طلعت هي الأقل قدامهم
قالت العاملة عند مدخل الفناء وهي تمد يدها لتأخذ صينية القهوة من سارة: "لا، طريق الضيفات المكرمات من هنا... أنتِ من الجهة الثانية." ثم أشارت بعصا الليزر الصغيرة إلى ممر جانبي يمر قرب صف السيارات، بعيدًا عن السجادة الممتدة إلى المجلس.
توقفت سارة لحظة، مفتاح الشقة المرتجع متأخرًا ما زال في جيب عباءتها يضغط على فخذها كلما تحركت، كأنه يذكرها بالحدود التي تأخرت العائلة كلها في حسمها. لم تأتِ الليلة كغريبة. العائلة والأصدقاء يعرفون أن مازن هو من أصر عليها منذ سنة، يعرفون أنها وقفت معه حين تعطلت صفقة في الشركة وكاد يخرج من عمله في قطاع الطاقة، ويعرفون أن أبو راشد نفسه قال قبل أسبوع: "تعالي مثل أهل البيت." ومع ذلك، كانت نوف تقف عند أول السجادة، تُستقبل بالقبلات، ويُفسح لها الطريق كأن الخطوبة تخصها.
لم تسأل سارة إذنًا. أخذت الصينية من يد العاملة بهدوء، وبدل أن تدخل من الممر الجانبي مشت خطوتين إلى الأمام حتى صارت على حافة السجادة نفسها، تحت الضوء الأصفر المعلق بين النخلتين. رأت رأس أم نوف يلتفت فورًا، ورأت عيون النساء على الأطراف ترتفع عن فناجينهن. قالت سارة للعاملـة بصوت يكفي من حولها: "أنا أعرف الطريق. إذا فيه تغيير، يقولونه أصحاب البيت."
كان ذلك أول شرخ. لم يُفتح لها الممر المكرم، لكن العاملة تراجعت نصف خطوة ويدها نزلت، وبقيت سارة واقفة في المنتصف بدل أن تُدفع إلى الظل. هذا وحده أجبر النظرات أن تتوقف عندها لا أن تمر فوقها.
جاءت أم نوف بسرعة محسوبة، عطرها أثقل من حر المساء، وابتسامتها تلك التي لا تمس العينين. أمسكت بكوع سارة بأصابع ناعمة حازمة، كأنها تسدي لطفًا. "يا بنتي، الليلة لها ترتيب. الكبيرات أول، وأهل المناسبة لهم المسار الرئيسي. أنتِ اجلسي هناك عند الركن، وبعد الصلاة خير." ثم رفعت صوتها قليلًا لتسمع النساء القريبات: "لا نخلط الأوراق، كل أحد يعرف مكانه."
الكلمة الأخيرة نزلت أبرد من مكيف الممر. "مكانه." كأنها تصف كرسيًا لا إنسانة. عند الركن المشار إليه كانت الطاولة الأخيرة، قرب باب خدمة يخرج منه بخار الشاي وصوت المكيف يئن في الممر الضيق. وعلى الجدار المقابل عُلقت لوحة ترحيب كبيرة، أسفلها بطاقات بأرقام وأسماء الأسر وترتيب الجلوس في المجلسين؛ رجال ونساء، وعلى الجانب الأيمن خانة مكتوب فوقها: "المرافقات والمضافات". تحتها، بخط واضح، "سارة الحربي - 17". فوقها مباشرة: "نوف السبيعي - 6".
رأت الرقم قبل أن تصل إليه. لم تحتج إلى أحد يشرح. لقد لمسوها بالترتيب قبل أن يلمسوها بالكلام.
تقدمت أم نوف أكثر، تحاول أن تدير جسد سارة نحو الركن. "هنا أحسن لك. الليلة فيها كبار من طرف أبو راشد، وفيه أمور ما تنفتح قدام الناس."
قالت سارة وهي تثبت قدميها في طرف السجادة: "واضح أن أمورًا كثيرة انفتحت قبلي." ثم سلّمت الصينية لأول عاملة مرت قربها، كأنها ترفض أن تُستعمل يدها في ترتيب الإهانة، وبقيت مكانها.
في تلك اللحظة خرج الأذان من مسجد الحي قريبًا، فخفّ الضجيج للحظات. رجال عند الطرف الآخر اتجهوا إلى المغاسل، والهواء الحار حمل رائحة القهوة والهيل عبر الفناء المفتوح. ومن باب المجلس الداخلي خرج أبو راشد بنفسه، يتحرك ببطء من يعرف أن الناس تفسح له قبل أن يصل. كان يتوقع الجميع أن يقف عند نوف أولًا. أم نوف استدارت نحوه بابتسامة جاهزة، ورفعت يدها قليلًا كمن يعلن ترتيبًا محسومًا.
لكن أبو راشد لم يتوقف عندها. عبر السجادة كلها، وتجاوز نوف وأمها، حتى وقف أمام سارة عند الحافة التي حاولوا حبسها فيها. انحنى انحناءة خفيفة لا يفعلها إلا مع من يريد أن يرفع قدره أمام الناس، وقال بوضوح سمعته الصفوف الأولى: "حياك الله يا بنتي سارة. تأخرنا عليك."
لم يكن في الفناء سكون، لكن شيئًا انكسر في حركة المكان. يد أم نوف نزلت عن كوع سارة فورًا. العاملة التي كانت تنتظر إشارة التقديم بدلت اتجاه الصينية. حتى نوف نفسها، بعباءتها الرمادية المطرزة، التفتت متأخرة كأنها لم تستوعب أن الرجل تجاوزها علنًا.
أبو راشد لم يكتفِ بالتحية. مد يده إلى أحد الشبان الواقفين قرب اللوحة. "وين ترتيب المجلس؟" جاؤوه باللوح الخشبي المثبت عليه بطاقات الأسماء والأرقام. كان لوحًا واضحًا، معلقًا على حامل أسود عند جدار الفناء، كل الداخلين يمرون أمامه. اقترب أبو راشد به خطوة، ونظر مرة واحدة فقط. "من كتب هذا؟"
قالت أم نوف بسرعة: "أنا فقط رتبت التدفق، حتى ما يصير لخبطة. سارة ضيفة عزيزة، لكن—"
قطعها وهو لا ينظر إليها: "ضيفة؟" ثم رفع البطاقة الصغيرة المعلقة تحت رقم سبعة عشر. اسم سارة مطبوع بخط رسمي، وأسفل الاسم كلمة "مرافقة". رفعها بين إصبعين كأنها شيء متسخ وجدَه على سجادة البيت. "من قال إنها مرافقة؟"
ظهر مازن عند طرف الممر في اللحظة نفسها، كأنه خرج من ظل الجدار. كان قد فك غترته بعد الصلاة، وملامح التعب ظاهرة عند عينيه، صلابة آخر الدوام ما زالت في كتفيه. لكنه لم يقترب ليشرح. وقف على مسافة يراها الجميع، ونظره على أبيه ثم على سارة، كأن القرار يجب أن يصدر في النور لا في الهاتف الذي ظل يلمع في كفه طوال العصر دون أن يجرؤ على إظهاره.
أم نوف حاولت أن تستعيد الأرض تحت قدميها. "أبو راشد، الليلة خطوبة، ولسنا في مجلس إعلان. البنت نفسها ما صدر فيها شيء. نحن فقط نحفظ وجه العائلة."
قال أبو راشد وهو يعيد النظر إلى اللوحة: "وجه العائلة ما ينحفظ بالكذب في الترتيب."
كانت اللوحة مقسمة إلى صفوف، وكل صف يحمل رقمًا واسمًا ومكانًا. قرب الأعلى: "نوف السبيعي - 6 - قريب المنصة." قرب الأسفل: "سارة الحربي - 17 - طرف الممر." العبث لم يعد همسًا؛ صار مطبوعًا ومعلّقًا على جدار البيت.
اقترب مازن أخيرًا، ولكن ليس إلى نوف ولا إلى أمها. وقف إلى يمين سارة، على مسافة قصيرة تكفي ليقرأ الجميع الاصطفاف قبل الكلام. قال بصوت منخفض حاد: "أنا الذي طلبت إدخال اسم سارة مع أوائل أهل المناسبة." ثم نظر إلى أبيه لا إلى النساء. "والرسالة وصلتك."
"وصلتني." قال أبو راشد. أخرج من جيبه قلمًا أسود سميكًا، وانتزع بطاقة سارة من أسفل اللوحة. لم يناقش، لم يطلب مشورة، لم يفتح بابًا للالتفاف. حرّك بطاقة نوف من الصف السادس إلى الأسفل صفين، ثم ثبت بطاقة سارة فوقها مباشرة في الصف السادس مكانها، وكتب على حافة البطاقة بخطه: "أهل البيت". الحركة كانت صغيرة، لكن كل من في الفناء استطاع رؤيتها؛ اسم سارة صعد، واسم نوف هبط، واليد التي فعلت ذلك هي يد صاحب البيت.
شهقت أم نوف شهقة قصيرة كأن الهواء انقطع عنها. مدّت يدها إلى اللوحة: "لا، هذا يسبب إحراجًا—"
أمسك أبو راشد بالحامل قبل أن تلمسه، وقال من غير أن يرفع صوته: "الإحراج كان لما نزل اسمها إلى سبعة عشر." ثم التفت إلى العاملة عند القهوة. "التقديم يبدأ من عند سارة."
هذه كانت الضربة الثانية، أشد من البطاقة نفسها. العاملة استدارت بالصينية فورًا نحو سارة، لا نحو نوف. والنساء القريبات اللواتي كنّ يفسحن الطريق إلى المقعد الأمامي تراجعن مرتبكات وبدأن يفتحن المسار الآخر، المسار الذي كان محجوزًا قبل دقائق لمن قرروا أنها الأعلى.
لكن نوف لم تسكت. تقدمت خطوة، والكحل حول عينيها جعل اتساعهما أوضح. "يعني هكذا؟ أمام الناس؟ لأن مازن وقف معها سنة؟ كل شيء ينكتب على لوحة وينتهي؟"
أجابت سارة هذه المرة قبل أن يتكلم أحد. "لا. الذي انتهى هو أن يكتب غيري مكاني." كانت نظرات النساء معلقة عليها، وكانت تعرف أن التراجع الآن سيحوّل الرفع كله إلى نزوة من رجلين. لذلك مشت بنفسها إلى اللوحة، لا إلى المقعد. رفعت يدها إلى البطاقة الجديدة، قرأت اسمها كما لو أنها تتأكد من حقها علنًا، ثم نزعت البطاقة التي وضعتها أم نوف تحت خانة "المرافقات" وتركت مكانها فراغًا أبيض مكشوفًا. لم تكتفِ بالصعود؛ أظهرت الكسر.
تحركت أم نوف لتقول شيئًا، لكن صوتها خرج مبحوحًا. نوف نظرت إلى الصف السادس ثم إلى الفراغ أسفل اللوحة، كأنها تبحث عن مكان تُعيد فيه الحيلة بسرعة ولا تجد. هذه أول مرة بدت بلا جملة جاهزة.
قال أبو راشد، وما زال الجميع يسمعه: "إذا أحد له اعتراض على ترتيب بيتي، يتفضل يقوله لي، مو يعلقه على الجدار قبل ما أصل."
كان يمكن للّيلة أن تنفجر في خصام طويل، لكن سارة رأت الخطر الآخر: أن يتحول انتصارها إلى مجلس رجال يتبادلون الحسم عنها. رفعت ذقنها قليلًا، ونظرت إلى مازن. كان ينتظر، متوترًا على نحو أخفى منه كثيرًا في الشهور الماضية. هذه هي اللحظة التي كان دائمًا يؤجلها بحجة الوقت والظروف وموافقة الكبار. لو سكت الآن، سيعود كل شيء قابلًا للمساومة غدًا.
قالت له أمام أبيه وأمام اللوحة: "إذا اسمي فوق، لا أرجع أخفيه. قلها كما هي."
تبدل وجه مازن في ثانية؛ ليس لأنه فوجئ، بل لأنه أدرك أن التراجع صار أكثر كلفة من المواجهة. أخذ نفسًا واحدًا وقال: "سارة هي اختياري، وأدخلها الليلة من باب أهل البيت. واللي ما يناسبه هذا الترتيب، يواجهني أنا."
ارتجفت شفة أم نوف. كان الاعتراض جاهزًا في عينيها، لكن اللوحة كانت أقسى من الكلام؛ اسم ابنتها نزل، واسم سارة ارتفع، وصاحب البيت سمع الجميع قوله، والولد وقف في صف معلن. لم يبقَ لها إلا أن تبدو كمن يعترض على خط صاحب البيت في بيته.
تقدمت سارة خطوة أخيرة إلى جهة المجلس، ثم توقفت عند حافة اللوحة. هناك، قرب الجدار، كان ضوء الممر الجانبي يطنّ طنينًا خافتًا خلفها، والحرارة العالقة بين السيارات تصل متأخرة إلى هذا الركن. مدت يدها إلى القلم الأسود الذي تركه أبو راشد في الحامل، وأعادت تثبيت بطاقة اسمها بإحكام أعلى من قبل، ثم حركت السهم الصغير المرسوم أسفل الصف السادس ليشير إلى المقعد الأقرب لباب المجلس، لا إلى طرف الممر. وقالت من غير أن تنظر خلفها: "هذا مكاني."
على الجدار، ثبتت اللوحة بعد إعادة القصّ: ٦ ـ سارة الحربي ـ أهل البيت. وتحتها مباشرة، ٨ ـ نوف السبيعي. وبقي الفراغ الأبيض عند خانة "المرافقات" واسعًا، بينما تجمدت الأرقام في مكانها.