Fast Fiction

ذلك الفراغ كان لي

دفعت هند باب الشقة بكتفها لأن يدها اليمنى كانت مشغولة بمفاتيح تأخرت في إرجاعها، وباليسرى تحمل علبة تمر صغيرة أوصتها بها خالة نوف، فاستقبلتها لمياء من آخر الممر بقولها: «لا، مو هنا. البنات داخل، وأنتِ اجلسي أول عند الممر لين نرتب.» كانت وسادة الزاوية التي اعتادت أن توضع لها قرب الفاصل الخشبي قد اختفت، وفي مكانها جلست ابنة عمة لم ترها هند من قبل، تضحك وهي تفرد عباءتها كأن المكان عُدّ لها منذ العصر.

الحرّ العالق من آخر نهار الرياض دخل معها إلى الداخل، وثقل اليوم ما زال في كتفيها؛ كم قاعة انتقلت بينها في الجامعة، وكم اتصال ردّت عليه لسالم وهو عالق بين مشكلته في التدريب الميداني وبين غضب أبيه لأن تأخره سيفسد زيارة الليلة. هي من أرسلت التقرير إلى مشرفه في قسم مرتبط بقطاع الطاقة، وهي من لفت حول يومه المنهار خيطًا يكفي ألا ينقطع. ومع ذلك، ما إن وصلت حتى صارت زائدة عند العتبة. انعكس وجهها لحظة في مرآة المصعد الملطخة ببصمات قديمة؛ نفس الشحوب، نفس ياقة العباءة المكرمشة من طول الجلسة والركوب، ونفس الضوء الخافت للهاتف في راحة يدها كأنه شيء يجب إخفاؤه لا إظهاره.

قالت لمياء بابتسامة ضيقة وهي تأخذ علبة التمر من يدها: «الله يعطيك العافية. حطي شنطتك هناك، وبعد شوي إذا احتجنا شيء نناديك.» ثم أشارت إلى كرسي خفيف قرب المطبخ، ذلك النوع الذي يُسحب للخادمات أو للأطفال إذا امتلأ المجلس. كانت الجملة مهذبة بما يكفي لتُقال أمام الكبار، ومهينة بما يكفي لتفهمها وحدها.

نظرت هند إلى الكرسي لحظة فقط، ثم عدّلت طرف كمها على معصم متيبس وقالت بهدوء: «لا، شكرًا. أنا ما جئت أخدم، وجئت متأخرة أصلًا. إذا ما فيه مكان مناسب، أطلع.» لم ترفع صوتها، ولم تشرح من أين جاءت ولا لماذا تأخرت، فقط أعادت المفتاح المعدني إلى الصينية قرب الباب بدل أن تحتفظ به في يدها، كأنها تسلّم حق الدخول نفسه ثم تتراجع عنه.

سالم كان خارج المجلس الرجالي عند الانعطافة المؤدية إلى الصالة، يسمع النصف الذي يكفي. خرج في تلك اللحظة وهو يفك شماغه قليلًا عن عنقه، وعلى وجهه إرهاق يوم أطول من أن يحتمله أحد وحده. لمحها واقفة بلا مكان، ولمح الكرسي الخفيف، ولمح لمياء تحرك الصينية بيد وبالأخرى تعدّل ترتيب الداخلين. توقف نصف ثانية، وهي نصف ثانية رأت فيها هند الكلفة كلّها: إذا اقترب الآن فسيُسجَّل عليه، وإذا سكت فسيُسجَّل عليها.

قالت هند قبل أن يقول شيئًا: «أنا ماشية، لا تشيل هم.» قالتها بعينين ثابتتين لا تستنجدان. هذه كانت إهانتها الوحيدة؛ أنها منعت نفسها حتى من أن تبدو مكسورة. وسارت خطوة إلى الخلف، تاركة فراغًا صغيرًا بينها وبين العتبة.

في داخل المجلس النسائي ارتفعت رنّة فناجين القهوة ثم خفّت مع أذان المغرب البعيد من مسجد الحي. وفي هذه الوقفة القصيرة خرجت خالة نوف من خلف الستارة، تسأل لمياء عن ترتيب الضيافة. سبقتها لمياء بسرعة: «الزحمة كثيرة، وخلي هند ترتاح بالممر، وبعدين إذا فضي مكان...» لم تكمل، لأن سالم مد يده إلى الوسادة الثانية بجانب الفاصل الخشبي، تلك التي وُضعت عليها حقيبة صغيرة لابنة عمته، فرفع الحقيبة ووضعها على الرف الجداري بلا اعتذار زائد.

قال لابنة عمته بلطف رسمي: «هذا المكان محجوز. اجلسي هنا لو سمحتِ.» ثم التفت إلى خالة نوف، لا إلى هند، وقال: «خلّوه فاضي.» لم يشرح لمن، ولم يطلب من هند أن تدخل، لكنه أبقى المكان خاليًا في مرأى الجميع، كأن الاسم غير المنطوق صار أثقل من أن يُمسح. لمياء فتحت فمها ثم أغلقته عندما رأت خالة نوف لا تعيد الحقيبة إلى الوسادة.

لم تدخل هند. بقيت عند حافة الممر، وهذا ما جعل الحركة أوضح: ليس استدعاءً علنيًا، بل مكان محفوظ لا يجرؤ أحد على ابتلاعه. برد شيء صغير تحت ضلعها ثم اشتدّ خوف آخر مكانه. لأن إبقاء مكانها فارغًا أمام العائلة ليس كرمًا فقط، بل انحياز، والانحياز له ثمن.

جاء هذا الثمن سريعًا وبهدوء أشد من الصراخ. بعد الصلاة قُدمت القهوة داخل المجلس، ومرّت صينية الشاي على غير ترتيب المعتاد. خالة نوف، التي كانت دائمًا تنادي سالم ليتعشى في الداخل مع الخاصة قبل بقية الشباب، أرسلت هذه المرة ابن أختها الأصغر. وعندما طلب سالم ماءً، أجابته لمياء من طرف الصالة: «الماء في البراد الخارجي.» جملة عادية، لكن الجميع سمعوا ما فيها: خذ طريقك وحدك، ولا تنتظر خدمة الداخل. حتى حديث الأقارب معه صار منتقى، قصيرًا، بلا دفء. عقوبة أدب، لا يمكن الاعتراض عليها لأنها لا تُمسك باليد.

هند رأت ذلك كله وهي قد جلست أخيرًا على طرف مقعد بعيد بعد أن أصرت خالة نوف، بنبرة رسمية باردة، أن «الضيفة ما توقف». لم تعد القضية كرسيًا الآن. صار واضحًا أن كل لفتة تُخصم من رصيد سالم عند أهله. انحنت قليلًا إلى الأمام وهمست حين مرّ قرب الفاصل: «خلاص. لا تكبّرها. أنا أجلس أي مكان أو أمشي.» كان بإمكانها أن تقبل الفتات هذه المرة وتنقذ عليه الباقي.

التفت إليها، وعيناه حمراوان من سهر اليوم والقيادة والشدّ الذي لم ينتهِ. قال منخفضًا: «لو قبلتِ الكرسي الخفيف من البداية، انتهى كل شيء عليكِ.» لم تكن جملته عاطفية، بل حادة من شدة التعب. ثم أخذ نفسًا قصيرًا وأضاف: «أنا مو فاتح حرب. أنا فقط ما أبيهم يعيدون تعريف مكانك كل مرة.» وتركها قبل أن يراه أحد واقفًا عندها أكثر.

بعد العشاء، حين بدأ المجلس يلين قليلًا ويتوزع الناس بين الصالة والممر، جاءت المحاولة الأخيرة في صورة مهذبة جدًا. ابنة العمة نفسها، بثقة من ساندتها لمياء طوال المساء، حملت هاتفها ودفترًا صغيرًا واتجهت نحو الوسادة المحفوظة قرب الفاصل. قالت بصوت مسموع يكفي للداخلين: «أنا بجلس هنا مع خالة نوف أرتب أسماء اللي بيدخلون يسلمون. المكان قريب وأنسب.» لم تقل إنها تأخذ مكان هند، قالت إنها تؤدي نفعًا. هكذا دائمًا يُنتزع حقّ أحد: باسم الترتيب.

كانت هند واقفة عند الرف القريب من الصالة الداخلية، تضع كوب الماء الفارغ وتتأهب فعلًا للمغادرة. سمعت الجملة، ورأت لمياء لا تعترض، بل تسوّي طرف المفرش كأن الأمر حُسم. لو جلست الفتاة الآن، سينتهي كل ما فعله سالم إلى سوء تفاهم عابر، وستعود هند إلى موقعها الصحيح في نظر البيت: نافعة عند الضيق، قابلة للإزاحة عند الصفاء.

تقدمت هند خطوتين فقط، ثم وقفت قبل العتبة التي تفصل الداخل عن الممر. قالت بهدوء يسمعه من ينبغي أن يسمع: «لا. إذا هذا المكان ما عاد لي، أنا أطلع الآن ولا أرجع على هذا العنوان بدعوة ملتبسة.» لم يكن في صوتها ارتجاف. سحبت عباءتها من طرف المقعد، والتقطت مفاتيحها من الصينية، تلك التي أعادتها قبل قليل، وكأنها تسترد قرارها لا المعدن. لم تنظر إلى لمياء، بل إلى الفراغ نفسه.

هذه المرة لم يترك سالم الفراغ يتكلم وحده. جاء من جهة المجلس الرجالي، وتوقف عند الوسادة قبل أن تجلس ابنة عمته، فوضع كفه على حافتها. لم يلمس أحدًا، لكنه سدّ الطريق بوضوح لا يُنازع. قال للفتاة بأدب كامل: «لا، مو هنا.» ولما ابتسمت لمياء تلك الابتسامة التي تريد إخراج الجميع من الحرج، تابع بالنبرة نفسها: «الأسماء تترتب في أي مكان ثاني. هذا المكان يبقى مثل ما هو.»

قالت لمياء: «سالم، الناس تنظر. لا تعقّدها على وسادة.» ردّ وهو ما زال يكلّم الفراغ أكثر مما يكلّمها: «هو معقّد لأنه كل مرة يُغيَّر كأنه ما له صاحبة.» دخلت خالة نوف على آخر الكلمات، ونظرت أولًا إلى يده على حافة الوسادة، ثم إلى هند الواقفة بمفاتيحها. لمياء أسرعت: «أنا فقط أرتب المجلس، والبيت بيتكم.» قال سالم، هذه المرة موجّهًا الكلام لخالته بصيغة احترام صريحة: «وأنا أقول قدّامك: هذا المكان ما يجلس فيه أحد غير هند إذا جلست، وإذا ما جلست يبقى فاضي. ولا أحد يعيد ترتيبه الليلة.»

كانت تلك الجملة أقصى ما يستطيع قوله من غير أن يحوّل الأمر إلى إعلان. لا اسم علاقة، لا وعد، لا شرح. مجرد حدّ نهائي على قطعة قماش ووسادة وقرب من الداخل. لكن ثمنها ظهر فورًا في وجه خالة نوف؛ شدّت فمها قليلًا، والتفتت إلى لمياء لتأخذ منها الصينية بدلًا من أن ترد. اختيار الصمت هنا كان موافقة ناقصة، وموافقة ناقصة تكفي ليعرف البيت أن الاعتراض لن يُكمل طريقه الليلة.

ابنة العمة تراجعت أولًا، لا مذلولة بل محيّدة، وهذا وحده كسر المحاولة. لمياء لم تجد إلا أن تقول ببرود: «مثل ما تشوفون.» ثم سحبت دفتر الأسماء إلى طاولة جانبية بعيدة. لم يلتفت سالم إليها بعدها. أبقى يده ثانية إضافية على حافة الوسادة، ثم رفعها ونظر إلى هند نظرة قصيرة جدًا، كأن القرار صار عندها وحدها الآن: إما أن تقبل مكانًا صانته المواجهة، أو تتركه خاليًا فيثبت غيابه ما هو أكثر.

بقيت العيون على أطرافها؛ لا أحد يريد فضيحة، لكن الجميع يريد تفسيرًا. وهند عرفت أن أي خضوع الآن سيعيدهم إلى لعبة التلطف المؤذي، وأي خطاب طويل سيهدر ما ثبت للتو. مشت حتى الوسادة المحفوظة، ولم تجلس مباشرة. وضعت مفاتيحها على الرف الصغير الملاصق للفاصل، ثم رفعتها مرة أخرى، كأنها تختبر هل هذا الداخل يمكن أن يحمل أثرها من غير إذن مؤقت. بعد ذلك التفتت إلى سالم وقالت بصوت منخفض لكنه واضح: «أنا ما أجلس مكان يُمنح لي دقيقة ويُسحب بكرة. إذا بقي، بقي بطريقته. وإذا تبدل مرة ثانية، أنا أعرف خروجي.»

أومأ مرة واحدة. لم يقترب، ولم يبتسم، فقط قال: «يبقى.» كلمة واحدة، لكنها خرجت من فم رجل قَبِل لتوّه برودة أهله في بقية الليل. عندها فقط جلست هند على الوسادة، ظهرها مستقيم، يداها ساكنتان في حجرها. لم تنظر إلى أحد. وبدأت بقية الحركة في البيت تدور حول هذا الحد الجديد كما لو كان موجودًا من قبل ولم ينتبهوا إليه إلا متأخرين.

لم يطل الأثر بعد ذلك. حين خفّ الزحام واقترب وقت الانصراف، مرّت هند من الصالة الداخلية إلى الممر الصغير حيث الرف الجداري الممتد قرب جلسة العائلة، الرف الذي توضع عليه الأشياء اليومية: علبة عطر سالم، سبحة داكنة، شاحن ملفوف بعجلة، كتاب صغير، ومفتاح سيارة على صحن خزفي. كانت حقيبة ابنة العم قد أُزيلت منه منذ المغرب، وبقي بين أغراض سالم ومسندٍ خشبي صغير فراغ بعرض كفّين، نظيفًا على نحو مقصود، لا مزهرية فيه ولا مناديل ولا شيء يسدّه. رفعت هند مفاتيحها المتأخرة، وضعتها في ذلك الفراغ لحظة، ثم أخذتها ومضت.