Fast Fiction

التي استصغروها علت عليهم

سحبت نوال بطاقة الاسم من صدر الطاولة قبل أن تصل سلمى إليها، ولوّحت بها للنادلة قائلةً بصوت سمعه من في فناء الاستقبال: «هذه للمقعد الجانبي، مو هنا. خلي المكان لأهل البيت.» كانت البطاقة البيضاء لا تزال تحمل أثر ضغط قلم قديم عند الحرف الأخير من اسم سلمى، كأن أحدًا كتبها بعجلة ثم قرر محوها في اللحظة الأخيرة.

توقفت سلمى تحت ضوء المدخل، والحرّ الصاعد من رخام الساحة يلسع قدميها عبر الحذاء. في يدها حقيبة صغيرة، وفي الأخرى إيصال نصف مطوي فتحته وأغلقته طول النهار وهي تراجع قائمة الهدايا والطلبات التي أنهتها بنفسها لأجل هذا الحفل، منذ أرسل فارس سائق الشركة ليأخذ صناديق التمر الفاخر من المستودع حتى اتصلت بقاعة الزهور تتأكد من ترتيب الطاولات. العائلة والأصدقاء يعرفون علاقتها بفارس، ويعرفون أيضًا أن أمّه هي من قالت قبل شهرين أمام النساء: «البنت واقفة معنا.» ومع ذلك رفعت نوال ذقنها كأن سلمى دخلت بغير دعوة.

مدّت النادلة يدها مترددة نحو البطاقة، فسبقتها سلمى وأخذتها بنفسها. قلبتها مرة واحدة، ثم مشت بخط مستقيم إلى آخر صف قريب من الباب الزجاجي حيث وُضع صندوق وجبات بارد على كرسي خدمة، ووضعت البطاقة فوقه بدل أن تسلمها لأحد. قالت دون أن تنظر إلى نوال: «إذا هذا مكاني، خليه واضح من البداية. لا أحد يقول اني تزاحمت على شيء مو لي.» كان الرد باردًا، لكنه لم يكن انسحابًا؛ كان وضع الإهانة في وسط النظر بدل دفنها.

انقطعت ضحكة عند الطاولة القريبة. امرأة مسنّة من قريبات العائلة أنزلت فنجان القهوة ببطء، وشابان من طرف الرجال التفتا من عند الممر المؤدي إلى المجلس. نوال ابتسمت ابتسامة ضيقة، وتقدمت نصف خطوة تستعرض مفاتيح التنظيم في يدها. «الله يحييك يا سلمى، بس الليلة فيها ترتيبات. بنت خالته موجودة، والكبار يبون كل شيء يمشي بأصوله.» ثم أشارت إلى جهة اليمين، حيث كانت فتاة بثوب سكري تقف قرب أم فارس، تُسقى القهوة أولًا وتُفسح لها المقاعد قبل أن تطلب.

عرفت سلمى الفخ فورًا. إن جلست في الطرف البعيد صارت قابلة للاستبعاد. وإن اعترضت بدت كأنها تفتعل مشكلة في خطوبة عائلة نافذة في قطاع الطاقة، عائلة لا تحتمل على سمعتها شرخًا واحدًا أمام الشركاء والوجهاء. لم ترفع صوتها. سحبت الكرسي الجانبي بالفعل، لكنّها لم تجلس. أبقته بارزًا إلى الخارج حتى سدّ نصف الممر، ثم وضعت حقيبتها عليه وقالت للنادلة: «القهوة تُصب لكبار السن أولًا. وأنا أنتظر صاحبة البيت تقول لي بنفـسها وين أجلس.» كانت ضربة صغيرة، مرئية، جعلت الكرسي المهين علامة معلقة لا تُمحى.

وصلت أم فارس في تلك اللحظة من جهة المجلس الداخلي، تتبعها رائحة العود وهدير حديث الرجال بعد صلاة المغرب. كانت امرأة تعرف كيف تزن المسافات بنظرة واحدة. رأت الكرسي المسحوب، ورأت بطاقة الاسم فوق صندوق الوجبات البارد، ورأت نوال واقفة في المنتصف كأنها صاحبة القرار. «وش السالفة؟» سألت، وليس في صوتها لين.

بادرت نوال سريعًا: «لا شيء يا خالتي، فقط نرتب الجلسة. سلمى بتجلس هناك مؤقتًا، لأن بنت خالته—»

قاطعتها أم فارس وهي تلتفت إلى سلمى لا إلى نوال. «يا سلمى، تفضلي عندي.» الكلمة خرجت بلغة لا تُعطى للزائرات العاديات. لم تقل: اجلسي هنا. قالتها كأن المكان ينتظرها أصلًا. ثم مالت النادلة بجسدها كله نحو سلمى قبل أن تصب القهوة، وسحبت امرأة من فريق الضيافة كرسيًا أقرب إلى صدر المجلس بدل الطرف. التفتت الرؤوس مرة ثانية، وهذه المرة أسرع.

تجمّد شيء في وجه نوال، لكنّها تماسكت. ابتسمت للنساء حولها وقالت: «أكيد، تفضل. بس مقاعد الصف الأول محسوبة. فارس بيطلع بعد شوي مع كبار الضيوف، وما نبي أحد يفهم الوضع غلط.» قالت "يفهم الوضع غلط" وهي تنظر إلى سلمى مباشرة؛ محاولة أخيرة لتثبيت الرواية القديمة: أنتِ مؤقتة، قابلة للإزالة، والرسم الحقيقي لم يُعلن بعد.

جلست سلمى حيث أشارت أم فارس، غير أنها أبقت ظهرها مستقيمًا ويدها على طرف الفنجان دون أن تشرب. من موقعها الجديد كانت ترى الفناء كله: الممر الحجري، حافة المجلس، والدرج الصاعد إلى المنصة العائلية التي خُصصت للصور واستقبال كبار النساء. على الدرابزين العلوي انعكس ضوء أصفر باهت، وفي زجاج المصعد الجانبي ظهرت لطخة قديمة من مسح سريع تركت خطوط أصابع باهتة. لم تحتاج إلى مرآة لتعرف كيف يُقرأ وجهها الآن؛ يكفيها أنها لم تُنقل إلى الظل كما أرادت نوال.

ثم دخل فارس.

لم يأتِ منفردًا، بل كان بين والده وعمّه، وقد خفّف مشيه قليلًا احترامًا لخطوات الكبار. بدلة داكنة، ملامح مشدودة، وعلى كتفه ثقل الليلة كلها. مرّ أولًا على الصف الأمامي للرجال، ثم استدار إلى ساحة النساء الواسعة من الممر المخصص للعائلة. في العادة، هذا النوع من الدخول يُحسم سلفًا: من يقف أولًا، من تُسلّم عليه الأم، ومن يُترك للمرحلة التالية. نوال انتبهت قبله بلحظة، فتقدمت إلى عتبة الممر المؤدي للمنصة، ومدّت يدها إلى فتاة الثوب السكري. «تعالي يا هيا، هذا مكانك. فارس بيمر من هنا، ولا يليق يتعطل.»

كان ذلك على مرأى من الجميع: الكبار على أطراف المجلس، الخادمات، الشابات الواقفات قرب القهوة، وحتى اثنان من رجال الأعمال المتأخرين الذين دخلوا للتو من الفناء. محاولة صريحة لتوجيه الممر نفسه، لا مجرد الكلام. هيا خطت خطوة مترددة، وأم فارس لم تتحرك بعد، كأن اللحظة انشدت كلها إلى من سيُفتح له الطريق.

نهضت سلمى.

لم تسرع، ولم تنادِ اسم أحد. فقط أخذت بطاقة اسمها من فوق صندوق الوجبات البارد في طرف الممر، ومشت بها حتى وصلت إلى أول كرسي عند الطاولة المرتفعة المخصصة لأقرب النساء من العائلة. وضعتها هناك أمام الجميع، بحيث صار اسمها في صدر الصف. حركة بسيطة، مكشوفة، لا تحتاج شرحًا. ثم وقفت خلف الكرسي، يدها على ظهره، ونظرت إلى فارس لا إلى نوال.

تبدلت حرارة الفناء في لحظة. نوال شهقت بخفة غضب وتقدمت فورًا. «سلمى، لا تحرجين نفسك. هذا الترتيب مو بيدك.» ومدّت أصابعها لتسحب البطاقة.

جاء صوت فارس قبل أن تلمسها: «اتركيها.»

لم يكن عاليًا، لكنه قطع الساحة كما يقطع السكين خيطًا مشدودًا. وقف عند حافة الممر بين المجلس والفناء، بحيث يراه الرجال والنساء معًا. عمه أبطأ خطوته، وأبوه توقف عند الخلف قليلًا، تاركًا له مساحة الكلمة. نوال سحبت يدها بسرعة، ثم حاولت أن تضحك. «أنا فقط أحافظ على الترتيب، والضيوف—»

تقدم فارس خطوتين، وتجاوز الفتاة التي كانت نوال تدفعها إلى المقدمة دون أن يلتفت إليها. نظر إلى البطاقة أولًا، ثم إلى الكرسي الجانبي البعيد، ثم إلى صندوق الوجبات البارد حيث كان الاسم موضوعًا قبل قليل. رأى كل شيء على الترتيب الذي حاولوا طمسه. قال بوضوح يسمعه من عند آخر صف: «الترتيب يُحافظ عليه لما يكون صحيح. اسم سلمى هنا.»

ثم مد يده، وأخذ بطاقة أخرى كانت أمام المقعد الأول بجوار أم فارس، البطاقة التي خُصصت لهيا، ورفعها أمام الحاضرين ثانية واحدة فقط قبل أن يسلمها لأحد العاملين. «هذا المقعد يُنقل.» التفت إلى مقدم الحفل الواقف عند طرف الممر وقد بدا مرتبكًا بين المجاملة والخوف من الخطأ. «استقبال العائلة يبدأ من سلمى. القهوة، والدخول للمنصة، والصور. أولًا سلمى.»

الضربة لم تكن في الكلام وحده، بل في النظام الذي تحرك بعدها فورًا. مقدم الحفل انحنى بجسده نحو سلمى لا نحو نوال، وقال: «تفضلي يا أستاذة سلمى.» النادلة غيرت مسار الصينية في لحظة، فمرّت أولًا من أمامها. امرأة كبيرة كانت قد مدت يدها إلى هيا، أعادتها وسوّت عباءتها في صمت. وحتى العاملة التي تحمل بطاقات المقاعد أسرعت تبدل الأماكن أمام العيون، فأصبح اسم هيا على الطاولة الثانية، بعيدًا عن صدر المشهد.

احمر وجه نوال حتى بلغ طرفي أذنيها. حاولت أن تمسك آخر خيط من السلطة، فتوجهت إلى أم فارس: «خالتي، مو كذا قدام الناس. البنت الثانية أهلها موجودين، وإحنا وعدناهم—»

لكن فارس لم يترك لها المخرج. استدار قليلًا بحيث صار كلامه على خط سمع الكبار. «الوعود التي لم أقطعها لا تُربطني. والليلة ما فيها مجال أحد يبدّل مكاني ومكاني من أختارها في العلن.» لم يكن اعترافًا غزليًا، بل تثبيت رتبة. ثم أشار إلى الكرسي الجانبي البعيد الذي بدأت القريبات يتجنبن النظر إليه. «ومن الآن، أي تغيير في مقعد سلمى أو طريقها يُحسب تجاوزًا عليّ أنا شخصيًا.»

سقطت الجملة على نوال سقوطًا قاسيًا؛ أغلقت فمها ثم فتحته بلا صوت للحظة. هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث لامرأة بنت نفوذها على تنظيم المسافة بين الناس: أن تُجرّد من حق إعادة التوجيه أمام من كانت تتحكم بهم. حتى هيا، التي جاءت على أمل صامت، تراجعت بنفسها نصف خطوة إلى الخلف، ضامة طرف كمها كأنها تبحث عن مكان أصغر تختفي فيه.

ظنت نوال أن بوسعها على الأقل أن تعرقل المرور إلى المنصة العائلية. هناك، عند أول الدرج، يضيق المسار ويصبح الجسد نفسه حاجزًا. تحركت سريعًا قبل الجميع، ووقفت عند العتبة المؤدية إلى السلم، ورفعت يدها تقول لمقدم الحفل: «خلي الكبار أولًا، وبعدين البنات. هذا أستر وأرتب.» كانت جملة مؤدبة في ظاهرها، لكنها محاولة أخيرة لرد سلمى إلى الخلف، إلى خانة "ثم".

لم تنتظر سلمى أن يتكلم أحد عنها. رفعت بطاقة اسمها من على الكرسي الأمامي، ومشت بها إلى قاعدة الدرج. وضعتها على الطاولة الصغيرة بجانب صينية ماء الورد، في الموضع الذي تُجمع فيه بطاقات أصحاب الأسبقية قبل الصعود. ثم التفتت إلى مقدم الحفل وقالت: «أنا أطلع الآن.» لم ترفع صوتها، لكنها قالتها بصيغة من يعلن حقًا لا يطلب إذنًا.

تردد الرجل، ونظر آليًا إلى نوال، ثم إلى فارس. هنا تحرك فارس أخيرًا إلى جوار سلمى، لا أمامها. أخذ البطاقة بيده ووضعها فوق سائر البطاقات كلها، في الأعلى، بحيث صار اسمها أول ما تراه العين. ثم سحب الحبل المخملي الصغير الذي كان يغلق جهة الصعود، وفتحه بيده نحوها وحدها. «نعم، الآن. سلمى أولًا.» وبعدها، دون أن ينظر إلى نوال، قال لمقدم الحفل: «أي اسم تحتها يبقى تحتها. مفهوم؟»

«مفهوم،» قال الرجل بسرعة، وصار جسمه مائلًا نحو سلمى بحذر احترام.

حاولت نوال الاقتراب، لكن أم فارس وصلت هذه المرة بنفسها، ووقفت على طرف الدرج من الجهة الأخرى. لم تقل سوى: «خلك مكانك يا نوال.» كانت العبارة منخفضة، إلا أن وقعها أفقد نوال حتى حق الشكوى. بدت للحظة كمن اندفعت كثيرًا فاكتشفت أن الأرض لم تعد تحتها.

مد فارس يده لا ليجر سلمى، بل ليترك الخيار واضحًا تحت نظر الجميع. أخذت هي البطاقة منه، وثبتتها بإصبعين فوق الصينية لحظةً، كأنها توقع على موضعها الجديد، ثم مرّت من الفتحة التي فُتحت لها. صعدت الدرجة الأولى وحدها.

وعند بسطة السلم، وضعت يدها على الدرابزين المعدني الذي بقيت عليه لطخات مسح قديمة، وتوقفت نصف ثانية. خلفها مباشرة تجمدت الأجساد: نوال على الدرجة الأدنى، هيا أبعد منها، مقدم الحفل ممسكًا بالحبل المخملي مفتوحًا، وفارس تاركًا المسافة لها. رفعت سلمى طرف عباءتها بيدها الأخرى، وأكملت الصعود أولًا.