Fast Fiction

لما وقف الشحن احتاجوا يدي

صرخ السائق عند الرصيف الثالث وهو يلوّح بورقة التسليم، والباب المعدني نصف مفتوح، والعربات الصغيرة متوقفة عجلاتها على الخط الأصفر، بينما نادر مدّ ذراعه أمام مها ومنعها من الوصول إلى كرسي الكونسول. قال من غير أن ينظر لها: "ابتعدي عن المحطة. اليوم الإطلاق بيدي." كان المكتب الضيق عند حافة التحميل مزدحماً بكوبَي شاي فاترَين، ومفاتيح أبواب معلقة متأخرة في مكانها، ودفتر مواعيد انثنت أطرافه من كثرة السحب. خلفها وقف ثلاثة سائقين في حر آخر النهار، ومحرك شاحنة يئنّ على الساحة، والطلب الأخير لعميل من قطاع الطاقة يجب أن يخرج قبل المغرب. هذا الكرسي كان كرسيها منذ سنتين، لكن نادر جلس عليه كأنه ورثه مع اسمه.

لم تجادله. وضعت ملف الحمولة على حافة المكتب حتى صدر ذلك الصوت اليابس للورق الملفوف، ثم مالت ونقلت جهاز المسح من طرف يده إلى طرف الطاولة، بعيداً عن كوب الشاي. حركة صغيرة فقط، لكنها كسرت طريقه السهل. رفع رأسه أخيراً. قالت له ببرود: "إذا بتعطل الشاحنات، لا تخلط الجهاز مع الشاي." التفت سالم، عامل الرصيف، من عند الباليتات، ونظر إلى الجهاز ثم إلى نادر. لم تحصل مها على الكرسي، لكنها انتزعت أول شيء: لم يعد يتحكم بالمحطة كأنها لعبته وحده.

نادر شدّ ظهره أكثر على الكرسي وقال بصوت أعلى، ليس لها بل للسائقين: "التأخير من المستودع، مو مني. والأستاذة مها اليوم مساعدة فقط." قال "الأستاذة" بطريقة تقصّ المقام لا ترفعه. ثم سحب قائمة الخروج وبدّل ترتيبها بعصبية، فأرسل شاحنة الأنابيب إلى الباب الثاني بدل الرابع، وأوقف شاحنة المولدات الثقيلة عند الرصيف الداخلي الضيق. سالم صاح من بعيد: "هذا الباب ما ياخذها!" لكن نادر لوّح بيده كمن يسكّت صبياً. عند مدخل الساحة ظهر أبو راشد، كبير مندوبَي العميل، رجل ستيني بثوبه الناصع وغترته المثبتة بعناية، يمشي ببطء من ظل السيارة إلى ظل السقف، ومعه ظرف أوراق رقيق يصفق تحت أصابعه اليابسة. وجوده وحده جعل الوقفة أضيق.

اقترب أبو راشد إلى حدود المكتب من غير أن يدخل المساحة الضيقة، ذلك البعد المحسوب الذي يعرفه أهل الرياض جيداً. قال: "شحنة المساء هذه مرتبطة بموقع شمالي، والعمال هناك ينتظرون الصلاة ثم الإقفال. من المسؤول عن الإطلاق؟" نادر اعتدل على الكرسي قبل أن يجيب، كأنه ينتظر السؤال من زمان: "أنا." ثم أشار بمقدمة ذقنه إلى مها. "هي تتأكد من الأوراق فقط." مها بقيت واقفة عند زاوية الكرسي البلاستيكي المكسور، الطرف الذي يتركه الناس لمن لا يملكون حق الجلوس. أبو راشد نظر إليها نصف ثانية. يعرفها. ليست معرفة صداقة، لكن العائلة والأصدقاء يعرفون أنها التي تستلم اتصالات الطوارئ وتعيد ترتيب الساحة حين يختنق الرصيف. نادر يعرف هذا أيضاً، ولهذا تعمّد أن يحشرها في زاوية الورق.

جاء أول اصطدام فوراً. الشاحنة التي وجّهها إلى الباب الثاني علقت عند المنعطف، وانحشر خلفها رافعتان وعربة يد محملة بصناديق حساسات. أحد السائقين نزل يسب تحت أنفاسه، وآخر ضرب بيده على الباب المعدني. من داخل المستودع خرجت هدى وهي تمسك كشف التحميل، وقالت لنادر: "أعطيتني رقم منصة غلط. الباليتات تبع الرصيف الرابع جاهزة من عشر دقائق." ردّ عليها أمام الجميع: "لو التدقيق كان مضبوط من عندكم ما وصلنا لهذا." ثم التفت على مها مباشرة، وأكمل بصوت مقصود: "أنتِ راجعتِ القائمة الصباحية، صح؟"

رفعت مها عينيها إليه فقط. "القائمة الصباحية غيرتَها أنت بعد الظهر." قالتها بلا شرح، ثم أخرجت من الملف نسخة مطوية من ترتيب الخروج ودفعتها إلى حافة المكتب. سالم خطفها وقرأ التوقيت. أبو راشد لم يقل شيئاً، لكن يده توقفت عن تقليب الظرف. نادر لمس الورقة بأطراف أصابعه ثم تركها، كأنه لا يريد أن تعضه. ومع ذلك واصل المسرحية. صاح في السائق: "لفّ الشاحنة! بسرعة!" ارتبك السائق بين أمره وبين ضيق المكان، فضاع وقت آخر، وانسحب الأذان الأول من جامع قريب فوق هدير المحركات مثل إنذار يزيد الخسارة علناً.

حين تعطلت الطابعة الصغيرة عن إخراج إذن الخروج، ظهرت رعشة الحقيقة. نادر ضرب زر الإخراج مرتين وثلاثاً، فاختنق الورق داخلها. الباب الرابع ما زال مغلقاً لأن مفتاحه لم يرجع إلى مكانه إلا الآن، يتدلّى متأخراً على لوحة المفاتيح المعدنية مثل اعتراف صغير. في الساحة، الشاحنة الأخيرة للعميل بدأت تسخن تحت الحر، وسائقها ينظر إلى الساعة كل نصف دقيقة. أبو راشد قال هذه المرة بحدة أخفض من الصراخ وأثقل منه: "أنا لا يهمني من المتسبب. يهمني أن الحمولة تخرج الآن."

حاول نادر أن يحافظ على نبرته، لكن الكونسول خان يده. أدخل رقماً خطأ، فانغلق أمر الإطلاق المؤقت على الشاشة. هدى قالت: "المنصة ما تقبل تراجع ثانٍ من نفس المستخدم." سالم اقترب حتى صار عند كتف المكتب وقال بلا احترام كافٍ: "إذا ما فتحنا الباب الرابع الآن، الباليتات تبرد غلط وتتأخر المركبة كلها." نادر نهض نصف نهضة، ثم جلس، ثم نهض فعلاً. عرقه ظهر تحت الياقة. نظر إلى الشاشة، إلى أبو راشد، إلى السائقين، ثم إلى مها الواقفة كأنها لم تتحرك من مكانها منذ بدأ الخراب. في تلك اللحظة لم يعد عنده إلا شيء واحد يفعله.

سحب جهاز المسح من على الطاولة ومدّه إليها. "امسكي." الكلمة خرجت خشنة كأنها تُنتزع من حلقه. ثم دفع الكرسي برجله بعيداً عن رجليه، فاحتك بالأرضية وفتح لها نصف فراغ. مها لم تشكره ولم تنظر في وجهه. أخذت الجهاز من يده، وأزاحت ذراعه عن حافة المكتب بحركة عملية، وجلست وهي ما تزال تسمع احتكاك الشاحنة العالقة خارج الباب الثاني. يده بقيت لحظة على ظهر الكرسي، ثم سقطت إلى جانبه. كان هذا تسليماً حيّاً، قسرياً، أمام من حاول أن ينكر حاجته إليها قبل دقائق.

قالت فوراً: "سالم، افتح الرابع بالمفتاح الاحتياطي، وخلك على الرافعة اليسار. هدى، انقلي باليت الحساسات للخط الأحمر، مو الأزرق. أنت" — أشارت إلى سائق الشاحنة العالقة — "ارجع نصف متر فقط، لا تلف كامل." لم ترفع صوتها، لكن الساحة تحركت على نبرتها. سالم انطلق إلى لوحة المفاتيح، التقط المفتاح المتأخر وجرى. هدى سحبت أول باليتة قبل أن يكتمل ردها. السائق عاد للخلف كما طلبت، فانفتح للرافعة ممر يكفي بالكاد. مها أدخلت أمر التجاوز الصحيح في الكونسول، مسحت البطاقة، وأعادت توجيه الحمولة الرابعة إلى الباب المفتوح. الباب المعدني ارتفع في اللحظة التي وصل فيها سالم، وكأن الرصيف نفسه كان ينتظر الجملة الصحيحة فقط.

تحرك أول خروج. باليتتان انزلقتا على الرول الحديدي، تبعتهما عربة الحسّاسات، ثم خرجت شاحنة الأنابيب من الخط الخطأ إلى مسارها الصحيح. أبو راشد غيّر وقفته؛ لم يعد يسأل من المسؤول، صار يراقب الأرقام على الشاشة. نادر بقي عند جنب المكتب، ليس بعيداً كفاية ليختفي، ولا قريباً كفاية ليمسك شيئاً. مد يده إلى كشف الخروج يريد أن يستعيد دوراً ما، فقالت مها من غير أن تلتفت: "خلّه مكانه." توقفت يده في الهواء، ثم نزلت ببطء. هذا وحده أوجعه أكثر من أي رد.

لكن الانفراج لم يكتمل. هدى التفتت فجأة وقالت: "باقي الحمولة الأخيرة، مضخة الموقع الشمالي. ما تخرج إلا بإذن إطلاق نهائي على حساب رئيس المحطة." سكتت حتى المحركات لحظة في رأس من سمعها. نادر قال بسرعة: "أعطوني." ومد يده إلى لوحة المفاتيح كأنه يستردها بالحكم القديم. مها لم تتحرك عن الكرسي. فتحت شاشة الإذن النهائي، وظهرت خانة الدخول المقفلة باسمها غير موجودة، وباسم نادر موقوفة بعد الأخطاء المتكررة. الشاحنة الأخيرة كانت الأهم، والأغلى، وتأخيرها يضرب وجه الشركة أمام عميل كبير في قطاع الطاقة. هنا عاد الخطر أكبر من قبل، لأن المحطة كلها توقفت على قفل واحد.

دخل صاحب المركز من الباب الجانبي في تلك اللحظة، عادل السبيعي، وقد جاءه اتصالان متتاليان من الساحة. لم يرفع صوته، وهذا جعل حضوره أثقل. نظر إلى الشاحنة المنتظرة، إلى أبو راشد، إلى الشاشة المقفلة، ثم إلى نادر واقفاً بلا كرسي ولا جهاز، وإلى مها الجالسة على المحطة والرصيف يتحرك بأوامرها. قال لنادر: "ليش الحساب موقوف؟" حاول نادر أن يسبق الخراب بكلمات مرتبة: "كان عندنا ضغط، ومها تدخلت مؤقتاً، لكن الإذن النهائي يحتاج..." قطعَه أبو راشد لأول مرة. "أنا لي ساعة أشوف من يعطل ومن يطلع. ما عندي وقت لمجاملة أحد."

تغير وجه نادر عند كلمة "مجاملة". لم تكن شتيمة، لكنها نزعت عنه الغطاء الذي عاش تحته. قال بسرعة مكسورة: "أنا المكلف من الإدارة." عادل لم ينظر إليه. مد يده إلى درج المكتب الضيق، زاحم بين أكواب الشاي وعلبة الدبابيس وحافة الدفتر، وأخرج البطاقة الرئيسية الصغيرة المربوطة بخيط أسود، تلك التي لم تُسلَّم لمها بعد منذ الأسبوع الماضي بحجة "الترتيبات". حتى هذا التأخير بدا الآن قذراً. وضع البطاقة على الطاولة أمامها لا أمام نادر. ثم التفت إلى هدى وقال: "من الآن، إذن الإطلاق عند مها." كانت الجملة قصيرة، لكنها نقلت الكرسي والكونسول والسلطة كلها في آن واحد.

نادر تحرك خطوة للأمام. "أبو فهد، بس..." لم يكد يكمل. عادل أشار بيده إشارة توقف رسمية، لا صراخ فيها ولا رجاء. "قف على طرف الرصيف ولا تلمس الشاشة." قيلت أمام أبو راشد والسائقين وسالم وهدى، في المكان نفسه الذي مدّ فيه نادر ذراعه أول القصة ليمنع مها من الاقتراب. الآن صار المنع عليه هو. تراجع خطوة تلقائية، واصطدم طرف حذائه بقاعدة الكرسي البلاستيكي المكسور عند الزاوية، ذلك المكان الذي كان يليق بالواقف المستبعد. هذه المرة هو الذي انتهى إليه.

أخذت مها البطاقة الرئيسية، ومسحت بها القارئ، ثم أدخلت تسلسل الإطلاق الأخير. رفضت الشاشة أول مرة لأن جلسة نادر المعلقة ما زالت حية. مدت يدها إلى جانب المكتب، ضغطت زر فصل المحطة، وقالت من دون أن تنظر إليه: "ابعد." كان عليه أن يبتعد فعلاً ليُقطع حسابه. حين انفصلت الجلسة، انطفأت خانته من أعلى الشاشة. ضرر واضح، وقلب ظاهر، وارتباك يابس في وجهه لا يجد له مخرجاً. سالم كان ينتظر كلمة، والرافعة متوقفة على سنّ الحركة. أبو راشد وضع ظرفه على حافة المكتب وسحب مسبحته إلى باطن كفه، مستعداً لرؤية هل ينتهي هذا أم ينهار.

قالت مها: "سالم، ثبت الحمولة. هدى، اطبعي ورقة الميزان من الحساب الجديد. أنت يا أبو خالد" — للسائق الأخير — "على الرابع، مستقيم، لا تكسر يسار." ثم رفعت أصابعها إلى لوحة المفاتيح. عادل حرّك الكونسول نصف شبر باتجاهها حتى يستقر أمامها كاملاً، كأنه يبعد آخر ما بقي من الادعاء القديم. أدخلت اسمها، تبعته كلمة المرور، والضوء الأزرق عند شاشة مكتب السيطرة اشتعل تحت يدها. الشاشة انفتحت.