حفرها لي وسقط فيها
أوقف الحارس سلمى عند بوابة الخدمة الخلفية، ومدَّ ذراعه فوق جهاز المسح كأنه يغلق شقًّا في جدار، وقال بلا تردد: «أنتِ على المسار الجانبي اليوم. هذا توجيه الأستاذ بدر.» خلفه كانت السيارات السوداء تدخل وتخرج من ظل المواقف الجانبية، وعمال الضيافة يدفعون عربات القهوة والتمر إلى الداخل، وكل من يملك بطاقة يمر. إلا هي. بقيت بطاقتها بين أصابعها، حافتها مهترئة من كثرة المناوبات، وشعرت بثقل الكتف الذي يخلفه يوم طويل قبل أن يبدأ يوم أثقل منه.
قالت: «أنا مسؤولة أرشيف الدخول للضيوف التنفيذيين.» رد الحارس وهو يتجنب النظر إليها: «المسؤولية شيء، والمسار شيء. أمرك عند الممر الضيق، خلف المستودع.» ومن وراء الزجاج المعدني الملطخ بآثار مسح قديم، لمحت بدر يخرج من المصعد الخدمي، يعدل شماغه، ثم يلتفت ليتأكد أنها ما زالت متوقفة في مكانها. كان يريد هذا المشهد مرئيًا: هي تُحتجز عند الخلف، وغيرُها يمر.
هذه ليست أول مرة يدفعها إلى الحافة. شهران وهو يسحب منها أسماء كبار الضيوف، يبدل ترتيب الاستقبال، ويتركها تتحمل العطب إذا تأخر أحد. واليوم بالذات لم يكن مجرد يوم عمل في مجمّع الضيافة التابع لفعالية كبرى في قطاع الطاقة بالرياض؛ اليوم سيحضر أبو راشد بنفسه لتفقد مسار كبار الضيوف، واليوم أيضًا تعرف سلمى أن العائلة والأصدقاء يعرفون أن اسمها لم يعد اسم موظفة عابرة في هذه الجهة، بل اسمًا كان يُدفع عمدًا خارج الصورة كي يبقى بدر وحده صاحب الوجه أمام الكبار.
اقترب بدر بخطوات هادئة أكثر من اللازم. في يده ورقة مختومة، وفي الأخرى هاتف يضيء منخفضًا داخل كفه. قال للحارس بصوت مسموع كفاية: «أي دخول للممر التنفيذي يمر عبر هذا التوجيه. توقيع مدير التشغيل.» ثم نظر إلى سلمى وأضاف بابتسامة رفيعة: «أنتِ اليوم متابعة حركة الصناديق والرجوعات. لا نحتاج ازدحامًا عند الضيوف.»
أخذت الورقة من يده بنظرة ثابتة. لم تكن أمر نقل مؤقت فقط، بل أمر يبدل صفتها أثناء الوردية من «تنسيق ضيوف تنفيذيين» إلى «مساندة لوجستية». خفضها بدر قليلًا كي يراها الحارس ورجل الضيافة الواقف قرب حافظة الدلال. إذلال نظيف، لا صراخ فيه ولا خطأ يمكن الاعتراض عليه بسهولة. في آخر السطر ختم إلكتروني وتوقيع. وتحت التوقيع رقم الأرشيف الذي لا يعرف مكانه إلا هي.
قالت: «هذا الرقم خرج من غرفة الأرشيف قبل الفجر.» قال بدر: «طبيعي. أنا طلبته.» «بلا محضر سحب؟» «أنا لا أحتاج محضرًا منك.»
في اللحظة نفسها توقفت عربة كهربائية صغيرة عند البوابة، ونزل منها أبو راشد، كبير الضيافة المكلف باستقبال الوفود الرفيعة. رجل ستيني، عقاله ثابت، وصوته لا يرتفع لكنه يبدل اتجاه المكان. كانت معه نورة، مسؤولة تنسيق المجالس الداخلية، تحمل ملف الدعوات وترتيب المقاعد. رفع أبو راشد عينيه إلى الورقة في يد سلمى قبل أن ينظر إلى بدر. المشهد وصل كاملًا: ورقة موقعة، موظفة موقوفة عند الخلف، وبدر يتصرف كأنه يوزع الأقدار.
ابتدر بدر الكلام: «أبو راشد، رتبنا المسار حتى لا يحدث تداخل. سلمى على الدعم الخلفي فقط، وأنا أتولى العبور التنفيذي.» ثم أشار بإصبعه إلى الممر الضيق المحاذي للمستودع، كأنه يزيحها من مجلس إلى ملحق، لا من بوابة إلى بوابة.
لم تشرح سلمى كثيرًا. رفعت الورقة فقط وقالت: «هذا التوجيه سُحب من أرشيف الدخول برقم مقصور على مسارات الضيوف من فئة الدعوات المغلقة. إذا حُوِّلتُ عنه، فمن يستلم أيضًا صلاحية فتح سجل الزيارة القديمة؟» التفت أبو راشد إلى نورة. نورة لم تجب، لكن أصابعها شدّت على الملف. كان في داخل المجالس اسم قديم أعيد فتحه هذا الصباح بطلب من مجلس الإدارة: دعوة شخصية متأخرة لوريثة شريك مؤسس توفي، ظلت خارج البروتوكول سنوات بسبب نزاع قديم على تمثيل العائلة في المناسبات الرسمية. الاسم كان في الأرشيف، وفي ملف الاستحقاق، وتحت يد سلمى وحدها. أما بدر فكان يتعامل منذ أشهر مع الملف كأنه مدفون.
قال أبو راشد ببطء: «ملف الزيارة القديمة ما يفتحه إلا المكلَّف الأصلي. من بدّله؟» أجاب بدر سريعًا: «أنا. لأجل السلاسة.» وسأل أبو راشد دون أن ينظر إليه: «وبدلته قبل أن تمر عليّ؟»
كانت هذه أول فتحة في الجدار. صغيرة، لكنها مرئية. الحارس أبعد ذراعه عن جهاز المسح تلقائيًا، لا سماحًا كاملًا، فقط ترددًا. وبدر لمح ذلك، فشد لهجته وقال: «الممر التنفيذي من هنا مزدحم. خلوها على المسار الخلفي إلى أن نخلص كبار الضيوف.» ثم مد يده إلى الورقة كأنه يريد استعادتها من يد سلمى. لم تعطها له.
قالت نورة وهي تقلب الملف: «الاسم المعاد فتحه مربوط بمجلس السيدات وبقاعة كبار الضيوف معًا. إذا تأخر التسجيل، تتعطل الضيافة في المجلسين.» ابتسم بدر ببرود: «أنا أدخّل الاسم يدويًا.» ردت سلمى فورًا: «لا تقدر. ملفها مربوط بسجل نسبقة الدعوة، مو بس بطاقة دخول.» وكانت تعرف أنه يعرف ذلك، لكنه راهن على أن أحدًا لن يوقفه عند هذه النقطة أمام الشهود.
تحرك أبو راشد نحو الداخل، ثم توقف عند عنق الزجاجة بين البوابة المعدنية والممر المسقوف المؤدي إلى المصعد الخدمي. هذا هو الموضع الذي يضيق فيه المسار حتى لا يمر شخصان متقابلان بسهولة: عربة ضيافة من جهة، شخص من جهة أخرى. أشار بيده وقال للحارس: «خلو المسار التنفيذي واقفًا دقيقة.» التفت إلى سلمى: «افتحي الملف الآن.» ثم إلى بدر: «وأنت جيب أصل التوجيه من جهاز الطباعة الداخلي، ليس صورة.»
ظن بدر أن الوقفة القصيرة في الممر لصالحه؛ أنه سيحضر الأصل ويعود، وأنها ستبقى حيث هي. اندفع داخل العنق الضيق قبل أن تكتمل حركة العربة القادمة من الداخل. وفي اللحظة نفسها خرج عاملان يدفعان حاملة فناجين نحاسية طويلة، ومعهما صندوق تمر فاخر ممهور باسم الجهة المنظمة. صار بدر محصورًا بين العربة من الأمام والبوابة من الخلف، لا يستطيع التراجع إلا إذا تراجع الحارس وفتح المسار الجانبي. لكن الحارس كان ينتظر أمرًا صريحًا.
رفعت سلمى هاتفها، والضوء المنخفض في كفها يكشف الشاشة ولا يعلنها. فتحت نظام الأرشيف، ثم أدخلت رمز التسليم المؤقت. ظهر اسم الملف القديم، وتحته سطر أحمر: «لا يسلَّم ولا يُحوَّل إلا بتأكيد صاحب التكليف الأصلي أو اعتماد رئيس الضيافة.» قالت بهدوء يسمعه أبو راشد ونورة والحارس: «أنا صاحبة التكليف الأصلي. وأنت يا أستاذ بدر سحبت رقم الأرشيف لتعديل المسار فقط، من غير حق نقل التفويض.»
استدار بدر بصعوبة داخل الممر المكتظ، فاحتك كتفه بحافة العربة واهتزت الفناجين بطنين معدني رفيع. قال بحدة مكتومة: «افتحي لي المجال أولًا.» قالت سلمى: «المجال مربوط بالتصفية.» قال أبو راشد: «كملي.»
مررت سلمى إصبعها على الشاشة، ثم رفعتها قليلًا إلى نورة دون أن تقترب منها. «هنا طلب إعادة فتح الاسم، وهنا قيد التحويل. يحتاج اعتماد رئيس الضيافة إذا كان المكلَّف الأصلي ممنوعًا من المسار.» رفعت نورة عينيها إلى أبي راشد: «هذا صحيح.» فقال أبو راشد، لا لبدر بل للحارس: «من الآن، المرور على هذا المسار باسم التكليف، لا باسم التوجيه الجزئي.»
كانت الجملة عملية، لكنها غيّرت الهواء. الحارس رجع نصف خطوة، وفتح جهاز المسح لسلمى. هذه ليست نهاية شيء، لكنها كانت مكافأة أولى واضحة: المسار الذي حبسها عنده انفتح لها أمام نفس العيون. تقدمت سلمى خطوة واحدة فقط، لا أكثر، كي لا يبدو الأمر استعراضًا. دخلت بطاقتها في جهاز القراءة، أضاء الضوء الأخضر، فعبرَت إلى حافة الممر التنفيذي. وبدر بقي في الداخل بين العربة والبوابة، ينتظر أن يفسح له أحد.
قال بدر بعصبية بدأت تظهر في فكه: «هذا عبث. التوجيه معي وموقَّع.» ردت سلمى من مكانها الجديد: «ومقيَّد برقم أرشيف ما تملكه. إذا استعملته لتغيير صاحب التكليف، يصير ناقص النفاذ.» ثم التفتت إلى أبو راشد وأضافت بعبارة قصيرة، دقيقة كقص السكين: «أطلب تفعيل أولوية صاحب التكليف الأصلي على المسار التنفيذي، وتعليق أي عبور متعلق بالتوجيه المقيَّد إلى حين مطابقة الأصل من مصدره الداخلي.»
لم يحل أبو راشد المشكلة بدلًا عنها. فقط سأل الحارس: «سمعت الطلب؟» قال الحارس: «نعم.» قال: «نفّذ.»
دارت الأمور بسرعة باردة بعدها. نورة أخذت من سلمى رقم الملف، واتجهت إلى الداخل لتثبيت الدخول في مجلس السيدات. عامل العربة لم يتحرك حتى تصدر له إشارة، لأن المسار صار الآن خاضعًا لمرور صاحبة التكليف. بدر حاول أن يتقدم أكثر، فصدمت ركبته طرف الحاملة النحاسية، وانسكب خيط قهوة على كمّه الأبيض. ضرر صغير، لكنه ظاهر، لا يرحم في مكان مبني على الانضباط والهيبة. رفع صوته هذه المرة: «افتحوا! أنا من رتّب هذا المسار.»
قالت سلمى: «أنت رتبت تحويلًا ناقصًا على ملف مقيّد. ليس مسارك.» ومدت يدها إلى الورقة الموقعة التي ما زالت معها. قلبتها على ظهرها، ثم وضعت إصبعها على رقم القيد وقالت للحارس: «اقرأ السطر الأخير.» تلعثم قليلًا ثم قرأ: «يسري هذا التوجيه ما لم يتعارض مع تكليف سيادي قائم مربوط بسجل دعوة مغلق.» سألته سلمى: «وهل تعارض؟» نظر إلى الشاشة في يدها، ثم إلى أبي راشد: «نعم.»
هنا كان يمكن لبدر أن يسكت ويتراجع. لكنه اختار الدفعة الزائدة التي يهلك بها صاحب الفخ نفسه. مد يده من بين العربة والعمود الحديدي يريد انتزاع الورقة من الحارس هذه المرة، لا منها، وصاح: «اعطني إياها. أنا أعبر أولًا ثم تُسوَّى المسألة داخلًا.» كانت تلك المحاولة إعلانًا أخيرًا بأنه يصر على أسبقيته رغم أن السلم تبدل تحت قدميه.
تحركت سلمى خطوة إلى جانب لوحة القفل اليدوي للبوابة الخلفية، وقالت بنبرة لا ترتفع: «سجّل رفض عبور مؤقت لحامل التوجيه المقيَّد، بسبب تعارض النفاذ ومحاولة تجاوز الترتيب التنفيذي تحت الشاهد.» الحارس تجمد جزءًا من ثانية، ثم كرر بصوت رسمي: «تم.» قال أبو راشد، وهو ينظر إلى بدر أخيرًا: «مرفوض عبورك من هذا المسار حتى مطابقة الأصل من المصدر. ارجع من الخارج إذا عندك مدخل آخر.»
جرب بدر أن يزاحم العربة بكتفه ليخرج بالقوة قبل أن يثبت الرفض. هنا انطبقت عليه آليته نفسها. لأن التوجيه الذي صنعه في الصباح قسم العبور إلى مسارين: تنفيذي وجانبي، ومنع الحارس من فتح الجانبي إلا لمن هو مصنَّف عليه مسبقًا. وبدر ليس مصنفًا على الجانبي؛ هو الذي كتب ذلك بيده ليحصر سلمى هناك. الآن، بعد تعليق نفاذ توجيهه على التنفيذي، لم يبق له مسار مفتوح في هذه البوابة. دفع الحارس المزلاج الصغير، فثبتت البوابة على وضع الرفض المؤقت. بدر دار بعينيه من الحارس إلى أبي راشد إلى سلمى، كأنه يبحث عن ثغرة اجتماعية بعدما أغلقت الثغرة الإجرائية، ولم يجد إلا كمّه المبلول وورقته التي انقلبت عليه.
قال بدر بصوت أخفض، أشد خطرًا لأنه خسر ارتفاعه: «سلمى، لا تكبرينها.» ردت: «أنا ما كبرت شيئًا. أنت كتبت المسار.» ثم مدت الورقة إلى الحارس لا إليه. «أرشِفها مع الرفض.»
تقدم أبو راشد خطوة، فتراجع العامل بالعربة تلقائيًا وفتح لسلمى فراغ المرور. لم يمدحها، لم يعتذر لها، لم يقل كلمة إضافية. فقط مال برأسه نحو الداخل، إشارة أن تمضي إلى عملها. عبرت سلمى الممر التنفيذي، وشعرت بصلابة الظهر التي تأتي حين يتوقف الجسد عن امتصاص الإهانة ويبدأ يحسب المسافة. على طرف الباب الداخلي كان المرآة المعدنية نفسها، عليها لطخات أصابع قديمة، فرأت فيها لمحة سريعة: كمّها المستقيم، البطاقة بين أصابعها، والبوابة خلفها ما زالت تحبس الرجل الذي أراد حبسها.
لكن بدر لم يتوقف. استدار حول العربة وحاول أن يعود إلى جهة البوابة الخارجية ليلحق بها قبل أن يُقفل المسار نهائيًا. كانت هذه آخر دفعة، والأغبى. رفعت سلمى يدها إلى القفل الجانبي المثبت في قائم الباب الحديدي، أدخلت المفتاح الإداري الذي انتقل لها مع تفعيل أولوية التكليف، وأدارت المزلاج على وضع الإغلاق الكامل للمسار المختلف عليه. سمع صوت المعدن يثبت في مجراه. ثم سحبت المفتاح. في الممر المقفول، عند حارة البوابة الضيقة، مد بدر يده إلى القفل من الجهة الأخرى. لم يدر.