Fast Fiction

جاء متأخراً ليختارني

رفعت نورة صينية الشاي من طرف الرخام المزدحم بالملاعق وعلبة الهيل، ونادت من عند الستارة: "ريم، خذي هذي للمجلس... سامي وصل."

تجمدت يد ريم على بطاقة دوامها المعلّقة بحبل مهترئ على كتف عباءتها. كانت قد دخلت قبل عشر دقائق فقط من زحمة طريق الملك فهد، وما زالت حرارة السيارة في وجهها، والشاي الذي صبّته لها أم نورة ترك حلقة باهتة على الصحن من طول ما برد وهي واقفة تساعد في ترتيب الصحون. الليلة لم تكن ليلة مفاجآت؛ مجرد زيارة عائلية بسيطة بعد المغرب، في بيت يعرف الجميع فيه أن ريم كانت يومًا قريبة من سامي، وأن تلك القربى توقفت عند الكلام الطويل والخطوة الناقصة. لكن نورة قالت الاسم كأنها ترمي حجرًا في صحن ساكن.

قالت ريم بهدوء جاف: "أنا عند الحوش، دخليه." ردت أم نورة من الداخل قبل أن تكمل الجملة: "لا يا بنتي، خذي الشاي. الرجال دخلوا عند أبو نورة، وأخته معنا. ما يصلح تبين كأنك تهربين."

لم يكن فيها ما ترد به. أخذت الصينية، وتحركت عبر الممر القصير الذي يفصل المجلس الجانبي عن الصالة. عند الباب الداخلي، لمحت سامي واقفًا بغير استقرار، يسلّم على أبو نورة ويشرح تأخره بابتسامة متعبة. كان أطول قليلًا مما تتذكر، وربطة شماغه مرتخية، وفي يده مفتاح سيارة وسلسلة صغيرة يضغطها بين أصابعه. رفع عينه إليها فورًا، كأن مجيئه اكتمل الآن فقط.

قال باسمها بلا لقب، وببساطة قديمة لا حق لها هنا: "ريم."

لم تجبه. دخلت، وضعت الصينية على الطاولة المنخفضة، وبدأت توزع الفناجين. سامي مدّ يده أولًا نحو الفنجان قبل أن يلتفت لأبو نورة، كأن المجلس ما زال يحمل له حق المبادرة. لكن أم نورة سبقت المشهد كله من خلفه. قالت لنورة، بصوت مسموع يكفي ولا يفضح: "الفنجان الأول لخالد يا بنتي، هو طالع الدرجات يتوضأ وجاي."

التفت سامي. التفتت ريم أيضًا، رغم أنها كانت تعرف. دخل خالد من الممر الخارجي وهو يمسح يديه، قميصه فاتح وبطاقته التعريفية من شركة في قطاع الطاقة ما زالت في جيبه العلوي، يعتذر عن التأخير لأنه كان عند والدته ثم مرّ يجلب تمرًا طلبته أم نورة. لم يرفع صوته، ولم يزاحم أحدًا، فقط أخذ مكانه حيث أشارت له أم نورة بجانب أبو نورة، قبل أن تشير بيد أخرى إلى المقعد الأقرب للطاولة: "ريم، اجلسي هنا يا بنتي."

كان المقعد الذي عرف سامي لسنوات أن يتركه خاليًا لها إذا جاء. الآن جلست فيه لأن أم نورة أرادت ذلك، لا لأنه أراد. هذا وحده كان كافيًا ليشدّ وجهه شدّة خفيفة. أما خالد فمال قليلًا نحو ريم وسألها إن كانت رجعت من العمل مباشرة. سؤال عادي، لكن نبرته كانت من داخل البيت لا من عتبته. أجابت: "إيه، من الموقع على طول." هز رأسه وقال: "واضح من البطاقة، نسيتِ تفكينها." ومد يده بوقار قصير، لا يلمس، يشير فقط. نزعت ريم البطاقة وأخفتها في جيب عباءتها.

جلست أخت سامي قرب الستارة، تراقب بعين خبيرة ترتيب المقاعد وصبّ الشاي. حاولت أن تخفف فقالت: "والله الرياض هالأيام ما ترحم، الواحد يتأخر غصب." قال سامي، ناظرًا إلى ريم أكثر مما ينظر إلى الجمع: "بعض التأخير مو بيدي." قال أبو نورة وهو يلتقط التمرة قبل الفنجان: "وفيه تأخير يكون بيد الواحد من أول يوم ويحسب العمر طويل."

الجملة نزلت في المجلس نزول الشيء المقصود ثم المتروك بلا شرح. لم يدافع سامي. فقط ابتسم ابتسامة ضيقة، ثم التفت إلى ريم كأن بينهما حديثًا مؤجلًا أقدم من الكبار الموجودين. "أقدر أكلمك دقيقتين بعدين؟"

لم ترفع عينها. كانت تصب الشاي الثاني لخالد بعد أبيه، ثم الثالث لأخت سامي بحكم الضيافة. قالت أم نورة بدلًا عنها: "إذا خلصت القهوة والناس قامت، خير. الحين مجلس."

هذا كان أول خير يصل متأخرًا. ليس طلبه، بل رده عليه. لم ينتبه أحد للفظة الصغيرة إلا هو. في الماضي، كان يكفي أن يطلب لتقوم ريم معه إلى طرف الحوش أو إلى سيارة أهلها، ثم يعودان بعد دقائق بوجهين مشدودين وكلام ناقص. الليلة صار الطلب يحتاج إذنًا، والإذن لم يصدر منه.

انحنت نورة تهمس لريم وهي تضع صحن الحلوى: "هو جا مخصوص عشانك. قال لي في الواتساب إنه لازم يشوفك اليوم." قالت ريم دون أن تغيّر ملامحها: "متأخر." ابتلعت نورة بقية فضولها، لكنها ما استطاعت ألا تنظر إلى خالد ثم إلى سامي. المقارنة لم تحتج كلامًا. خالد لم يطالب بشيء، ومع ذلك كان له مكان واضح في المجلس، ومكان أوضح في نبرة أم نورة حين سألته إن كان عمه خرج من المستشفى. سامي، الذي دخل وفي ذهنه حق قديم، وجد نفسه ضيفًا تحت النظر.

حين قام الرجال إلى الصلاة، خفّ ضغط المجلس لحظة. تحركت أخت سامي باتجاه الصالة لتساعد أم نورة، وبقيت ريم تجمع الفناجين من الطاولة. كان واحد منها قد ترك طبقة رقيقة على سطح الشاي من طول الانتظار. مدّ سامي يده قبل أن ترفعه. قال منخفضًا: "بس دقيقة." أرادت أن تتجاوزه، لكنه فتح كفه على الطاولة. سقط فيها مفتاح صغير بحلقة جلدية بنية تعرفها فورًا قبل أن يلمع المعدن. مفتاح الشقة القديمة التي استأجرتها قرب الجامعة في آخر سنة لها، الشقة التي أعطته مفتاحها ذات مساء مطير وقالت له يومها، بأعلى ما بلغها من شجاعة: إذا كنت جادًا، تعال لأبي في نهاية الأسبوع. المفتاح لم يُرجع في وقته، ولا جاء هو في موعده. اختفى بعد ذلك كل شيء في سلسلة اعتذارات أنيقة، ثم خطبة عمل في دبي، ثم صمت.

بقي المفتاح في كفه كشيء قذر تأخر صاحبه عن الاعتراف به. قال: "لقيته في درج مكتبي يوم رجعت من دبي. ما كان ضايع. أنا اللي... خليته عندي." رفعت ريم رأسها إليه أخيرًا. كان هذا أقسى من أي اعتذار طويل؛ ليس سوء فهم، ولا رسالة ضاعت، ولا ظرف عائلي قاهر. فرصة عبرت العتبة بنفسها، وهو وضعها في درج وأغلق عليها. قالت بصوت منخفض كيلا يخرج إلى الصالة: "أنت ما ضيعت مفتاح، يا سامي. أنت أخّرت جواب." هزّ المفتاح قليلًا كأن المعدن يثقل أصابعه. "كنت وقتها داخل على نقلة كبيرة، شغل، سفر، وأهلي... تعرفين. قلت أرتب أموري وأرجع لها صح." نظرت إلى الحلقة الجلدية المتشققة. "ورجعت بعد كم سنة؟"

دخل خالد من الممر بعد الصلاة، فتوقفت الجملة في الهواء ولم تسقط. رأى المفتاح في يد سامي، ورأى وجه ريم، ولم يسأل. فقط انحنى وأخذ الفناجين الفارغة من يدها وقال بهدوء: "خلّيها، أنا أوديها للمطبخ." ثم التفت إلى سامي تحية مختصرة، لا أكثر، كأنه يعترف بوجوده ولا يمنحه تعريفًا زائدًا. وفي هذا الهدوء شيء أقسى من الخصومة؛ لأن البيت فهم موقع ريم فيه قبل أن يطالب أحد بشرحه.

بعد العشاء الخفيف، ازدحمت الصالة بالأصوات وطلبات الشاي الثانية. أم نورة أرسلت ريم إلى الحوش الجانبي لتأخذ نسمة هواء وتجلب علبة من السيارة. خرجت وحدها عبر الممر المظلل، والمصباح الأصفر فوق الباب الخارجي يسكب ضوءًا على المقعد الحجري الصغير قرب الجدار. كان الليل في الرياض لا يبرد تمامًا، لكنه يهدأ بما يكفي لتسمع حفيف الشجر الصناعي واحتكاك الباب إذا انفتح. قبل أن تصل السيارة، سمعت خطاه خلفها.

قال من مسافة محفوظة: "ريم، لا تروحين قبل ما تسمعينني." وقفت عند ظل السيارة، لا تلتفت كاملًا. "سمعتك من سنين، وما تغير شيء." اقترب خطوة ثم توقف عند حدّ لا يتجاوزه. جيد أنه تعلم أخيرًا شيئًا من المسافات. قال: "تغير. أنا جيت الليلة عشان أصلح اللي فسد. كلمت أمي، وهي تعرف. وإذا المشكلة إني تأخرت، أنا مستعد أدخل من الباب هالمرة. رسمي. قدام الكل."

ضحكت ريم مرة واحدة، ضحكة قصيرة بلا فرح. "هالمرة؟" ثم التفتت إليه. "أنت تعرف وش معنى هالكلمة؟ معناها أنك كنت تقدر من قبل." شدّ على المفتاح حتى برز طرفه من بين أصابعه. "كنت جبان. هذا الصحيح. كنت أحسب إني أقدر أطلبك وقت ما أستقر، وكأنك محفوظة لي. غلطت." الاعتراف خرج أخيرًا، بسيطًا ومؤذيًا. للمرة الأولى منذ دخوله، بدا سامي بلا ستار ذوق أو شرح مرتب. لكنه جاء بعد أن امتلأ البيت بترتيب آخر. من داخل الصالة تسرب صوت أم نورة تنادي خالد ليساعدها في حمل صواني الفاكهة، ثم نادت ريم بعدها مباشرة، بنفس الألفة، كأن الاسمين يسيران في خط واحد.

نظر سامي نحو الباب ثم عاد إليها. فهم النداء. فهمه متأخرًا أيضًا. قال: "إذا فيه أحد غيري الآن، قوليها صريحة." قالت: "مو لازم أشرح لك ما كان لازم تتأخر عنه." ثم أضافت، وهي تشير إلى البيت لا إليه: "الناس هنا ما عادوا ينتظرونك تفهم."

في تلك اللحظة خرجت نورة نصف خطوة من باب الحوش، رأت الاثنين، وتراجعت فورًا وهي تقول إلى الداخل: "ريم تجيب العلبة." لم تفضح، ولم تنقذ. فقط ثبتت أن هذا الحديث صار على حافة عين تعرف وتنسحب. لم يعد سرًا بين شابين عند الجامعة. العائلة والأصدقاء يعرفون، لكنهم يعرفون أيضًا من حضر في الوقت الذي احتاجه البيت، ومن جاء حين صار حضوره عبئًا على الذاكرة.

مد سامي يده بالمفتاح نحوهما معًا؛ نحو الماضي والباب الحالي. "خذيه. وأعطيني فرصة ثانية. حتى لو ما سامحتيني الآن، خذيه." نظرت ريم إلى المفتاح ولم تمد يدها. "ما أبي شيء يفتح على تأخيرك." قال بسرعة مكتومة، كأنه يخشى أن تضيع منه اللحظة: "أنا ما جيت أسترجع ذكريات. جيت أطلبك صح." "لا." خرجت الكلمة هادئة حتى إنها جعلته يرمش فقط. حاول مرة أخيرة: "أنا أخطأت، وأعترف. وهذا بيت ناس يعرفونك ويعرفوني. خليني أدخل المرة هذي مثل الرجال." رفعت عينها إليه بثبات لم تحتجه من قبل إلا في مواقع العمل حين يرفض مقاول الالتزام بخطة السلامة. قالت: "الرجال ما يجي بعد سقوط الحق ويطلب أن يسمونه موقفًا. المفتاح هذا كان بابًا فتحته لك وأنا وحدي. أنت ما دخلت. واليوم تبي تدخله بعد ما صار للبيت ترتيب ما بنيته أنت."

اهتز فكه. "يعني انتهى؟" قالت: "انتهى من يوم خليته في درجك." ثم تحركت نحوه خطوة واحدة فقط، لا لتقترب، بل لتأخذ القرار من يده. أمسكت بالمفتاح من الحلقة الجلدية، فظن للحظة أنه كسب أقل شيء: أن تستلمه. لكن ريم التفتت مباشرة إلى الطاولة الحديدية الصغيرة قرب المقعد الحجري، الطاولة التي وضع عليها قبل دقائق فنجان شاي لم تشرب منه إلا رشفة، ووضعته هناك. أنزلت المفتاح بجوار الفنجان بوضوح، لا في يدها ولا في جيبه. صوت المعدن على الحديد كان صغيرًا، لكنه نهائي.

قالت من غير رفع صوت: "هذا مو لي. وإذا كنت جاي تختار، فأنت متأخر على حق الاختيار."

ومن غير أن تنتظر رده، أخذت علبة السيارة وأغلقت الباب، ثم مشت إلى داخل البيت تاركة المفتاح على الطاولة، بجانب فنجانها الذي برد، وعلى المقعد الحجري ظل مكانها فارغًا، فيما خفّ البخار الأخير ثم مات.