Fast Fiction

أغلقوه ودخلت

سحبت سلمى صينية القهوة من يد العاملة قبل أن تنزلق على طرف الطاولة، فاهتزت الفناجين واندلق خط بني على مفرش المجلس، وقالت هناء بحدة خافتة أمام الضيفات: «اتركيها، مو شغلك. لا تكبرين نفسك».

كانت سلمى قد خرجت لتوها من دوام طويل في مكتب تابع لشركة من شركات قطاع الطاقة، وكمّ قميصها ما زال محتفظًا بثنية قاسية عند المرفق، والمفاتيح في حقيبتها ترن من تأخير يوم كامل. جاءت إلى بيت أم راشد بدعوة مبهمة: تعالي بدري، بنحتاج يدك. ولما وصلت وجدت النساء ممتدات على الأرائك، والتمر مرتبًا، والشاي يُصب، واسمها غير موجود إلا في الأعمال التي تُلتقط من الهواء ثم تُنكر.

انحنت من غير رد، سحبت المفرش المبتل من جهته النظيفة قبل أن يتسع الأثر، وأدارت الصينية إلى الداخل، ثم قالت للعاملة: «هاتِ الثاني من المطبخ». الحركة نفسها أنقذت الجلسة من بقعة فوضى في منتصف استقبال مرتب، لكن هناء رفعت ذقنها وقالت للضيفات وهي تبتسم ابتسامة ضيقة: «البنات الحين يحبون يتدخلون بكل شيء. خلي عندك حدود يا سلمى».

الحدود. الكلمة نفسها كانت تُقال لها كل مرة بشكل مختلف. العائلة والأصدقاء يعرفون أنها قريبة من بيت راشد، يعرفون أنه أوصلها أكثر من مرة من الجامعة إلى التدريب ثم إلى العمل حين تعبت سيارتها القديمة، ويعرفون أيضًا أن هذا النوع من المعرفة لا يكفي ليفتح بابًا، لكنه يكفي ليجعل كل خطوة محسوبة عليها.

دخل راشد من الممر الجانبي وهو يحمل صندوق ماء صغيرًا، نظر إلى المفرش الذي اختفى وإلى هناء التي ما زالت ممسكة بدور المضيفة كأنها صدت كارثة، ثم قال ببساطة: «سلمى، تعالي شوي». لم يرفع صوته، لكنه لم يطلب من غيرها. كان هذا أول خرق صغير في ترتيب الإبعاد.

تبعته إلى حافة المطبخ، حيث ضاق سطح الرخامة بأكياس سكر وملاعق وعلبة مناديل وقلم عليه أثر حبر قديم قرب الفاتورة. قال وهو يفتح الثلاجة: «أمي نسيت الدواء بعد العشاء. حطيه في كوب الماء هذا وخليه عند مقعدها، ولا تعطينه أحد». ثم، بعد لحظة قصيرة سمعا فيها ضحكة هناء من المجلس: «وإذا خلصت الجلسة، خذي الصينية الصغيرة للملحق الداخلي. هناك أهدأ».

لم تكن دعوة للجلوس، لكنها كانت طريق عودة. شيء أضيق من كرم، وأصدق من مجاملة. أخذت الكوب، ومرّت من خلف الستارة بخطوة ثابتة. لم ترفع أم راشد رأسها حين وضعت الماء والدواء قرب يدها، لكنها لم تبعده أيضًا. وبعد نصف ساعة، حين بدأت الضيفات يتهيأن للانصراف، أشار راشد من آخر الممر إلى الصينية الصغيرة فعلًا، فحملتها إلى الملحق الداخلي، ذلك المجلس الجانبي الذي لا يدخل إليه كل عابر.

هناك فقط سمحت لكتفيها أن يهبطا قليلًا. الجو في الرياض كان ما يزال ساخنًا رغم الليل، لكن الملحق أبرد، وصوت المكيف أخف من المجاملة الثقيلة في الخارج. لحقت بها أم راشد بعد خروج آخر الضيفات، وجلست بحذر وقالت من غير مقدمات: «هناء لسانها سابقها. لا توقفين عندها». ثم شربت ماءها، والتفتت إلى سلمى: «بكرة بعد الجامعة تقدرين تمرين معي للمستشفى؟ موعد عين، وراشد عنده اجتماع».

قالتها كأنها تسأل عن وقت، لكنها في الحقيقة فتحت لها مكانًا داخل الروتين. رفعت سلمى رأسها سريعًا، ثم تداركت فرحتها الصغيرة وقالت: «أمرّ عليكِ».

في اليوم التالي جلست في سيارة أم راشد الأمامية، لا في المقعد الخلفي. قادت بها إلى المستشفى الخاص في شمال الرياض، وانتظرت معها بين رائحة المعقمات وضوء الممرات الأبيض. وحين نادى الموظف على الاسم الخطأ، كانت سلمى هي من نهضت أولًا وصححت الاسم بهدوء، ثم أمسكت الملف قبل أن يضيع بين أيدي المراجعين. بعد الفحص، خرجتا إلى الممر الطويل، وأم راشد تسير أبطأ من المعتاد. رن هاتفها، ونظرت إلى الشاشة ثم ناولته سلمى من غير سؤال بعد أن سقط في حجرها. كان راشد يسأل: «خلصتم؟» فردت أم راشد: «إي، وسلمى معي».

مرة ثانية، لم تكن جملة كبيرة، لكنها حملتها إلى الداخل.

تكرر الأمر سريعًا. بعد يومين طلب منها راشد أن تمر على المكتب الفرعي لتسلّم مغلفًا يخص والدته لأن السائق تأخر، ثم فتح لها البوابة بنفسه لما وصلت. موظفة الاستقبال نظرت إلى سلمى نظرة تعرفها: من الخارج، زائدة قليلًا، مؤقتة دائمًا. لكن راشد خرج من المصعد وقال: «خلوها تطلع». أخذها إلى الطابق الذي لا تصعد إليه عادة، وأعطاها المغلف ومعه علبة دواء أخرى، ثم قال: «مرّي البيت أول. أمي تنتظرك قبل المغرب».

في كل مرة كانت هناء ترى هذه الانعطافات الصغيرة وتضيق أكثر. لم تكن صاحبة سلطة كاملة، لكنها كانت قريبة من أم راشد، ابنة أختها تقريبًا، تتحرك في البيت بصفة من يحق له ترتيب الداخل. كانت تعرف كيف تُلبس الإقصاء ثوب الذوق. إذا وصلت سلمى، قالت: «خليها تستريح برا إلى أن نخلص». وإذا جلست في طرف المجلس، قالت للعاملة: «نحتاج الكرسي هذا». وإذا حملت شيئًا، قالت: «لا تتعودين». دائمًا بابتسامة تكفي لحفظ الوجه، وتكفي أيضًا لجرح من لا يملك الاعتراض.

الانقلاب جاء في المستشفى، لا في البيت. كانت أم راشد قد تعبت فجأة بعد صلاة المغرب، وانخفض نفسها، فنقلها راشد على عجل. وصلوا إلى ممر الطوارئ، وامتد القلق مثل سلك مكشوف. النساء من العائلة بدأن يتوافدن، وهناء في الوسط توزع التعليمات كأن الأزمة ملك لها. قالت لسلمى عند باب الممر: «خلاص، أنتِ روحي. الحين أهلها موجودين».

لم تتحرك سلمى. كانت قد لحقت معهم بلا عباءة احتياط ولا طعام ولا شاحن، فقط حقيبتها التي في جيبها الجانبي قلم قديم ومفتاح رجع متأخرًا أكثر من مرة. رأت راشد يتكلم مع موظف الاستقبال بوجه مشدود، ثم يلتفت إلى الداخل حين خرجت ممرضة تسأل بسرعة عن حساسية دوائية سابقة. التفتت النساء إلى بعضهن. هناء رفعت كتفيها. «ما ندري».

سلمى كانت تعرف. هي من رتبت أدوية أم راشد في العلبة الأسبوعية، وهي من علّمت العاملة أي لون يُؤخذ صباحًا وأي لون ليلًا. تقدمت خطوة وقالت للممرضة: اسم الدواء الذي سبب الطفح قبل شهرين، واسم البديل، واسم الطبيب الذي غيّره. لم تلتفت إلى هناء. الممرضة التقطت الكلام وركضت للداخل. وفي اللحظة نفسها بدأ صوت امرأة من قريباتهم يعلو في الممر: «كيف ما تعرفون؟»

كان الموقف كافيًا ليقلب القراءة كلها. ليس لأن أحدًا اعتذر، بل لأن الفضيحة كانت على وشك أن تقع أمام طاقم كامل، وسلمى وحدها غطتها بيد ثابتة. راشد رجع من عند الاستقبال، ونظر إليها نظرة قصيرة، مباشرة، بلا شكر معروض. ثم مد لها بطاقة المواقف وقال: «السيارة فيها شنطة أمي السودا. جيبيها. المفتاح معي، خذي سيارتي».

جملة واحدة دفعتها من طرف الممر إلى قلب الحركة. نزلت إلى المواقف الحارة التي تحتفظ بأنفاس النهار، فتحت سيارة راشد، وأحضرت الشنطة والعباءة الاحتياطية ونظارة القراءة والهاتف الآخر. لما عادت، لم يسألها أحد لماذا رجعت. صار واضحًا من يستطيع أن يقف هنا بلا ارتباك.

هذا الوضوح هو ما جعل هناء أكثر شراسة. بعد ساعة، خرج الطبيب مطمئنًا جزئيًا، وبدأ الضغط يهبط عن الوجوه. قالت هناء بصوت لا يكفي لأن يسمعه الجميع لكن يكفي ليصل: «تمام. الحين خلاص، خليها تنتظر في الكافيه تحت. ما يصلح تقعد عند غرف التنويم. الناس تمر».

كانت تحاول ردّ سلمى إلى الخارج بمجرد انتهاء الحاجة الحادة، كأن كل ما قدمته استعمال مؤقت. سمعتها سلمى جيدًا. وسمعها راشد أيضًا. كان واقفًا عند زاوية الممر، ربطة عنقه مفكوكة قليلًا، وعلى كتفه ثقل يوم لم ينته. تقدم قبل أن تجيب سلمى، وأعطاها هاتف والدته وقال: «خليه معك. لو اتصل أحد من الحريم ردي». ثم التفت إلى هناء دون أن يرفع صوته: «هي تبقى هنا».

هي تبقى هنا. ليست إعلانًا، لكنها غطاء ظاهر. كفت لأن تسكت هناء لدقائق، ثم عادت من باب آخر. حين تقرر نقل أم راشد إلى الجناح في الطابق السادس، صارت مسألة الدخول أكثر حساسية؛ مرافق واحد، وباب مراقب، وأسماء محددة. هنا وجدت هناء فرصتها الأخيرة. وقفت عند المصعد وقالت لسلمى، هذه المرة بوضوح كامل: «وصلتي لحدك. فوق ما لك مكان. إذا احتاجوك ندق عليكِ».

كان التعب قد وصل إلى عظام سلمى. حذاؤها يضغط على كعبها، وظهرها مشدود من الوقوف، والمكيف البارد في الممر لا يلغي لسعة الحر التي خرجت منها قبل ساعات. نظرت إلى راشد، لا برجاء، بل كمن يقيس إن كان سيترك الكلمة تسقط عليها مرة أخرى. هو أيضًا كان محشورًا بين عينات الدم، وتواقيع الدخول، ونظرات الأقارب الذين يزنون كل حركة. لو قال جملة زائدة لانقلب الأمر إلى نقاش عائلي طويل عند باب المستشفى.

قال فقط: «سلمى، معي».

تحركت هناء نصف خطوة تعترض، فسبقها إلى مكتب التمريض، طلب بطاقة المرافقة الإضافية على مسؤوليته، وحين ترددت الموظفة قال اسم والدته ورقم ملفها وأخرج بطاقة هويته بسرعة من محفظته. وقفت سلمى مكانها، تسمع نبضها ولا تتحرك. ما زالت المسافة بين الكلمة والباب واسعة، ويمكن أن تُغلق في أي لحظة.

استلم البطاقة، عاد إليها، ووضعها في يدها. لم يشرح، ولم يلتفت ليبرر لأحد. ثم أخذ من جيبه مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بحلقة جلدية باهتة، المفتاح الاحتياطي لشقته القريبة من المستشفى، ذلك الذي كان يعيده دائمًا متأخرًا بعد أن يوصل والدته أو يجلب شيئًا سريعًا. وضعه فوق البطاقة نفسها وقال بنبرة منخفضة لا تخص أحدًا سواها: «إذا نزلتِ ترتاحين أو تبدلين، الشقة مفتوحة. لا توقفين برّا ولا تنتظرين أحد يفتح لك. افهمتي؟»

في تلك الثانية حاولت هناء أن تضحك ضحكة تكسر اللحظة، لكن أحدًا لم يتبعها. ليس لأن أحدًا انحاز علنًا، بل لأن الحركة نفسها صارت أكبر من المجاملة: بطاقة دخول، ومفتاح، ومسار واضح لا يمر عبر إذنها. شيء في وجهها انكمش، وانصرفت إلى هاتفها كمن يبحث عن ستار.

رفعت سلمى نظرها إلى راشد. كانت تعرف أن قبولها الآن هو الحد الفاصل؛ لو تراجعت حفظت كرامة خائفة وخسرت الطريق، ولو أخذت ما عُرض عليها صارت داخلةً لا منتظرة. قبضت البطاقة والمفتاح في كف واحدة وقالت بهدوء: «فاهمة».

صعدت معه إلى الطابق السادس. عند باب الجناح الخاص، حاولت إحدى القريبات أن تقول: «يمكن الأفضل نخلي—» لكنها رأت البطاقة في يد سلمى فسكتت قبل أن تكمل. مرّت سلمى من جهاز الدخول، والضوء الأخضر اشتعل لحظة قصيرة، ففتحت هي الباب هذه المرة، لا له وحده بل لنفسها أيضًا. دخلت أولًا بخطوة محسوبة، ثم وقفت جانب السرير تعدل عباءة أم راشد عن طرف الجهاز، وتضع الهاتف قرب الوسادة، وتخفض الضوء. لما فرغت من الحركة التفتت، فوجدت راشد على مسافة قريبة جدًا، كأنه أخيرًا خرج من وضعية الصمود أمام الناس.

لم يقل شكرًا. مد يده فقط وأخذ منها الشنطة، ثم حين ارتعشت أصابعها من التعب أمسك معصمها لحظة واحدة، ثابتة، دافئة، لا تكفي لفضح شيء ولا تسمح أيضًا بإنكاره. قالت وهي تنظر إلى أم راشد النائمة: «أنا بنزل عشر دقائق وأرجع». هز رأسه. «روحي الشقة. غيري وخذي نفس. المفتاح معك».

هذه المرة لم يكن في كلامه استعارة ولا مجاملة عابرة. خرجت من الجناح، نزلت بالمصعد وحدها، ثم عبرت الممر الخارجي إلى موقف السيارات حيث الهواء الحار يصفع الوجه حتى ليلًا. شقة راشد كانت في عمارة قريبة يستخدمها قرب العمل والمستشفى، تعرف مدخلها فقط من مرات قليلة وقفت فيها عند الباب ثم أعادت المفتاح بسرعة. الآن لم تنتظر اتصالًا، ولم تقف على العتبة. أدخلت المفتاح بنفسها، ودار في القفل من أول مرة.

في الداخل كان المكان مرتبًا على اقتصاد رجل يعيش بين المكتب والبيت الكبير: رائحة قهوة خفيفة، سجادة صلاة مطوية على طرف الكرسي، وحافة رف عند المدخل مزدحمة بمطهر يد ومحفظة وإيصالات. أغلقت الباب خلفها، وأسندت جبهتها عليه لحظة، ثم نزعت حذاءها ومشت إلى المغسلة وغسلت وجهها. لم تبكِ. التعب كان أغلظ من الدموع.

بدلت عباءتها، شربت ماءً باردًا واقفة، ثم رجعت إلى المدخل. المفتاح ما زال في يدها. بقيت ثانية تنظر إليه، إلى أثر الخدش القديم قرب الحلقة الجلدية، ثم وضعته في الرف الصغير بجانب الباب، في خانة فارغة بين المحفظة والمعقم، كأنه يعرف مكانه منذ زمن. وأغلقت عليه المشهد وهي تعود خارجة مسرعة إلى المستشفى، تاركة المفتاح هناك ينتظر استعماله التالي.