Fast Fiction

الخدمة مشت لجهتها وحدها

سحَب فهد الملف من يد موظفة الاستقبال ووضعه أمامه، ثم أشار إلى المقعد الملاصق لأبي راشد وقال ببرود: "المرافقة معي، وهي تنتظر هناك." وأشار إلى آخر طرف من مقعد بلاستيكي قرب الباب، زاويته مكسورة قليلًا، كأن المكان نفسه يعرف من يُترك واقفًا.

لمى لم تقل شيئًا. كانت واقفة بعباءتها التي احتفظت بآثار يوم طويل؛ عند الكتفين انطبعت طيات قاسية من كثرة التنقل بين المستودع والبث والمكتب، وفي كفها هاتف مضاء على خفوت، ضوء شاشته منخفض داخل يدها لا في وجه أحد. أبو راشد، بثوبه الناصع وعصاه الخفيفة، التفت إليها لحظة ثم سكت. هذا السكوت هو الذي وجعها، لا المقعد. الرجل جاء اليوم باسم كبير في قطاع الطاقة، والموعد الذي حُجز له منذ أسبوعين لم يكن موعد مجاملة. لمى هي التي رتبت البرنامج كله، من تحويل العربون إلى توقيت السيارة. والعائلة والأصدقاء يعرفون صلتها بالبيت، لكن معرفة الناس شيء، وتركهم يبعدونك عن يد الكبير أمام الجميع شيء آخر.

قالت موظفة الاستقبال وهي تنظر إلى الشاشة ثم إلى فهد: "المسجل مرافق واحد فقط داخل المسار الخاص." رد فهد قبل أن تتكلم لمى: "أنا ابن أخته، وأنا المسؤول عنه. خلّيها تنتظر." ثم أخذ بطاقة الدور الجلدية من الصينية الصغيرة ووضعها في جيبه بدل أن يتركها على الطاولة. حركة صغيرة، لكنها مرئية بما يكفي. المقعد قرب أبي راشد صار له، والبطاقة صارت في جيبه، ولمى بقيت عند طرف الجدار بجانب طاولة القهوة حيث فنجان شاي تُرك حتى برد وترك دائرة باهتة على الخشب.

رفعت لمى يدها قليلًا. "البطاقة على اسم أبو راشد، والمرافق—" قاطعها فهد وهو يبتسم ابتسامة الضيافة التي تُستخدم للطرد: "يا لمى، لا تكبرين الموضوع. الناس تنظر. احفظي وجهنا." وأدار ظهره لها، ثم مال على الموظفة يسألها عن "مسار كبار الزوار" بصوت يسمعه الصف كله.

لم يتوقف عند المقعد فقط. حين نادى المساعد الصحي اسم أبي راشد، تقدم فهد نصف خطوة وأخذ الملف الورقي من فوق الطاولة الجانبية قبل أن يصل إلى يد الكبير. ثم قال للمساعد: "إذا خلصتم، السيارة تكون عند المدخل الداخلي. لا تطلعونه من البوابة العامة." أومأ المساعد بتردد، وسجل شيئًا في الورقة. بعدها التفتت عاملة الضيافة بفنجان قهوة عربي إلى الصف، فرأت فهد جالسًا ملاصقًا لأبي راشد ولمى بعيدة، فوضعت الفنجان أمام فهد أولًا، لا أمام صاحبة الترتيب ولا حتى أمام الكبير. النظام كان يُسحب منها نقطة نقطة، تحت عيون رجال بملامح مكتبية ونساء ينتظرن أدوارهن، وكل واحد يقرأ المشهد بالطريقة الأسهل: من يجلس أقرب يملك القرار.

أبو راشد حرك عصاه على الأرض الرخامية مرة واحدة. "لمى." قالها خافتة، لكنها لم تغير شيئًا. فهد انحنى عليه بسرعة: "أنا هنا يا عم، ارتح." ثم التفت إلى لمى بنظرة فيها أمر مستتر: لا تقتربي أكثر.

سارت لمى إلى المكتب. لا بسرعة الغضب ولا ببطء الاستئذان. وضعت كفها على حافة الرخام، لا على الملف. "من فضلك، افتحي الحجز الأساسي." قالت موظفة الاستقبال، وقد ترددت عيناها بين فهد ووجه لمى: "الملف صار تحت متابعة المرافق." أخرجت لمى من حقيبتها ظرفًا صغيرًا شفافًا، ليس فيه شرح طويل ولا ورقة مزخرفة؛ فيه أصل تصريح الدخول المطبوع على شعار البرنامج، وعليه اسم أبو راشد واسم المرافق المعتمد بختم واضح. دفعته على الطاولة حتى توقف تحت أصابع الموظفة. "هذه نسخة الاعتماد التي وصلته من مكتب البرنامج، ومعها تفويض النقل بعد الجلسة. الاسم هنا."

سقطت عين الموظفة على الاسم، ثم رفعت رأسها. "المرافقة المعتمدة: لمى السبيعي." كانت الجملة قصيرة، لكنها خرجت مسموعة. الناس القريبون من الطاولة التفتوا. فهد مد يده يريد أن يلتقط الورقة، فسبقت الموظفة وسحبت بطاقة الدور الجلدية من جيبه بنظرة مهنية باردة لم تمنحه حتى اعتذارًا. وضعتها فوق سطح المكتب، ثم أزاحت حامل الدور المعدني الصغير من جهته إلى جهة لمى. بعد ثانية واحدة نادت: "الأستاذة لمى، مرافقة الأستاذ أبو راشد، تفضلي."

لمى لم تنظر إلى فهد وهي تأخذ البطاقة. فقط التفتت إلى أبو راشد. "تفضل يا عم." نهض الرجل ببطء، لكن اتجاهه تغير بوضوح. لم يعد يلتفت لليد التي كانت على كتفه قبل قليل، بل إلى اليد التي ثبتت له مساره. فهد بقي واقفًا لحظة قرب المقعد، كأن جسمه لم يستوعب أن الجلوس انتهى له. ثم قال للموظفة بخفوت مضغوط: "أنا من العائلة." ردت وهي تشير إلى اللوحة الصغيرة أمامها: "المعتمد في الحجز هي الأستاذة لمى."

في مساحة الانتظار الضيقة، إعادة الترتيب حصلت بلا ضجيج وبقسوة أكبر. موظف الممر وضع كرسيًا متحركًا خفيفًا قريبًا من أبي راشد ثم سأل لمى وحدها: "ترافقينه من هنا أو من عند الغرفة؟" فأجابت: "من هنا." المقعد الملاصق للكبير أصبح لها عندما عادوا من الفحص الأول إلى خط الانتظار الداخلي، أما فهد فبقي عند طرف الصف واقفًا، يقترب ثم يُطلب منه أن يترك مسافة. حتى عاملة الضيافة، التي قدمت القهوة أولًا للرجل الخطأ، رجعت هذه المرة وقدمت الفنجان لأبي راشد ثم وضعت الماء أمام لمى، وتجاوزت فهد كأنها تصلح خطأً مهنيًا لا أكثر.

ضغط فهد على أسنانه حتى بان عند فكه خط حاد. اقترب من أبي راشد وقال بصوت أراد له أن يبدو عائليًا: "يا عم، بعد ما نخلص أنا أطلع معك في السيارة. الجو حار، والوقفة برا ما تناسبك." لمى، وهي جالسة على طرف المقعد لا تستعرض شيئًا، قالت قبل أن يرد الكبير: "السيارة المحجوزة على تصريح النقل، والمرافق المعتمد واحد." قال فهد: "أنا أتكلم عن راحة الرجال." قالت: "وأنا أتكلم عن المسار الذي دُفع له."

عند نداء الجلسة الأخيرة، خرج المنسق الإداري من باب داخلي ومعه لوح صغير وأظرف بيضاء. نادى: "الأستاذ أبو راشد، المرافقة المعتمدة فقط للتسليم والنقل." والتفت بعينيه تلقائيًا إلى لمى. في تلك اللحظة انكسر ما تبقى لفهد من استعارة السلطة. لم يعد قادرًا أن يسبق بالشرح أو يختطف الورقة أو يلبس قربه للعجوز معنى القرار. مد يده إلى الظرف حين اقترب المنسق، لكن المنسق تجاوزه ووضع الظرف في يد لمى مباشرة.

تحركت الأشياء بعدها بسرعة أدق. أبو راشد خرج من الباب الداخلي على مهل، والمنسق إلى جانبه، ولمى نصف خطوة خلف كتفه. في الساحة الخلفية كان حر آخر النهار يخرج من الإسفلت مثل نفس ثقيل، والسيارات تحت المظلات مصطفة على خطوط مدهونة حديثًا. عند نهاية الممر، قبل مسار الاستلام الخاص، سلسلة حاجز مشدودة بين عمودين من الفولاذ، وخلفها فجوة واحدة تدخل منها السيارة المصرح لها.

فهد لحق بهم أخيرًا. لم يرفع صوته، لكنه حاول آخر حماية لما بقي له. تقدم حتى صار بمحاذاة أبي راشد، وقال لرجل الأمن عند السلسلة: "أنا مع الشيخ. افتح." كانت جملته موجهة لا للأمن وحده، بل لكل من في الممر، كأنه يسترد حقًا سقط منه ظلمًا. رجل الأمن نظر إلى يده الخالية، ثم إلى لمى، ينتظر العلامة الأخيرة.

أخرجت لمى من الظرف بطاقة النقل الصلبة، عليها ختم أحمر وشريط ذهبي رفيع. لم تلوح بها في الهواء، ولم تشرح. رفعت هاتفها بيد، واتصلت على الرقم المختصر المكتوب أسفل البطاقة. "نعم. الأستاذ أبو راشد عند مسار الاستلام الآن. الاعتماد رقم ثلاثة عشر. افتحوا الفجوة لسيارة البرنامج فقط." ثم أنزلت الهاتف ومدت البطاقة لرجل الأمن.

فهد تحرك خطوة أسرع. "أنا أركب معه." قالت لمى، وهي تسلم البطاقة دون أن تلتفت إليه: "المرافقة لي." مد يده إلى ذراع الكرسي المتحرك الخفيف، فسبق رجل الأمن ووضع كفه على المقبض المعدني، يوقفه في مكانه. في اللحظة نفسها جاء صوت المحرك من الداخل، وانعطفت السيارة السوداء من تحت المظلة إلى خط الفجوة. السائق نزل فورًا وفتح الباب الخلفي من الجهة اليمنى. المنسق الإداري أشار بيده: "الأستاذ أبو راشد، تفضل." حاول فهد أن يقطع الخطوة الأخيرة مع الكبير، لكن رجل الأمن رفع راحة يده أمام صدره، إشارة مؤدبة جامدة لا تُناقش. "الدخول للمصرح لهم فقط."

تقدمت لمى حتى صارت هي بين أبي راشد والسيارة، لا كجدار، بل كصاحبة ترتيب يعرف كل فرد في المكان موقعه بسببه. وضعت البطاقة مرة أخرى في يد المنسق هذه المرة، وقالت: "أكملوا التحويل." أبو راشد نقل قدمه الأولى إلى داخل السيارة، ثم الثانية. حركة بسيطة، لكنها أخذت معها آخر فرصة لفهد. لأن المسألة لم تعد من يجلس قربه، بل من عبر معه إلى النهاية ومن بقي خارج المسار.

وقف فهد عند طرف السلسلة المشدودة، وجهه شاحب من حر المواقف ومن الإهانة التي لا يجد لها صياغة لائقة. حتى الآن كان يتصرف كأن الاستقبال أخطأ ثم صحح، وكأن بوسعه أن يلتف من مخرج آخر. لكن السيارة صارت أمامه، والباب أُغلق، والمنسق عاد إلى خلف العربة، ورجل الأمن لم يعد ينظر إليه أصلاً. كانت الهزيمة هنا عملية ومادية: لا ملف في يده، لا مقعد، لا نداء، لا حق مرافقة، ولا طريق.

التفتت لمى إلى رجل الأمن، وأشارت ببطاقة النقل نحو الفجوة الواحدة. "ارفع السلسلة."

ارتفعت السلسلة من جهتها وحدها، وانفتحت الفجوة للسيارة السوداء بينما بقي فهد عند الحافة الأخرى، في المكان الخطأ.