأدخلت صناديق الماء البارد إلى الثلاجة الصغيرة عند باب الممر. في رجليها ثقل آخر المشاوير، وفي كتفها طية قاسية من حمل الحقيبة طول اليوم، لكنها لم تترك شيئًا يسقط. وكلما مرّت هند قربها، مررتها بنصف التفاتة العاملات لا بنظرة من يفترض وجودها بين الجالسات.

بعد الصلاة بقليل، خرج مازن من مجلس الرجال إلى الممر الضيق ليأخذ من أمه ملف الأوراق الخاص بالشبكة وقائمة الأسماء. كان وجهه متعبًا من كثرة السلام والقيام، وربطة شماغه رخوة قليلًا. لمح سارة عند زاوية الثلاجة وهي تحمل صينية حلى وعلبة وجبة صغيرة بردت ولم تُفتح على طرف الرخام، ولمح أيضًا بطاقة الاسم المطوية تحت الصحون. توقف خطوة، ثم مد يده من غير كلام، رفع البطاقة، ومسح بإبهامه أثر دهن خفيف عنها.

قالت هند بسرعة، وقد سبقت إليه كأنها تنتزع تفسيرًا جاهزًا: "حطّيتها لأن المكان احتجناه لبنت عمتي. وسارة أصلًا واقفة تساعد، ما تفرق معها."

هذه المرة نظر مازن إلى البطاقة لا إلى هند. ثم مشى إلى الصف القريب من الستارة، سحب بطاقة أخرى من على المقعد، وأعاد بطاقة سارة إلى مكانها الأول بعناية ظاهرة أكثر من اللازم، حتى انتبهت خالتان كانتا تعدّلان عباءتيهما قبل الدخول. قال بهدوء سمعه القريبون فقط: "هذا مكانها. بنت عمتك لها المقعد اللي بعده." وحين فتحت هند فمها، أضاف من غير أن يرفع صوته: "لا تغيّرين الترتيب مرة ثانية."

لم يكن في الجملة دفء، لكنه كان كلفة. انشدّ فك هند، واضطرت أن تلتقط البطاقة الأخرى بنفسها وتبدلها أمام من رأى. لم تبتسم سارة، ولم تشكره. فقط وضعت صينية الحلى على الطاولة الجانبية، وشعرت لأول مرة منذ دخلت البيت أن شيئًا صغيرًا قاوم المحو بدل أن يمرّ عليه.

لكن الصدمة القصيرة لم تنهِ شيئًا. بعد عشر دقائق، ومع ازدياد الداخلات وارتفاع الضحك، عادت هند إلى صورتها الأنيقة الهادئة، واستعملت الطريق الأسهل: دفعت إلى سارة قائمة جديدة من الداخلات المتأخرات، وقالت أمام بنتين من قريبات أهل الخاطب: "أنتِ أمسكي خط الصواني أحسن. الجلسة امتلأت." ثم أتبعتها بجملة أخف لكنها أوجع: "والصراحة هالليلة لازم نرتب الصورة صح."

فهمت سارة معنى "الصورة". ليس فقط أمام الناس، بل أمام الأم والعمات وكل من يعرف أن ما بينها وبين مازن ليس سرًا كاملًا ولا وعدًا مكتوبًا؛ مجرد قرب طويل، زيارات محسوبة، واسمها الذي يدخل البيوت بحذر. إذا قبلت الوقوف عند خط الصواني حتى آخر الليل، سيعود المقعد المحفوظ حادثة عابرة. إذا طالبت به، ستبدو هي من يحوّل مناسبة الخطبة إلى شأن شخصي.

وضعت الإبريق من يدها برفق حتى لا يسمع رجّه، ثم نزعت المنديل الصغير المثبت على معصمها، وجمعته في كفها. التفتت إلى أم مازن التي كانت خارجة من المجلس تحمل علبة مناديل، وقالت بصوت خافت لا يطلب ولا يشتكي: "أنا بروح أرجع أغراضي من الغرفة الجانبية." لم تقل: لأنكم مسحتوني. ولم تقل: لأن هند تتصرف كأن البيت بيتها. فقط أخذت حقيبتها من فوق الكرسي البلاستيكي قرب باب الخدمة، ومرّت بمحاذاة الحائط، كأنها تخرج من خط لا من بيت.

رأتها أم مازن أولًا، ثم رأت الصينية الفارغة التي تُركت في يد بنت صغيرة لا تعرف أين تذهب بها. وقبل أن تسأل، كان مازن قد خرج مرة أخرى من مجلس الرجال بعدما ناداه عمه على ورقة ناقصة. التقت عيناه بسارة عند المنعطف المؤدي إلى السلم الجانبي. لم يكن بينهما مجال للكلام المريح؛ الممر ضيق، والستارة على بعد خطوتين، وصوت النساء ينساب من خلفها. لكنها لم تُبطئ له، بل أكملت وكأن قرارها اكتمل: لا تستجدي موضعًا يُعطى لها باعتبارها نافعة فقط.

قال مازن من خلفها، بنبرة أخفض من أن تلفت المجلس: "سارة."

توقفت لأن اسمها خرج هذه المرة من مكان واضح، لا من باب الاستخدام. استدارت نصف استدارة فقط. كانت عيناه مرهقتين، وفيهما قسوة الليلة كلّها، لا قسوة عليها. قال: "إذا خرجتِ الآن، هند تكسبها كما تبي."

هزت رأسها مرة واحدة. "مو شغلتي أربح عليك أحد."

ثم نزلت إلى آخر الممر حيث زاوية إعادة الصواني قرب المغسلة الثانوية. هناك كان الخط المعدني يحمل صحونًا مائلة وفناجين عليها آثار قهوة، ومكانًا خاليًا بين صينيتين كبيرتين تركته هي قبل ساعة حين أخرجت صينيتها لتوزيع الحلو. وضعت حقيبتها على الحافة، وسحبت صينيتها من تحت الرف، وجمعت عليها كوب الماء الذي لم تكمله ومنديلها المطوي وعلبة الوجبة الباردة التي لم تجد وقتًا لتأكلها.

في تلك اللحظة نزلت هند وراءها، وقد خلعت جزءًا من ابتسامتها الاجتماعية. قالت بسرعة محمومة: "ممتاز، بما أنك هنا أمسكي الإرجاع شوي. الناس بدت تخلص، وإذا جلستِ فوق بيصير زحمة على الفاضي. أصلاً مكانك مو ضروري الآن."

كان العرض واضحًا: أُغلِق الفجوة نهائيًا بأن تُطوى سارة داخل الشغل نفسه. لا كعقاب معلن، بل كترتيب عملي لا يستطيع أحد الاعتراض عليه. حتى لو بقي اسمها على المقعد، يمكن أن يذوب في الواقع إذا بقيت واقفة عند خط الإرجاع حتى ينصرف الناس.

رفعت سارة صينيتها بكل ما عليها. "أنا ما جيت هنا عشان أقفل مكاني بيدي."

وحاولت أن تضع الصينية في أول فراغ على خط الإرجاع وتمضي.

وصل مازن قبل أن تستقر الصينية. لا من اندفاع بطولي، بل بخطوات سريعة مقيدة، كمن يعرف أن أي حركة زائدة ستصير مشهدًا. أخذ الصينية من طرفها الآخر لثانية واحدة حتى لا تميل الأكواب، ثم أبعدها عن أول فراغ وترك ذلك الموضع خاليًا. بيده الثانية أشار إلى أم مازن التي لحقت به من أعلى الممر، وقال لهند من غير التفاتة كاملة: "الإرجاع له بنات المطبخ. ومكان سارة فوق."

قالت هند، وتهدج في صوتها الغضب لأنها لا تستطيع أن ترفعه: "الناس جالسين، والمقعد صار يضايق المرور، خلّيه وانتهينا."

هذه المرة دخلت أم مازن بينهما لا بصوت عالٍ، بل بالفعل الوحيد الذي لا يمكن تفسيره. صعدت درجتين إلى الممر الأعلى، سحبت الطاولة الجانبية نصف شبر إلى الداخل لتتسع السكة، ثم عدلت بطاقة اسم سارة على المقعد بنفسها. لم تنظر إلى أحد حين فعلت ذلك. قالت فقط، كأنها تكمل ترتيب بيتها: "المرور اتعدل."

سكنت هند لحظة، ثم حاولت آخر دفعة: "لكن الحلوص خلص تقريبًا، وهي أصلاً كانت تساعدنا تحت."

جاء الرد من سارة هذه المرة. سحبت طرف الصينية من يد مازن وأبقتها معلقة لا موضوعة ولا محمولة للضيافة، وقالت لهند بنبرة نظيفة، لا اعتذار فيها ولا خصام: "إذا ما لي موضع أجلس فيه، أمشي. وإذا لي موضع، ما أرجع له من باب الشغل." ثم التفتت إلى أم مازن لا تستأذن، بل تعطيها الحد الفاصل: "أنا ما أوقف على الخط بدل مكاني."

كان على هند الآن أن تصرّح بما كانت تخفيه: إمّا أن تقول أمام الأم والضيفات القريبات إن سارة لا مكان لها أصلًا، وإمّا أن تتراجع. ترددت الترتيبات كلها في وجهها؛ سمعة البيت، مناسبة الخطبة، عيون الخالات، والاسم الذي صار على البطاقة ظاهرًا مرة أخرى. لم تقل شيئًا. فقط تحركت نصف خطوة إلى الخلف، تلك الخطوة الصغيرة التي تفقد بها يدها حقّها في أن تعيد توزيع الناس.

أخذ مازن الصينية من سارة هذه المرة على مهل، ووضعها على الحافة الجانبية لا على خط الإرجاع، كأنه يمنع البيت نفسه من ابتلاعها. لم يمد يده إليها بعدها، ولم يقل كلمة كبيرة. فقط رفع نظره إليها وقال: "مكانك ما انشال. تعالي إذا تبين تجلسين، أو اطلعي بالسيارة شوي وارجعي. لكنه يبقى لك."

الجملة لم تكن وعدًا عاطفيًا؛ كانت ترتيبًا ملموسًا، أشد لأنه صدر بصيغة عادية. رأت سارة في عينيه تعبًا يشبه تعبها، وتحت التعب شيء أوضح من كل الليالي السابقة: ليس أنه يحتاجها لتسعف الفوضى، بل أنه لا يقبل أن تُمحى لتستقيم صورته. هذا وحده كفاها كي لا تنكسر في المكان نفسه.

أخذت حقيبتها من الحافة، وعدلت عباءتها عند الكتف الذي تركه اليوم متعبًا ومجعّدًا. كان يمكنها أن تخرج إلى الحوش وتغادر البيت كله وتحفظ كرامتها بطريقتها. وكان يمكنها أن ترجع فورًا فتمنح اللحظة معنى احتفاليًا لا تريده. اختارت المسافة الأدق. قالت لأم مازن: "بغسل يدي وأرجع." ثم التفتت، صعدت الممر وحدها، ومرّت قرب المقعد الذي عليه بطاقتها من غير أن تلمسه أولًا، كأنها تختبر هل سيبقى فعلًا إذا لم تسارع إليه. بقي.

حين عادت بعد دقائق، كان المجلس أخفّ قليلًا، وانخفض الضجيج إلى طبقة المجاملات الأخيرة. جلست في مقعدها بلا اعتذار ولا شرح، ووضعت حقيبتها عند رجل الكرسي. الطاولة الجانبية صارت أبعد نصف شبر كما عدلتها أم مازن، والممر صار مفتوحًا من غير أن يضطر أحد إلى سحب بطاقتها. مرّ مازن مرة واحدة عند طرف الستارة يحمل ورقة إلى أمه، ولم ينظر إليها إلا نظرة قصيرة كافية لتثبيت أن ما فُتح لن يُقفل من جديد عند أول انشغال.

وبعد انصراف أكثر الضيفات، حملت سارة صينيتها بنفسها إلى زاوية إعادة الصواني. وضعتها في الخط المعدني، ثم أرجعتها نصف إصبع إلى الخلف كي لا تحتك بالصينية المجاورة. بقي إلى جوارها فراغ واحد لم تملأه الصينية الأخرى، الفراغ نفسه الذي تُرك لها قبل قليل. جاءت يد مازن من الطرف الآخر، عدّلت صينية كبيرة مائلة حتى تستقيم، فعاد ذلك الفراغ إلى نفس موضعه بجانب صينيتها.