Fast Fiction

هو ظنني آخر الصف

رفع منسّق الضيافة كفّه في وجه ليان قبل أن تطأ ظلّ المدخل، وقال بلا ابتسامة: «لحظة، هذا المسار لأهل العريس والضيوف المسمّين.» ثم التفّ في اللحظة نفسها إلى امرأة وصلت بعدها بثوانٍ، وانحنى مرحّباً بها، وأشار لها بخط الترحيب الممدود بين حاملي دلال القهوة. بقيت ليان عند حافة الساحة المكشوفة، وحرّ المساء في الرياض عالق فوق الرخام، وقماش عباءتها يلتصق قليلًا عند الرسغ. في يدها إيصال مطوي نصف طيّة، فتحته وأغلقته طول الطريق من شدّة ما حسبت المصاريف، كأنها لو ضغطت عليه أكثر سيعيد لها كرامتها. لم تأتِ لتطلب شيئاً؛ جاءت لأن العائلة والأصدقاء يعرفون أنها كانت جزءاً من الترتيب منذ البداية، ولأن غيابها اليوم سيُقرأ هروباً لا موقفاً.

رفعت رأسها وقالت بهدوء بارد: «أنا مدعوّة بالاسم.» ومدّت بطاقة الدعوة. لم ينظر إليها المنسّق إلا نظرة سريعة، ثم حرّك الحبل المخملي نصف خطوة ليغلق الزاوية التي تؤدي إلى خط الاستقبال. «نعم، لكن الانتظار هنا. إلى أن يجي توجيه.» قالها بصوت يكفي أن تسمعه النساء القريبات من باب المجلس والرجال الواقفون عند الدرج. كانت هذه أول صفعة: ليس منع دخول، بل تنزيل مرتّب، محسوب على مرأى من الجميع.

على يسارها، لمعت شاشة هاتف منخفضة في كفّ خالة سمر، ثم انطفأت بسرعة. تقدمت الخالة بخطوتين، لا لتعانقها، بل لتقيس المسافة المناسبة بينهما. «يا بنتي، لا تكبّرين الموضوع. اليوم يوم ناس كبار، والبروتوكول له أهله.» قالتها وهي تعدّل طرف طرحتها وكأن ليان موظفة تأخرت عن دورها. من خلفها ظهر نادر ببدلته الرمادية، يوزع ابتسامات خفيفة على الداخلين. لم يتجه إلى ليان. مرّ قريباً بما يكفي ليشم عطرها، ثم وقف عند المنسق وقال بصوت منخفض متعمّد أن يُسمع: «اللي مو من جهة البيت، خلّوه خارج خط الشرف. ما نبي لخبطة صور.»

لم تلتفت إليه فوراً. هذه كانت الحركة الوحيدة التي لم يتوقعها. بدلاً من أن تحتج أو ترحل، مشت ليان خطوة إلى الأمام حتى لامست مقدمة حذائها أول حجر من المسار المضيء، ثم توقفت هناك، في مكان لا يسمح لهم باعتبارها منصرفة ولا مقبولة. قالت وهي تنظر إلى المنسق لا إلى نادر: «إذا كنتَ تمنعني، امنعني باسم من؟» السؤال نفسه شدّ رؤوساً نحوهم. المنسق تردد، ونادر اضطر أن يرفع ذقنه ويقول: «باسم ترتيب الليلة.»

جاء أبو راشد من طرف الساحة، مسبحته في يده، ووقف غير بعيد. كان من كبار العائلة ومن الرجال الذين لا يرفعون الصوت إلا حين يريدون تثبيت شيء لا مراجع له. لكن حتى هو لم يتدخل مباشرة. نظر أولاً إلى نادر، ثم إلى ليان، ثم إلى خط الاستقبال حيث توقفت حركة القهوة نصف نبضة. هذه كانت القسوة الحقيقية: أن كبار السن لا يحمونك فوراً، بل يتركون الميزان يختبرك أمام الناس.

قالت خالة سمر بنبرة حاسمة، وهي تشير بطرف أصابعها إلى المقاعد الجانبية قرب الجدار: «مكانك هناك، إلى أن يخلص استقبال أهل المقام. بعدين تدخلين مع البقية.» لم تكن مقاعد انتظار عادية؛ كانت خارج خط الشرف تماماً، حيث تجلس من لا يُعرَف هل هو من البيت أم من ملحقاته. نظرت ليان إلى الكراسي، ثم إلى الدرج الواسع المؤدي إلى القاعة العليا، حيث وقفت بطاقات صغيرة على حوامل ذهبية تحدد مواقع المستقبلين. بطاقة اسم نادر كانت موضوعة على المهبط الأول من الدرج، أعلى من مستوى الساحة بنصف قامة. أما مكان الضيفات المقربات فإلى اليمين، بعد قوس الزهور.

عادت إلى خالة سمر بنظرة مستقيمة. «أنا لا أجلس خارج الخط.» قالتها من غير ارتفاع صوت. كلمة الخط نفسها أصابت أكثر مما يفعل الاتهام. نادر ابتسم ابتسامة مشدودة وقال: «والله الخط ما يجيه إلا اللي يعرف قدره.» هذه المرة التفتت إليه. «وأنت من متى صار لك حق تعيينه؟ لأنك واقف على درج غيرك؟»

تحركت همهمة خفيفة بين الواقفين، ثم انقطعت مع وصول رجل من داخل الباحة يحمل ملفاً صغيراً وسماعة في أذنه. كان من فريق الضيافة الخاص بصاحب القاعة، يعرفه الجميع لأنه يتلقى الإشارات من أهل البيت مباشرة. اتجه أولاً نحو نادر، هذا ما حسبه الجميع، لكن قبل أن يصل إليه انعطف بجسده بكامل وضوحه ناحية ليان. وقف بينها وبين الحبل المخملي، ومد ذراعه ليفتح لها الممر بظهر كفه، جاعلاً كتفه حاجزاً بين نادر وبينها. «تفضلي معي، أستاذة ليان.» قالها بصوت واضح في الحلقة المفتوحة من الساحة.

تجمد المنسق لحظة، وبدا كأنه لا يعرف هل يمسك الحبل أم يتركه. نادر تقدم نصف خطوة وقال بسرعة: «لا، هي تنتظر. عندنا ترتيب.» الرجل لم يلتفت إليه حتى. أعاد الجملة، هذه المرة أشد وضوحاً: «تفضلي معي.» وتحرك بحيث اضطر المنسق إلى سحب الحبل جانباً، لا لها فحسب، بل ليحجب به طريق نادر نفسه. كانت حركة صغيرة، لكنها كسرت القراءة القديمة دفعة واحدة: من يُقاد أولاً، ومن يُترك يشرح نفسه.

دخلت ليان الممر من غير استعجال. لم تنظر خلفها، لكنها سمعت صوت فنجان قهوة اصطكّ بالصحن في يد أحد الصبية، وسمعت خالة سمر تبلع جملتها قبل أن تكتمل. عند أسفل الدرج وقف الرجل جانباً، لا يزال فاتحاً الطريق بجسده، كأنه يحرس أسبقيتها من أي يد تُمدّ لإرجاعها. كان المهبط الأول قريباً الآن؛ بطاقات الأسماء، أكمام العباءات المطرزة، رائحة الهيل، والمرايا الجانبية التي تحمل آثار مسح قديم وبصمات متراكمة، تعكس كل اقتراب كأنه اعتراف.

عند تلك اللحظة نزل أبو راشد بنفسه من الدرجة العليا. لم يرسل كلمة مع أحد. نزل حتى صار في مستوى الساحة، ووقف حيث يراه الداخلون والصاعدون معاً. نظر إلى المنسق أولاً، ثم إلى نادر، ثم سمّى الأمر باسمه أمام الكبار والضيوف: «ليان تُستقبل أولاً. هي من جهة البيت الليلة، ومكانها عند الدرج معي. وكل العاملين يسمعون: لا أحد يوقفها، ولا تُحوَّل إلى طرف الانتظار.» لم تكن مجاملة. كانت صيغة أمر. اقترنت باسمها بالمقام نفسه، وسقط معها كل ذلك الغموض الرخيص الذي كان نادر يختبئ خلفه.

حاول نادر أن يبتسم وكأنه سوء فهم عابر، لكن وجهه شدّ من جانب واحد. «أبو راشد، يمكن صار لبس. أنا فقط كنت أحفظ—» قاطعه الرجل من غير أن يرفع صوته: «أنت تحفظ حدّك فقط.» ثم التفت إلى المنسق وقال: «بطاقة الاستقبال التي على المهبط الأول، انقلها. الآن.» هذه الضربة لم تعد كلاماً؛ صارت أمراً يمسّ الشيء المقروء نفسه، الشيء الذي يراه الناس ولا يمكن ترقيعه بجملة لاحقة.

أسرع المنسق إلى الدرج، وأصابعه المرتبكة تكاد تسقط الحامل الذهبي. كانت بطاقة نادر موضوعة على الحافة الأمامية للمهبط الأول، المكان الذي يلتقطه كل داخل بعينه. نزعها، وتردد لحظة قصيرة، فارتفع صوت أبو راشد من جديد، هذه المرة كحدّ السكين: «إلى الأسفل. مع مستقبلي الصف الثاني.» ونظر إلى الرجل الآخر من فريق الضيافة: «الوشاح.»

أخرج الرجل وشاحاً قصيراً بلون العاج، عليه تطريز دقيق بشعار أهل البيت عند الطرف، العلامة التي لا يلبسها إلا من كان ضمن جهة المضيف في الاستقبال. مدّه إلى ليان. لم تمد يدها فوراً. رفعت عينيها إلى أبو راشد، كأنها تعطيه الفرصة الأخيرة ليتراجع أمام الناس. لم يتراجع. قال بوضوح يسمعه من على الدرج ومن عند القهوة: «خذي مكانك.»

أخذته ليان، ووضعته على ساعد عباءتها لا على كتفها، فصار الشعار ظاهراً عند حركة اليد، لا كزينة، بل كعلامة عمل وحق. ثم صعدت درجة واحدة، الدرجة التي كان نادر يقف فوقها قبل دقائق، ووقفت حيث كانت بطاقته. من أسفلها، سحب المنسق الحامل الذهبي الثاني ووضع عليه بطاقة جديدة باسمها، تحت يد ترتجف من الاستعجال. أما بطاقة نادر فهوت إلى المهبط الأدنى قرب الصف الثاني، حيث يقف أبناء العمومة والوجوه المساندة، لا أصحاب التقديم.

حاول نادر أن يمد يده إلى الحامل القديم قبل أن يستقر، كأن لمس الورق قد يعيد له الموضع. لكن رجل الضيافة تحرك مرة أخرى، ليس بعنف، بل بتلك الرسمية القاتلة التي تفضح أكثر مما تصفع. وقف بين يده وبين المهبط الأول، وقال: «هذا المسار محجوز.» جملة كان نادر نفسه يستخدمها قبل دقائق على الناس الأدنى منه. الآن خرجت عليه، بالبرودة نفسها، وعلى الدرج نفسه.

خالة سمر، التي كانت قبل قليل تشير إلى المقاعد الجانبية، صعدت نصف درجة ثم توقفت حين رأت أين وُضعت بطاقة نادر. لم تجد جملة تنقذ هيبتها إلا واحدة باهتة: «يا جماعة، كلنا أهل.» لكن أحداً لم يلتقطها. لأن أهل البيت كانوا قد التقطوا ما هو أوضح: حركة البطاقات، اتجاه الأجساد، ومن فُتح له الطريق ومن أُغلق في وجهه. حتى صبي القهوة غيّر مساره، فرفع الدلة أولاً نحو ليان عند المهبط الأول، ثم نزل بعدها إلى الصف الأدنى.

كانت الضربة الأخيرة في بساطتها. أبو راشد صعد درجتين، ثم مال قليلاً نحو ليان وقال أمام الحلقة كلها: «أنتِ هنا.» لم يزد. لم يحتج إلى شرح سبب، ولا إلى الدفاع عن قرار. هذه العبارة وحدها قطعت على نادر آخر منفذ: لا يستطيع أن يجادل في مكان من قيل له فيه علناً إنه لصاحبة الاسم، ولا أن يتقدم من جديد من غير أن يبدو كأنه يزاحم جهة البيت نفسها.

نظر نادر إلى أسفل، فرأى بطاقته وقد استقرت بالفعل عند المهبط الأدنى، إلى جانب رجلين من أبناء الخؤولة، أحدهما يفسح له مساحة لا تساوي نصف ما كان يحتله قبل قليل. كانت تلك خسارة تُقرأ بالعين: انحدار ملموس في المكان، لا شائعة ولا تلميح. وتحت المرايا الجانبية، في الزجاج المشوب ببصمات قديمة، انعكس صف الدرج من جديد بشكل مختلف تماماً؛ اسمها في الأعلى، اسمه في الأسفل، وكل من يصعد يراه قبل أن يسمع أي تفسير.

اقترب نادر خطوة كأنه سيقول شيئاً أخيراً، ربما يعترض، ربما يستعطف، لكن ليان سبقته هذه المرة. التفتت إليه من موضعها الأعلى، لا بشماتة ولا بلين، وقالت: «الليلة لا تحدد لي مكاني.» ثم مدت يدها إلى الحامل الذهبي أمامها وعدّلته نصف سنتيمتر إلى جهة اليمين، حتى يستقيم تماماً مع حافة الدرجة، ويقرأ الداخل اسمها أولاً.

وقفت ليان على مهبط الدرج من جهة البيت، وشعار الضيافة ظاهر على كمّها، والقماش ساكن لا يرفّه الهواء، بينما بقي نادر أسفل الخط.