Fast Fiction

ضحكوا عليها أولا ثم وقفوا لاسمها

نزَع فارس لوحة اسمها من الحامل عند حافة الممر وقال بصوت مسموع قبل أن تتوقف السيارة التالية: "سلمى، اليوم تقفين بالخلف. الاستقبال الرسمي لي وللشباب." ثم دفع الشارة المهترئة المعلقة في عنقها بطرف إصبعه كأنها شيء زائد عن الصورة، فالتفتت رؤوس السائقين والموظفين وبنات العائلة الجالسات قرب طاولة القهوة إلى الحركة نفسها.

كانت قد رتبت خط الوصول من الفجر؛ أسماء الضيوف، أوقات التوقف، ترتيب القهوة والتمر، وحتى ملاحظة صغيرة نصف مطوية في جيب عباءتها كتبت عليها بخط سريع: سيارة الشيخ عبدالمحسن تحتاج مظلة لأن وقفته قصيرة. لا أحد هنا يجهل أنها من أمس وهي تدور بين القاعة والبوابة والمجلس الجانبي، لكن فارس اختار لحظة امتلاء الرصيف بالعيون. خلفه كانت أم ناصر تراقب من تحت طرف شيلتها، وتلك النظرة وحدها تكفي لتجعل الإهانة أوسع من وظيفة.

لم تجادله. أخذت لوحة اسمها من يده قبل أن يضعها في الصندوق، وسحبت الحامل المعدني خطوة إلى الظل بجوار الجدار بدل أن تتركه له. كانت تلك الحركة صغيرة، لكنها كسرت استعراضه؛ اضطر أن يمد يده ثانية أمام الناس ليسترجع ما ظن أنه سحبه نهائيا، فسبقته وقالت بهدوء بارد: "اللوحات تبقى معي." ثم علّقتها على ذراعها مع الملف. ارتفع حاجباه، لا لأنه خسر اللوحة، بل لأن أول ضربة لم تنزل كما أراد.

قال وهو يلتفت إلى موظفي الضيافة: "لا أحد يتحرك إلا بتوجيهي. وأنتِ روحي تابعي الشاي داخل." كانت كلمة "داخل" طعنة مقصودة؛ نقلها من الواجهة إلى خلف الستارة، من خط السيارات إلى أثر لا يُرى. قرب باب النساء توقفت ابنة خالتها منى وفي يدها كوب شاي ترك دائرة باردة على الصينية من طول الانتظار، ثم أشاحت بعينيها سريعا كأنها لا تريد أن تُحسب عليها مواساة علنية.

انهالت النداءات بعد دقيقتين. سيارة ضيف من الوزارة وصلت قبل السيارة المرافقة. السائق الجديد وقف في المسار الخطأ. عامل القهوة قدم الفناجين إلى الجهة الثانية. وابن عم فارس، خالد، خرج من الداخل وهو يراجع هاتفه ويقول بانزعاج: "وين الاستقبال؟ ليش السيارة واقفة تحت الشمس؟" فارس رفع يده كمن يملك المشهد، لكن يده كانت فارغة إلا من التوجيهات. لم يعرف أن الوزير المساعد لا يدخل من الممر الأوسط لأن خلفه مباشرة ضيوف العائلة الكبار، ولم يعرف أن وفد الشركة الأجنبية تأخر عشر دقائق وأن الفاصل الزمني الذي بنى عليه هيبته انتهى.

سلمى بقيت على طرف الرصيف، لا في الداخل ولا في الواجهة، مكان مهين بما يكفي ليُقرأ، وقريب بما يكفي لترى الكارثة وهي تتشكل. سائق الشركة لمحها من بعيد وهز الملف الأزرق بقلق. هي التي رتبت له خط التوقف صباحا. هي التي أرسلت له رقم البوابة. لكن فارس كان قد منع حتى المذياع الصغير الذي تنادي منه على الأسماء. الآن صار ينادي بنفسه، ويخلط بين لقبين، ويقدم ابن عم متأخر على رجل جاء باسمه مجلس العائلة كله.

خرجت أم ناصر خطوتين إلى الساحة، والحر يضرب الرخام الأبيض بردة ضوء مؤذية. قالت لفارس بصوت منخفض لم ينخفض بما يكفي: "انتبه للوجه يا ولدي. الناس تشوف." زادته الجملة توترا بدل أن تعقله. فردّ بسرعة فيها استعراض أكثر من طاعة: "أبشري، تحت السيطرة." وفي اللحظة نفسها توقفت سيارتان معا، واحدة لضيف من قطاع الطاقة، والثانية للشيخ عبدالمحسن الذي لا ينتظر عند الباب أبدا.

التفت فارس يمينا ويسارا. أشار إلى الشاب الخطأ. فتح الباب الخطأ. وتقدم بالقهوة إلى غير من يجب أن يُسلَّم عليه أولا. رأى خالد ذلك من عند العتبة فخفض هاتفه لأول مرة. كانت الفوضى الآن مادية، لا تصلح معها لغة الثقة: أبواب تُفتح في غير وقتها، سائق يترجل ثم يعود، موظف ضيافة يبدل الصينية بارتباك، ونظرات كبار السن تتنقل بين الرصيف وفارس كأنهم يشاهدون خطأ كتابة في صدر دعوة.

تحركت سلمى أخيرا خطوة إلى الأمام. لم ترفع صوتها، فقط قالت الجملة التي ارتدت عليه كصفعة مصقولة: "باسم من تمنعني من خط الاستقبال يا فارس؟" سمعها خالد، وسمعتها أم ناصر، وسمعها السائق الذي ظل ممسكا بباب السيارة نصف المفتوح. السؤال كان قصيرا جدا بحيث لا يمكن دفنه في كلام كثير، ومحددا جدا بحيث لا يملك فارس مهربا لائقا.

فتح فمه وأغلقه. لو قال: "باسمي" صار متجاوزا. ولو قال: "باسم العم ناصر" احتاج شاهدا لم يملكه. ولو قال إنها مجرد ترتيبات، فالفوضى أمامه تكذبه. حاول أن يبتسم وقال: "أنا المسؤول هنا." فالتقطت الجواب قبل أن يستقر: "المسؤول يملك القائمة، جهاز النداء، ومفاتيح خط الوصول. أين هي معك؟"

هذه المرة لم يتدخل أحد لإنقاذه. خالد نظر إلى يدي فارس الخاليتين ثم إلى الملف الممسوك تحت ذراع سلمى، إلى اللوحات، إلى الخريطة المطبوعة المطوية مرات كثيرة حتى ابيضت حوافها. تغير شيء في الوقوف نفسه؛ الشابان اللذان كانا خلف فارس ابتعدا نصف خطوة. سائق الشركة اتجه إليها بلا استئذان ومد لها الملف الأزرق. كان ذلك الشرخ الأول الذي يُرى: لم تعد هي المطرودة وحدها، بل صار الوقوف خلف فارس مخاطرة.

أخذت الملف والجهاز من السائق كأنهما عادا إلى مكانهما الطبيعي. قالت لخالد، لا لفارس: "السيارة السوداء للمجلس الجانبي الآن، والشيخ عبدالمحسن من المسار الأيسر تحت المظلة. افتحوا البابين معًا لكن لا تقدموا القهوة قبل السلام." ثم أشارت إلى عاملين: "أنت عند العتبة، وأنت مع السائقين. لا أحد يوقف سيارة في منتصف الخط." كانت أوامرها قصيرة، عملية، لا تحتاج إلى شرح، ولهذا أطاعها الناس بسرعة مذهلة كأنهم كانوا ينتظرون لغة مفهومة فقط.

استقام خط الوصول في أقل من دقيقة. السيارة التي كانت محشورة تحركت إلى الظل. باب المجلس انفتح في توقيته الصحيح. القهوة عادت إلى اليد المناسبة. حتى أم ناصر، التي كانت قبل قليل تشهد الإهانة، انسحبت خطوة إلى الداخل بعدما رأت الضيف الكبير يُستقبل كما ينبغي من غير تعثر. فارس حاول أن يسترد موقعه فاقترب من مقدمة الرصيف وقال بحدة: "أنا قلت—" لكنها لم تلتفت إليه. نادت باسم الضيف التالي من الجهاز، فغرق صوته في اسم واضح يعرفه الجميع.

جاءه الضرر علنا وعلى دفعات. أولها أن الموظفين صاروا يأخذون منها الإشارة لا منه. ثانيها أن خطأه السابق بقي معلقا في الهواء؛ الشيخ عبدالمحسن لمح فارس وهو يحاول التقدم بعد فوات اللحظة، فتجاوزه بعين لا تحمل شيئا. ثالثها أن خالد نفسه وقف عند طرف السجادة الصغيرة يسأل سلمى: "التالي من أي جهة؟" لم تكن الإجابة مجرد جواب؛ كانت تثبيتا علنيا لمن يوجه الوقوف.

اشتدت الحركة قبيل الأذان. سيارات تتتابع، وضيوف يدخلون، وعباءات سوداء تمر من خلف الستارة إلى القسم النسائي، ورجال من العائلة يتبادلون المواقع بحسب من يصل أولا. في قلب هذا الازدحام حاول فارس آخر محاولة حماية لسلطته المستعارة. مد يده إلى الجهاز في يدها وقال بين أسنانه: "أعطيني. إذا جاء عمي ناصر وشافك هنا..." لم ترفع يدها بعيدًا عنه، بل قالت بحيث يسمع خالد والواقفان قرب الباب: "إذا جاء، نسأله قدام الناس."

توقف فارس. كانت هذه هي الهوة التي لا يستطيع عبورها. قبل أن يرد، دخلت إلى الرصيف سيارة مرسيدس داكنة يعرفها الجميع من أول اللمعة على الزجاج. اعتدل الوقوف دفعة واحدة. انفتح باب السائق. خرج العم ناصر بوجه السفر، بثوبه المكوي الذي بقي حاد الطية رغم الطريق، وخلفه رجلان من كبار الضيوف. كان وصوله في هذه اللحظة بالذات كأنه امتحان أخير للمكان كله: من يستقبله؟ ومن يملك أن يوجه من بعده؟

تحرك فارس بسرعة غريزية نحو مقدمة السجادة، يبتسم تلك الابتسامة التي يلبسها عند حضور صاحب البيت. وفي اللحظة نفسها كانت سلمى قد أعطت تعليمين خاطفين: "القهوة بعد السلام مباشرة. افتحوا المجلس الكبير." ثم تقدمت إلى خط الاستقبال لأن الخط صار مفتوحا بعملها لا بإذنه. التقت العيون في نقطة واحدة، عند المسافة بين العم ناصر والرجلين المرافقين له وبين فارس وسلمى.

قال فارس بصوت حاول أن يجعله واثقا: "حياك الله يا عمي، الأمور—"

لكن العم ناصر لم ينظر إليه أولا. نظر إلى الرصيف، إلى ترتيب السيارات، إلى الأبواب المفتوحة في وقتها، إلى الضيف الذي دخل قبل دقيقة من غير تعثر، ثم وقعت عينه على الجهاز في يد سلمى والملف تحت ذراعها ولوحة الاسم المعلقة معها. كانت القراءة كلها في لحظة واحدة. سأل وهو ما يزال واقفا عند حافة السجادة: "من الذي ماسك الوصول الآن؟"

الجواب كان يمكن أن يُدفن لو تكلم أكثر من شخص. فارس فتح فمه. خالد تحرك. لكن سلمى لم تستعجل الكلام، ولم تمنح أحدا فرصة يختبئ خلف الضجيج. رفعت الجهاز قليلا وقالت: "أنا."

هنا حاول فارس آخر التفاف يائس. قال بسرعة: "أنا كنت فقط—"

قطع العم ناصر كلامه بيده، ثم وجه صوته إلى الحاضرين جميعا لا إليه وحده: "من هذه اللحظة، سلمى هي التي تستقبل وتدخل وتوجّه خط الوصول. أي سيارة، أي ضيف، أي ترتيب عند البوابة يرجع لها. واللي عنده كلام، يكون معها بعدين، مو هنا."

سقطت الجملة على المكان كإقفال باب في وجه شخص اندفع إليه متأخرا. الضرر كان مرئيا في وجه فارس نفسه؛ يده بقيت معلقة نصف رفعة ثم هبطت، والابتسامة التي جاء بها انكسرت قبل أن تصل. لم يعد يملك حتى الواجهة التي وقف عندها. خالد، الذي كان قبل دقائق يسألها خفية، التفت مباشرة إليها وقال: "تفضلي." عامل القهوة بدّل اتجاهه في الحال. السائقون اصطفوا على إشارة يدها. وحتى الرجلان المرافقان للعم ناصر توقفا عندها هي لتحدد من يدخل أولا.

لم تضف كلمة شكر، ولم تمنح فارس مهرب المصافحة أو التخفيف. أشارت إلى موضعه الجديد بلا قسوة زائدة وبلا رحمة أيضا: "فارس، قف عند المسار الثاني ونظّم خروج السيارات الفارغة. لا توقف أحدًا عند البوابة." كان الأمر عمليا، لكنه نزع عنه كل ما استعرضه قبل ساعة. من واجهة الاستقبال إلى طرف الخدمة، أمام العيون نفسها التي شهدت إبعاده لها أولاً.

حاول أن يقول شيئا، ربما اعتراضا، ربما تبريرا، لكن سيارة ثالثة وصلت، ورفع العم ناصر صوته مرة أخرى وهو يدخل: "يا سلمى، استقبلي المهندس سامر بنفسك." هذه المرة لم يبقَ في المسألة مجال لسوء الفهم. الاسم خرج على الملأ، والتكليف خرج معه، والمكان كله أعاد ترتيب نفسه على هذا الأساس. تقدمت هي إلى مقدمة السجادة، فتحت المسافة اللائقة، حيّت الضيف، وأدخلته من الباب الصحيح بينما فارس يتراجع إلى المسار الثاني يزيح سيارة متأخرة بيده.

استمر التدفق بعدها بسلاسة قاسية على من أخطأ. كل شيء يثبت الحكم كل دقيقة: من يقف عند الظل، من تُفتح له الأبواب، من يُسأل، من يُتجاوز. ومع آخر دفعة قبل الأذان، كان باب القاعة ما يزال مفتوحا والرصيف قد خف ازدحامه. مرت سلمى بجوار الجدار حيث علقت الإعلانات الصغيرة وأسماء المسؤولين عن الأقسام، وأخرجت لوحة اسمها التي كانت قد أنقذتها من يد فارس في البداية.

رفعتها بيد ثابتة، ثبتتها في مسمار اللوحة على الجدار المجاور للمدخل المفتوح، فوق سطر واضح: "سلمى العتيبي — تنسيق الوصول". ضغطت الطرفين حتى استقرت، ثم عدلت ميلها بأصبعين. بقي الباب خلفها مفتوحا على ضوء القاعة، وبقي اسمها مقروءا على الجدار، حروفه لا تتحرك.