ظهرت المهارة الحقيقية
دفعت ليان السبيعي علبة الأسلاك في صدر مريم وقالت من طرف فمها، وهي تبتسم للجنة كأنها وُلدت على المنصة: "خليكِ هنا عند الجناح الجانبي، وإذا ناديتك جيبي الحقيبة." كانت الميكروفونات على بعد خطوات، والستارة السوداء لا تحجب إلا نصف القاعة، يكفي أن يرى الحضور من يتقدم أولًا ومن يُترك عند الحافة. على الطاولة الضيقة بجانب مريم علبة وجبة باردة لم تُفتح، وكوب قهوة ورقي مائل، وأقلام مبعثرة، وعلى غطاء الحقيبة أثر حبر قديم من يدها لا من يد ليان. هذا اليوم كان يفترض أن يحمل اسم الفريق كله، لكن ليان أخذت ترتيب التحية، وأخذت المساحة، وأخذت الصوت.
في الصف الأول جلس الأستاذ ناصر بين رعاة من قطاع الطاقة، بوجهه الذي يعرفه نصف الحاضرين ونصف العائلات في الرياض. كان والد ليان قد صافحه قبل قليل بحرارة زائدة، والابتسامات التي تبادلوها قالت ما لا يحتاج إلى تقديم: العائلة والأصدقاء يعرفون، والاسم اللامع يفتح الأبواب قبل أن يبدأ العرض. سارة، المنسقة، مدت بطاقة الدخول الذهبية إلى ليان وحدها وقالت لمريم من دون أن تنظر إليها: "أنتِ مع الدعم الفني فقط، لو سمحتِ لا تطلعين قدام إلا إذا طلبوا."
لم ترفع مريم رأسها. فقط أخذت الحقيبة من الأرض ووضعتها بحيث لا تلتوي الوصلة الداخلية. كانت كتفاها مثقلتين من يوم طويل، وتجعد كم عباءتها عند المرفق من كثرة الحمل والانتظار، لكنها لم تقل كلمة. من الجهة الأخرى، كانت ليان تشرح لرئيس لجنة التحكيم بثقة ناعمة: "حلّنا يخفف هدر الطاقة في المواقع الصغيرة عبر وحدة تحكم ذكية سهلة التطبيق." قالت "حلّنا" كما لو أنها هي من صممت اللوحة، وهي من لحمت المجسّات تحت ضوء الورشة الحار، وهي من سهرت على تصحيح الكود حين تعطّل قبل الفجر.
أومأ رئيس اللجنة إلى طاولة العرض. "خمس دقائق فقط. بعد الأذان عندنا فاصل قصير، فنختصر." كان هذا أول crack صغير في الجدار الذي بنته ليان؛ الوقت ضيق، والاستعراض لا ينفع إذا خانته اليد. مدت ليان يدها إلى الحقيبة بلا التفاتة إلى مريم. "افتحيها." لم تتحرك مريم لحظة، ثم فتحت القفلين بحركة واحدة نظيفة، ورفعت الغطاء بحيث ظهرت الوحدة المعدنية، المجسّات، والبطارية الاحتياطية المرتبة كما رتبتها هي.
انحنت ليان أمام الطاولة، ضغطت زر التشغيل، فومضت الشاشة ثم انطفأت. تبدل لون وجه سارة أولًا. من داخل القاعة كان صوت المذيع يعلن الفريق السابق، والوقت صار يُسمع لا يُرى. همست ليان بحدة من بين أسنانها: "مريم، صلحيها بسرعة." قالتها وهي ما تزال واقفة في المنتصف، تترك لمريم الركوع عند الحافة كعاملة صيانة لا كصاحبة النظام. انحنت مريم، سحبت الوحدة نصف شبر، فبان سلك رفيع منزوع من مكانه عند طرف منفذ التغذية. لم تحتج إلى شرح. ثبتت الوصلة، بدلت الفيوز الصغير من جيب جانبي تعرفه وحدها، ثم ضغطت على زر جانبي مخفي تحت الحافة اليسرى. عادت الشاشة مضاءة، ومرّ منحنى الاستهلاك عليها مستقرًا.
قال أحد أعضاء اللجنة، وقد لاحظ سرعة اليدين: "من جهز المسار الاحتياطي؟" رفعت ليان ذقنها قبل أن يكتمل السؤال. "الفريق كله يشتغل مع بعض." لكن العبارة جاءت متأخرة؛ لأن رئيس اللجنة كان ينظر إلى أصابع مريم لا إلى ابتسامة ليان. كانت مريم قد أعادت البرغي الصغير إلى مكانه بظفرها، ثم أغلقت الغطاء الجزئي دون أن تخفي مسار التهوية. ملمس الحرفة ظهر للحظة على الطاولة، واضحًا مثل خدش في زجاج نظيف، والقاعة كلها ما زالت تظن أن الاسم الصحيح يقف في الوسط.
نادى المذيع اسمهم. تقدمت ليان فورًا إلى حافة المنصة الصغيرة الملاصقة للجناح الجانبي، أخذت جهاز العرض اللاسلكي من يد سارة، وبدأت: "نحن اليوم نقدم نموذجًا قابلًا للتوسع..." كانت كلماتها محفوظة بعناية، متوازنة، مصقولة. ومريم بقيت نصف خطوة خلف الستارة، قرب الحقيبة المفتوحة، ترى ضوء الشاشة ينعكس على المعدن الذي لحمته بنفسها. عرضت ليان الشرائح الأولى بسلاسة، ثم انتقلت إلى لحظة التجربة الحية، اللحظة التي تُثبت أن الكلام ليس زينة.
قالت للجنة: "سنقوم الآن بمعايرة المجسّ الأساسي ليرى النظام الفرق بين الحمل الحقيقي والضجيج الكهربائي." مدّت يدها نحو المقبض الأسود الدقيق أعلى الوحدة. هنا رفعت مريم بصرها لأول مرة كاملًا. المقبض ليس زرًا عاديًا؛ يحتاج ضغطًا مع تدوير ربع لفة إلى اليمين، ثم تثبيتًا عند سماع النقرة الثانية، وإلا انقلبت القراءة إلى فوضى. ليان ضغطت فقط. لم تدر. ظهر على الشاشة خط أحمر مرتجف، ثم قفزت الأرقام بجنون. حاولت أن تبتسم وتتابع الشرح، لكن النظام أطلق صفيرًا قصيرًا كصفعة مسموعة.
تجمدت يدها في الهواء. قالت بسرعة: "هذا جزء من المحاكاة—" فقاطعها رئيس اللجنة: "لا. أعيدي المعايرة الآن." قرب الباب، توقف مقدم القهوة وفي الصينية فناجين تهتز. سارة شدّت سلك الميكروفون بارتباك. ليان أمسكت المقبض مرة ثانية، هذه المرة أدارت نصف لفة خطأ، فظهر تنبيه حماية على الشاشة، وامتد الصفير أطول. لم يعد بالإمكان تغطية الفجوة بالكلام؛ الحركة نفسها فضحتها، لأن من بنى النظام يعرف النقرة الثانية، ومن لا يعرفها يعبث أمام الجميع.
خرجت مريم من الجناح الجانبي قبل أن يُطلب منها، ثم توقفت عند حدّ الضوء لا في منتصفه. رفعت يدها بهدوء وقالت لرئيس اللجنة: "المقبض يثبت على مرحلتين، وليس واحدة." التفتت إليها ليان بحدّة صافية هذه المرة، بلا قشرة علاقات عامة. "ارجعي مكانك، أنا أتعامل." ومدت يدها كأنها تمنع خادمة من لمس قطعة ضيافة أمام الضيوف. لكن رئيس اللجنة لم ينظر إليها. قال وهو يشير مباشرة إلى مريم: "أنتِ. خذي الوحدة. نريد عرضًا عاملًا الآن."
كانت تلك الجملة وحدها كافية لتكسر ترتيب التحية الذي بنته ليان منذ الصباح. تحركت سارة جانبًا تلقائيًا وفتحت لمريم الممر إلى طاولة العرض. حتى الأستاذ ناصر، الذي كان يجلس بثبات الكبار المعتاد، مال إلى الأمام وتركت أصابعه مسبحته معلقة بين خرزتين. أما ليان، فبقيت واقفة قرب الميكروفون، لا هي في المقدمة كما تريد ولا هي قادرة على النزول بكرامة. قالت بصوت خافت مسموع: "أنا قائدة الفريق." فرد رئيس اللجنة ببرود إداري قاسٍ: "نريد الشخص الذي يعرف النظام."
وضعت مريم الحقيبة على الطاولة بزاوية مستقيمة، وفتحتها كاملة هذه المرة. لم تلتفت إلى ليان، ولا إلى الرعاة، ولا إلى الصف الأول حيث تتشابك الأسماء والمصالح. فقط سحبت القفاز القماشي الرقيق من الجيب الجانبي، أدخلته في يدها اليمنى، وثبتت الوحدة بيسارها. "أوقفوا جهاز العرض." انخفض ضوء الشرائح. بقيت الطاولة، الشاشة، والقطعة المعدنية تحت مصباح المنصة. في هذا الضوء الضيق، لا تنفع السمعة إلا إذا عرفت أين تضع إصبعك.
بدأت من الخطأ نفسه الذي فضح ليان. ضغطت المقبض الأسود ضغطًا خفيفًا، دارت به ربع لفة ببطء حتى سُمعت النقرة الأولى، ثم رفعت طرفه مليمتراً واحداً فقط قبل أن تعيده إلى موضعه وتديره ثانية إلى حدّ النقرة الثانية. على الشاشة انطفأ التحذير. قالت من غير زينة: "هذه معايرة الضجيج." ثم سحبت سلك الحمل التجريبي، وصلته بالمنفذ السفلي لا العلوي، لأن العلوي للمحاكاة وليس للقراءة الحية، وضغطت مفتاح التحويل. استقرت الأرقام. الخط الأحمر انكمش إلى خيط رفيع، وظهر فوقه منحنى أزرق متزن.
أشارت اللجنة إلى الشاشة. "والاستجابة مع الحمل المفاجئ؟" أخذت مريم البطارية الاحتياطية من الحقيبة، شبكتها بوصلة جانبية سريعة، ثم رفعت مقاومة الاختبار بملقط دقيق. قفز الاستهلاك لحظة، لكن النظام أعاد توزيع التدفق خلال ثانيتين. مرّ التغيير على الشاشة مثل باب ينغلق في الوقت الصحيح. همهمة قصيرة خرجت من الصفوف الأمامية، لكنها ماتت فورًا حين تابعت مريم العمل كأنها في الورشة وحدها. هذا هو الفارق الذي لا يُستعار: من يعرف الجهاز لا ينظر حوله طلبًا للتصديق.
قال عضو آخر من اللجنة، هذه المرة بنبرة امتحان لا مجاملة: "إذا تعطّل المجسّ الأساسي أثناء التشغيل، أين مسار التحويل؟" كان هذا السؤال قاتلًا لليان؛ لأنه يتجاوز الحفظ إلى البنية. مدت ليان يدها إلى الميكروفون كأنها ستجيب، لكن رئيس اللجنة أشار لها أن تترك المجال. وقفت يدها في الهواء ثم سقطت إلى جانبها. أما مريم ففتحت الغطاء الجانبي بمفك قصير من الحقيبة، كشفت صفّ المفاتيح الداخلية، ولم تشرح إلا بقدر ما يفعل الجراح وهو يشق الجلد. ضغطت المفتاح الثالث، ثم الخامس، وأعادت سلك المجسّ إلى المنفذ الاحتياطي، وبعدها كتبت على اللوحة الصغيرة بقلمها ذي أثر الحبر القديم قيمة تصحيح واحدة. انطفأت القراءة نصف ثانية ثم عادت، أدقّ من قبل.
في الصف الأول، انحنى الأستاذ ناصر نحو الراعي الجالس بجواره، لكن الراعي لم يبادله النظرة هذه المرة؛ كان يثبت عينيه على يد مريم وهي تعيد الغطاء إلى مكانه بلا ارتباك. سارة، التي كانت قبل دقائق تحرس ترتيب الدخول، دفعت استمارة الدرجات إلى طرف الطاولة القريب من رئيس اللجنة. ليان حاولت الاقتراب من الوحدة وقالت بصوت معسول مكسور: "هذا ما كنا نشرحه أصلًا." لم تلتفت إليها مريم. سحبت كابلًا أخيرًا، ووضعت أمام اللجنة مجسًّا احتياطيًا ثانيًا لم يكن في الشرائح أصلًا. الضرر صار مرئيًا؛ ليس فقط أنها فشلت، بل إن العرض الحقيقي كان أكبر من الصورة التي باعتها باسمها.
قال رئيس اللجنة: "أكملي سيناريو الانقطاع الكامل." كانت تلك آخر حركة حماية من النظام القديم: سؤال أثقل، أصعب، لعلها تتعثر فتعود السلطة إلى المكان الذي اختارته العلاقات. أخذت مريم نفسًا واحدًا، قصيرًا، ثم فصلت مصدر التغذية الرئيسي بنفسها. انطفأت الشاشة تمامًا. من خلف الستارة وصل صوت الأذان من مصلى المركز، خافتًا لكنه حاضر، كأنه يثبت الوقت على الحافة. في الظلام القصير، تحركت يد مريم إلى مزلاج داخلي لا يظهر للحضور إلا إذا كنت قريبًا من الطاولة. ضغطته بإبهامها، ثم أغلقت دارة الطوارئ يدويًا، وأعادت تشغيل الوحدة من البطارية الاحتياطية عبر مسار التفريغ السريع. عادت الشاشة إلى الحياة خلال نبضتين، وظهر على أعلاها تنبيه أخضر: استمرارية التشغيل محفوظة.
لم تكتفِ بذلك. رفعت المجسّ الأساسي التالف عمدًا من مكانه، تركت الوصلة تتدلى ليراها الجميع، ثم حولت النظام إلى المجسّ البديل وهي تراقب الثبات على الرسم مباشرة. لم تهتز يدها، ولم تسرع لتتزين، ولم تلتفت لتسأل إن كان هذا كافيًا. كان المشهد كله قد انقلب: ليان عند طرف الضوء، خارج القرار؛ مريم في القلب، لا تطلب الإذن من أحد لأنها أصبحت هي الإذن. رئيس اللجنة مد يده إلى استمارة الدرجات. سمع صوت القلم على الورق أوضح من أي تصفيق ممكن.
أعادت مريم المفك إلى جيبه الصغير، نزعت القفاز، ومسحت بإبهامها أثرًا خفيفًا من الغبار على غطاء الوحدة. ثم فصلت الوصلات بالترتيب، لفّت السلك الرفيع أولًا، ثبّتت المجسّات في أماكنها، وأغلقت الحقيبة بقفل ثم الآخر. كانت ليان لا تزال واقفة قرب الميكروفون الفارغ، منزوعة الصوت أكثر من انطفاء أي شاشة. حملت مريم الحقيبة من المقبض الذي يحمل أثر الحبر القديم، وضعتها عن الطاولة، وخطت خطوة واحدة إلى الخلف.
على طاولة لجنة التحكيم، بقيت ورقة الدرجات تحت ضوء المصباح، مائلة قليلًا عند الحافة بين فنجان قهوة لم يُمسّ وقلم أسود، والنتيجة مستورة بالأوراق من فوقها، لكنها لم تتحرك.