رجعت صاحبة الوردية
سحبت سلمى جهاز الدفع من يد الزبون قبل أن يضغط مرة ثانية، ومسحت بإبهامها شاشة الجهاز اللاصقة ببخار الأصابع، ثم قالت بهدوء: «المبلغ انخصم مرتين، الأولى معلقة. لا تعيدها.» الرجل التفت إلى هند الواقفة عند الواجهة، بابتسامتها المصقولة وشالها المرتب، فقالت هند فورًا: «الحمد لله، ضبطناها.» كأن الانضباط خرج من حنجرتها لا من يد سلمى التي كانت أصلًا تمسك الطلبات كلها في رأسها. خلفهما كان بخار الحليب يصفّر، والباب الزجاجي يفتح على حرّ الرياض ثم يغلق، ويعيد معه صفًا جديدًا من موظفي المكاتب القريبة من قطاع الطاقة، ببطاقات تعريف معلقة وأكمام مكوية على عجل.
لم يكن وقت زحام عادي. بعد صلاة المغرب بدقائق، امتلأت الصالة برجال جاؤوا من مكاتبهم ومعهم ضيوف، وبعضهم يطلب القهوة العربية في صوانٍ منفصلة «للجلسة فوق»، وبعضهم يريد فواتير مفصلة «للحسابات». هذا النوع من الزبائن لا يغفر ارتباكًا صغيرًا؛ خطأ واحد يصير قصة في السيارة، ثم يصل غدًا إلى صاحب المقهى قبل الفاتورة نفسها. وسلمى تعرف ذلك أكثر من هند، لأنها منذ شهرين تحمل الوردية وحدها تقريبًا بينما هند تلتقط الواجهة: التحية، الابتسامة، الأسماء الكبيرة.
ناولت سلمى الرجل الإيصال الصحيح، نصفه مطوي ومنفوح من كثرة ما فُتح وأُغلق بين أصابعها، وقالت: «هذه نسخة السحب الملغى، وهذه الصحيحة.» هز الرجل رأسه وشكر هند مرة أخرى. ابتلعت سلمى الرد، واستدارت إلى شاشة الطلبات قبل أن يتراكم خلفه صف جديد. لكن فارس، ابن صاحبة المقهى، وقف عند طرف الكاشير وقال دون أن يرفع صوته: «أعطوها درج الفكة الصغير، هذا من شغلها.» كانت جملة عابرة، قصيرة، لكنها أول شيء في المساء يعود إليها علنًا. التقطت الدرج المعدني من الرف السفلي، وبرودته في يدها أحسن من أي مجاملة.
هند لم تترك الجملة تمر. مدت يدها إلى لوحة الطلبات وسحبت الورقة الرئيسية من تحت مشبك الحديد، ثم قالت لسلمى كأنها ترتب خيرًا: «أنتِ روحي وراء وخليك على التحضير والتعديل. أنا أوقف هنا قدام. الأسئلة عليّ.» ثم، في نفس النفس، دفعت إليها دفعة واحدة كوبًا عليه ملاحظة حساسية، وصينية ناقصة تمر، وطلبًا شفهيًا من طاولة عائلة تريد استبدال الشاي الأسود بأعشاب «بس بدون تأخير». أبعدتها عن الواجهة، وأبقت المشكلات كلها عندها. حتى مفتاح درج العملة علقته هند في مشبكها، بينما تركت سلمى تحمل الذاكرة: من دفع، من وعدته بخصم الخطأ، من ينتظر صينية المجلس، ومن يجب ألا يختلط طلبه بغيره.
تحركت سلمى إلى الخلف بين الثلاجة وطاولة التحضير، والممر يطنّ بضوء أبيض خافت وصوت مروحة مستمر. في المرآة المعدنية عند المصعد الخدمي ظهر وجهها مشوشًا ببقع مسح قديمة؛ لم تتوقف عنده. التقطت كوب الحساسية قبل أن يخرج بالحليب العادي، عدّلت الصواني، ورفعت صوتها باسم رقم طلب فات هند أن تضيف له التمر. كل مرة تصلح شيئًا، كانت هند عند الأمام تقول لزبون أو لضيفة: «معنا اليوم ضغط، لكن الأمور تحت السيطرة.» وتترك السيطرة تمشي على ساقي سلمى في الخلف.
ثم بدأ الاختصار الذي بنت عليه هند الواجهة يتشقق. موظف من شركة قريبة طلب أربع فواتير منفصلة لثمانية أكواب. هند جمعت المبلغ دفعة واحدة، ثم نسيت التقسيم. شابان عند الاستلام أخذا كوبين ليسا لهما لأن الأسماء لم تُنطق كاملة. ضيف كبير في السن، معه شاب يعرفه الجميع باسم «أبو نورة»، انتظر صينية القهوة فوق عشر دقائق لأن هند أرسلتها بلا فناجين التقديم الصغيرة. صار الناس يعودون إلى الكاشير بوجوه متجهمة، وكل مرة يخرج من فم هند سؤال واحد: «سلمى، هذا طلب مين؟» وسلمى، من الخلف، تجيب دون أن ترفع رأسها: «الرقم سبعة وخمسين مع فاتورة مفصلة.» «سلمى، اللي طلب بدون سكر؟» «طاولة الزاوية، مو اللي عند الزجاج.» «سلمى، المبلغ هذا ناقص أو كامل؟» «ناقص اثنين وثلاثين، لأن الأولى معلقة.»
الصف لم يعد صفًا؛ صار كتلة مضغوطة عند جهة الدفع. رن الجهاز مرتين ثم تجمد. طابعة الكاشير لفظت نصف سطر وتوقفت. هند حاولت أن تبتسم للضيف الكبير وهو واقف مع مرافقه قرب الحاجز الخشبي المؤدي إلى صالة الجلسات الخاصة، لكن ابتسامتها صارت غالية على المشهد. تأخر طلب واحد أمام هؤلاء لا يُقرأ تأخرًا فقط، يُقرأ سوء ترتيب. وفارس كان يرى ذلك من طرف عينه وهو يحمل بنفسه دلة إلى الطابق العلوي، لأن أمه، أم نورة، أوصت أن تمر الخدمة الليلة ناعمة: «عندنا ضيوف يعرفوننا، والعائلة والأصدقاء يعرفون، لا نبي هفوة قدام أحد.»
هبط فارس بسرعة، ووضع الدلة على الرخامة الخلفية، ثم اقترب من الكاشير حيث كانت هند تضغط الأزرار بعصبية خفيفة. الزبون عند المقدمة قال بحدة مكتومة: «أنا انخصمت عليّ مرة، وهي تقول ارجع انتظر رسالة البنك. وطلبي للحين ما طلع.» وقبل أن ترد هند، مد فارس يده إلى المشبك في صدرها، ونزع مفتاح الدرج الصغير وورقة الوردية من تحت اللوح، ثم التفت مباشرة إلى سلمى. لم يطلب تفسيرًا، لم يفتح مجلسًا. قال فقط: «هذي عندك. من هنا.» وضعت سلمى الكوب الذي في يدها، ومسحت راحة يدها في مريولها مرة واحدة، وأخذت المفتاح والورقة.
كان هذا النقل صغيرًا في حجمه، لكنه وقع في المكان الذي لا يمكن تغطيته بالكلام: عند جهة الكاشير نفسها. هند بقيت ثانية كاملة ويدها في الهواء، كأنها لا تعرف هل تسحبها أم تثبتها. ثم قالت بنبرة أرق من قبل: «أنا فقط كنت أرتب الواجهة.» لم تنظر إليها سلمى. دخلت بين هند والجهاز، بقدر كافٍ من المسافة كي لا تلمسها، وبقدر كافٍ من الحسم كي لا يعود أحد يناقش. قالت للزبون الأول: «أعطني آخر أربعة أرقام من البطاقة.» ثم فتحت السجل، واستدعت العملية المعلقة، وأخرجت نسخة الاعتراض اليدوية من تحت الرخامة حيث تضعها دائمًا. ورقتان، توقيعان، رقم طلب صحيح. الحركة نفسها التي كانت تفعلها كل ليلة دون أن يراها أحد، صارت الآن على الضوء.
هند حاولت أن تشرح لضيف آخر: «طلبك في الطريق.» ردت سلمى دون أن ترفع عينيها عن الشاشة: «إذا سمحتِ، خذي الاستلام فقط.» الجملة لم تكن قاسية، لكنها رسمت الحد. الأمام ليس كله لها الآن، وليس كله لهند. الكاشير عاد لصاحبته، والباقي يتبع. دفعت الدرج فصدر صوته المعدني المعروف، ذلك الصوت الذي يردّ القلب إلى مكانه إذا كنت تعرف الوردية. عدّت النقدية بسرعة، أثبتت العجز الصغير في خانته الصحيحة، ثم رفعت ورقة الطلبيات وقالت للعامل عند ماكينة القهوة: «ابدأ بثمانية وخمسين قبل الستين، وصينية المجلس الآن.» لا أحد جادلها؛ لأن الكلام هذه المرة خرج من اليد التي تعرف أين انكسرت السلسلة.
الضيف الكبير ومرافقه وقفا قرب الحاجز الخشبي، لا يتكلمان، لكن الانتظار عندهما صار ثقيلًا على المكان كله. سلمى أخذت صينية القهوة بنفسها، رتبت الفناجين الصغيرة والتمر، ثم ناولتها للعامل مع اسم الجلسة الصحيح. في اللحظة نفسها أعادت تقسيم فاتورة الموظف إلى أربع نسخ، وربطت كل واحدة برقم طلبها، وألغت ازدواج الخصم الأول في السجل اليدوي لتطابقه الطابعة حين تعود. شاشة الجهاز علقت مرة أخرى، فضربتها بخفة من الجانب، أعادت تشغيلها، ثم سحبت طابور البطاقات واحدًا واحدًا: «حضرتك الآن... أنت بعده... واللي عنده استرجاع يقف هنا.» حتى الزبائن الذين كانوا غاضبين قبل دقيقة أطاعوا الفرز الجديد؛ ليس لأن الجو هدأ، بل لأن أحدًا أخيرًا صار يفرز الخلل بدل أن يبتسم له.
تراجعت هند نصف خطوة، ثم خطوة أخرى، حتى وقفت عند طرف الرخامة كموظفة استقبال عادية. لم تعد تمسك بالمفتاح، ولا بالورقة، ولا حتى بجملة «تحت السيطرة». وحين مدّت يدها لتأخذ فنجانًا جاهزًا إلى الداخل، قالت لها سلمى من غير أن تنظر: «هذا لطاولة الحساسية، لا يختلط.» سحبت هند يدها كأنها لُمست بالنار. واكتفت بأن تحمل الأكياس الجاهزة وتكرر الأرقام كما تُقال لها. ذلك كان أقسى من أي فضيحة؛ أن تنزل إلى مسافة رسمية أمام نفس الوجوه التي كانت قبل ربع ساعة تتلقى منها الثقة.
بين زحمة الأكواب وسحب البطاقات، لمحَت سلمى عند طرف الرخامة بطاقة دخولها البلاستيكية، بحافتها المهترئة من كثرة ما مرّت على قارئ الباب الخلفي. كانت هند قد أبعدتها مع الورقة في البداية. التقطتها وربطتها من جديد في جيب المريول، كأنها تثبت اسمها في الوردية لا على صدرها فقط. وفي تلك اللحظة قال فارس بصوت منخفض، وهو يقف إلى يسارها بعيدًا عن الصف: «أم نورة تقول خلّي مجلس فوق يطلع أول. والباقي على ترتيبك.» لم يقل أكثر. لم يحتج. لكنه للمرة الأولى لم يتجاوزها إلى هند، ولم يعط التوجيه لمن يقف أحسن تحت الضوء.
أخذت سلمى الطلب تلو الآخر، كأنها تشد حبلًا انفلت آخره. صححت أسماء الاستلام، فصلت الحسابات، علّمت المرتجع، وأعادت ترتيب الطابور حسب ما دُفع لا حسب من اشتكى أعلى. حين عادت الطابعة للعمل، لفظت الإيصالات دفعة واحدة متعرجة، فثبتت الرول بيدين ثابتتين. صارت الوجوه أمامها أخف، لا لأنها سامحت، بل لأن الخدمة رجعت تجري في مجراها الطبيعي. حتى الضيف الكبير صعدت صينيته أخيرًا دون خطأ، وعاد المرافق ليطلب ماءً فقط، لا اعتذارًا.
بقي ازدحام صغير أخير عند الجهاز. رجل شاب قال لهند: «أختي، أنا من زمان...» قاطعه فارس، من غير أن يرفع صوته أيضًا: «الصف عند سلمى.» كانت جملة عادية، عملية، لكنها أغلقت الباب الذي كانت هند تدخل منه إلى الواجهة. نظرت إليه هند نظرة قصيرة فيها رجاء تأخر كثيرًا، ثم التفتت إلى الأكياس الجاهزة. بينهما تاريخ يعرفه أهل المقهى من بعيد؛ العائلة والأصدقاء يعرفون، لذلك كان انحيازه الليلة محسوبًا بالسنتمتر وبنبرة الصوت، لا بأكثر. وهذا يكفي في مكان كهذا كي تتبدل المسافات كلها.
حين انخفضت الكتلة أمام الكاشير إلى ثلاثة زبائن فقط، لم تشعر سلمى بالانتصار. شعرت بشيء أبسط وأصدق: أن العبء الذي كانوا يرمونه عليها من الخلف عاد أخيرًا إلى موضعه الصحيح في الضوء، تحت يدها. أنهت آخر استرجاع، أعادت عدّ الصندوق، ثم سحبت من الطابعة رول إيصالات جديدًا. الورق كان أبيض ناصعًا، مشدودًا من قلبه، فمزقته على الحافة المعدنية بخط مستقيم، ومررت طرفه داخل الشق حتى ظهر السطر الأول مقروءًا عند جهة الكاشير. بعدها تركت درج النقود مفتوحًا نصف فتحة، ووضعت ورقة الوردية فوق جانبه باسمها.