Fast Fiction

رجع بعد ما انقفل الباب

دفع خالد باب المجلس بكتفه، ورفع ظرفًا بنيًا فوق صينية التمر وقال بصوت سمعه الرجال قبل السلام: «هذا كان في سيارة سالم من أيام الجامعة، لقيته وأنا أنقل الهدايا.» في اللحظة نفسها أشار خال العروس إلى مروان من طرف المجلس: «أنت يا مروان، خل القهوة تدور أول على الجماعة الكبار، وبعدها شوف مكانك عند الباب.»

امتدت يد مروان إلى الدلة قبل أن يرد. كم قلة فقط تكفي حتى يعرف الرجل مكانه في مجلس مثل هذا: من يُستقبل أولًا، من يُجلس قرب صدر المكان، ومن يبقى واقفًا يحمل فناجين للآخرين. كان كتفه مثقلًا من يوم كامل في موقع تابع لشركة من شركات قطاع الطاقة، والكسرات الحادة في كمّه ما زالت منتهية من وردية طويلة، ومع ذلك وقف كأنه عامل ضيافة مستأجر، لا الرجل الذي كانت العائلة والأصدقاء يعرفون قديمًا أن اسمه يقترن باسم سالم أينما ذُكر التفوق في الجامعة.

سالم كان في صدر المجلس، بقرب عمه وأبي العروس، بشت خفيف على ثوب أبيض وساعة تلمع كلما حرّك يده على ذراع الكنبة. التفت فقط لمحة نحو الظرف، ثم نحو مروان، تلك اللمحة نفسها القديمة: انتبه، لا تفتح شيئًا لا يخدمني. بعد ثانيتين عاد يبتسم للضيوف كأن الأمر لا يعنيه.

خالد، ابن خالة سالم، لم يلتقط الإشارة أو تجاهلها عمدًا. هز الظرف بين أصابعه فصدر منه صوت ورق يابس احتكّ ببعضه. «قلت يمكن يخص ترتيب الجامعة أو شغل قديم. اسم مروان مكتوب عليه من جوّا، مو من برّا. غريب.» ارتفعت رؤوس، لا كلها، لكن بما يكفي. في مجالس الخطوبة، الفضول يمشي تحت الكلام الرسمي مثل نار خفيفة تحت دلة نحاس.

قال خال العروس بلهجة مقصودة: «حطه هناك مع الهدايا، الليلة للفرح مو للأوراق.» ثم التفت إلى سالم بوجه ألين: «تفضل يا ولدي، قرّب أكثر. أنت من أهل البيت.» كانت الجملة محسوبة، ليست ترحيبًا فقط. كانت وزنًا. نقلت سالم من ضيف إلى صاحب حق، وأبقت مروان عند حافة السجاد، قرب الباب الذي يدخل منه المتأخرون وتخرج منه طلبات القهوة.

أخذ مروان الصينية ومشى بين الركب والعباءات والهمس الخافت. بعض الوجوه عرفته، وبعضها تذكره بعد تأخر، لكن أحدًا لم يدعه للجلوس. حتى أم سالم، حين دخلت من خلف الستارة تسأل عن ترتيب هدايا النساء، مرّت بعينيها عليه وقالت للعاملة: «خلّي الصواني الثقيلة مع مروان، هو فاضي الآن.» لم تقلها بغلظة؛ قالتها بلباقة مؤذية، وهي أشد.

وصل إلى سالم أولًا لأن ترتيب المجلس فرض ذلك. مدّ الفنجان، فأخذه سالم من غير أن ينظر إليه مباشرة. قال بخفوت لا يسمعه غيره: «مو وقته.» رد مروان وهو يسحب الدلة: «أنا ما بدأت شيئًا.» لكن العبارة بقيت بينهما مثل شيء قديم عاد من غير إذن.

بعد المغرب بدقائق، خفّت حركة الداخلين، وثبتت المجاملة على إيقاعها. عندها جاء أول انكسار صغير. خالد لم يضع الظرف مع الهدايا. دخل من الممر الجانبي، وقف عند إطار الباب نصف المفتوح، ونادى مروان: «تعال لحظة. هذا من حقك أنت.» لم يكن النداء عاليًا، لكنه كان كافيًا ليجعل سالم يرفع رأسه مرة أخرى، هذه المرة بسرعة.

تقدم مروان، والهواء الحار من الساحة الداخلية ما زال عالقًا عند الممر. أخذ الظرف. كان طرفه مثنيًا من كثرة النقل، وعلى ظهره خط سالم القديم، الخط الذي كان يكتب به عناوين المذكرات والملفات أيام الجامعة. لم يفتح فورًا. رفع عينيه إلى خالد. قال خالد، مرتبكًا: «كان تحت غطاء الاستبنة، ومعه فلاشة صغيرة. شكله محفوظ من زمان.» هنا فقط تحرك سالم من مكانه، ليس كثيرًا، مجرد اعتدال في الجلسة، لكن أباه لاحظه.

قال سالم بنبرة رسمية: «أشياء قديمة، ما لها معنى الليلة.» رد خال العروس، وهو ممن يحبون النظام أكثر من الحقيقة: «إذا ما لها معنى، ليش محفوظة؟» وكان هذا أول ميل خفيف في الهواء لمصلحة مروان. ليس انتصارًا، فقط فتحة.

فتح مروان الظرف. خرجت منه صورة بطاقة ترشيح قديمة باسم مروان، وخطاب من جامعة في دبي لبرنامج ابتعاث، وفوقهما ورقة مطوية مرتين. حين فتحها، عرف الخط قبل الكلمات. سالم. قرأ السطر الأول بصوت منخفض، ثم توقف. كان يكفيه وحده. لكن خالد، الذي صار يشعر أنه جلب شيئًا أكبر من فضوله، قال: «اقرأ إذا فيه سوء فهم وينتهي.» هنا التفتت الأنظار فعلًا.

قرأ مروان دون رفع صوته: «أخفيت عنك خطاب القبول لأن سفرك سيحرق كل شيء. خالك لن يرضى، وأهلي قالوا لن يدخل هذا البيت واحد ما له ظهر. إذا بقيت هنا أقدر أرتب لك وظيفة عندنا، وإذا سافرت بتخسرني وتخسر رضا الجميع.» ثم نزلت عيناه إلى السطر الأخير، وخرجت الكلمات ببرود أشد من الغضب: «سامحني الآن، أفضل من أن تكرهني لاحقًا.»

يد أبي سالم توقفت فوق سبحته. خالد نظر أولًا إلى سالم ثم إلى مروان، كأن الجملة الأخيرة صفعته هو. أما سالم، فثبت وجهه للحظة طويلة زيادة عن اللازم، والزيادة وحدها كانت اعترافًا. لم يقل «هذا قديم» هذه المرة. لم يقل شيئًا.

طيّ مروان الورقة مرة واحدة، لا مرتين. ثم أخرج بطاقة الترشيح ورفعها بين إصبعين. «هذا الخطاب وصلني متأخرًا بعد انتهاء الموعد. يومها قيل لي الجامعة صرفت النظر عني، وقيل لي فوقها إني تراجعت من نفسي لأني ما أتحمل الغربة. كل أحد هنا صدّق الرواية الأسهل.» لم يلتفت إلى سالم حين قالها؛ التفت إلى خال العروس وأبي سالم. «والأسهل دائمًا كان يخليني الأقل.»

تحرك أبو سالم أخيرًا. كان رجلًا يعرف كيف يحفظ الواجهة، لكنه يعرف أيضًا متى تصير الواجهة خسارة. قال إلى خال العروس: «مروان يجلس هنا.» وأشار إلى المكان القريب منه، المكان الذي كان قبل دقيقة لسالم وحده في المعنى إن لم يكن في الجسد. ثم التفت إلى أحد الصغار: «هات القهوة لمروان. لا يقوم أحده.» كانت حركة صغيرة في مجلس كبير، لكنها قلبت السجادة من تحت قراءة واحدة للعلاقة. لم ترفع مروان إلى القلب، لكنها منعته من الوقوف عند الباب.

سالم تكلم أخيرًا، بصوت أخفض من المعتاد: «كنت أحميك من صدام ما كنت تقدر عليه.» رفع مروان الورقة بينهما، لا عاليًا ولا مستعرضًا. «أنت ما حميتني. أنت اخترت عني، وبعدها تركتني آخذ شكل الرجل الذي خاف.» ثم أعاد الخطاب إلى الظرف ووضع الفلاشة فوقه. «والليلة أيضًا، أول شيء سويته لما ظهر هذا، قلت مو وقته. يعني نفس العادة. الحقيقة تنتظر لين ينتهي مقامك.»

لم يرد أحد. فقط تغيّر ترتيب الأشياء. فناجين القهوة بدأت تدور على الصف الذي يجلس فيه مروان قبل أن تصل إلى سالم. وأبو سالم، من غير أن يرفع صوته، قال لابنه: «قم سلّم على الضيوف عند الباب. أهل البيت يعرفون مكانهم إذا اختل الترتيب.» كانت جملة مهذبة، وفيها عقوبة واضحة. الوجه الذي كان في صدر المجلس قبل قليل صار مطلوبًا منه أن يعود إلى الحافة نفسها التي أُوقف عندها مروان.

نهض سالم. بدا أطول مما يجب في تلك المسافة القصيرة، كأن جسده لا يريد أن يصدق الأمر. مرّ قريبًا من مروان، وعلى فكه شدّة الرجل الذي لم يخسر نقاشًا بل خسر الرواية التي عاش عليها. حين وصل إلى الباب، بدأ يسلّم على الداخلين واحدًا واحدًا، وهو الدور الذي أُعطي قبل ساعة لمروان من باب الاستصغار، لا من باب الكرم.

لم يحتج مروان أن يقول أكثر. جلس حيث أُشير له، شرب قهوته بيد ثابتة، والورقة داخل الظرف على ركبته. الحقيقة أعادته إلى مقعد، لا إلى سالم. وهذا كان أوضح من أي انتصار. بعد قليل دخلت النساء من جهتهن إلى صالة الطعام، وتحرك المجلس كله حركة انتقال قصيرة. صار بينه وبين سالم ممر، وطاولة هدايا عند الزاوية، وشريط ذهبي على صندوق متوسط الحجم لم يُكتب عليه اسم المرسل.

جاء سالم إليه عند الممر الجانبي، في وقفة قصيرة عند إطار الباب، حيث لا يسمعهم إلا من تعمد. لم يعد في صوته أثر صدر المجلس. كان يحمل الصندوق نفسه، المحمول بيدين لا بيد واحدة، كأنه أثقل مما هو عليه. قال: «هذا لك. من زمان كان لازم أوصله.» لم يمده فورًا. نظر إلى مروان أولًا، محاولة أخيرة لرؤية باب لم يُغلق تمامًا.

سأل مروان: «وش فيه؟»

قال سالم: «نسخة من توصية الدكتور، والعقد القديم في دبي… وأنا رتبت لك مقابلة الآن. إذا تبي، أرجع كل شيء لمكانه. أقدر.» ثم مدّ الصندوق. الشريط الذهبي شدّ على الغلاف حتى انبسط وسطه تحت أصابعه. «ما أبيك تبقى على قصة مو قصتك.»

كان العرض، لو جاء قبل سنوات، كافيًا ليهز مدينة كاملة داخل صدره. لو جاء قبل ساعة، قبل أن يُجبر على حمل القهوة في مجلس يعرف تاريخه كله، لربما أحدث شرخًا. لكن بعد أن انكشف كل شيء، لم يعد هدية. صار بقايا قدرة. شراء متأخر لحق انتهى وقته.

نظر مروان إلى الصندوق، لا إلى وجه سالم. مد يده، حتى ظن سالم أنه سيأخذه. ثم تجاوز الصندوق وأصلح ياقة ثوبه بهدوء، كأنه يزيح غبارًا لا يخص أحدًا. قال: «المكان رجع. الوقت لا.» ومشى.

سمع خلفه احتكاك ورق التغليف حين تراجعت يد سالم قليلًا ولامست زاوية الطاولة. لم يلتفت. عبر الممر إلى الساحة، حيث الهواء الليلي في الرياض ما زال حارًا لكنه أهون من نفس المجلس. عند الباب الخارجي وقف ثانية فقط ليعيد الظرف البني إلى خالد. «هذا يكفيني.» ثم نزل الدرج إلى سيارته بين صف السيارات الواقفة في الظل، وترك خلفه البيت مضاءً على فرح ناقص من جهة واحدة.

على حافة طاولة الهدايا، بقي الصندوق الذي لم يأخذه أحد. الشريط الذهبي فوقه منضغطًا في منتصفه، مفلطحًا من أثر يدٍ وصلت متأخرة، وظلّ مفلطحًا لا يرتفع.