اسمي ظل هناك
دفعت سلمى صينية الفناجين إلى طرف الطاولة الصغيرة، فسمعت لولوة تقول من خلفها بلهجة مشدودة: "لا، هذا الكرسي خلّيه لبنت خالتي. بطاقة سلمى شيلوها من هنا." كانت البطاقة البيضاء قد انزلقت نصف انزلاق تحت حافة صحن التمر، اسمها مطبوعًا بخط أسود صغير كأنه شيء يجوز دفنه بلا ضجة. شدّت سلمى طرف عباءتها عن معصمها المتعب، وظهر عند ياقة ثوبها خيط الحامل البلاستيكي لبطاقة دوام قديمة، منثنيًا من كثرة ما لُفّ حول الرقبة وفُكّ. رفعت الصينية من جديد ولم تقل شيئًا. الصمت هنا ليس لينًا؛ الصمت في مجلس مثل هذا هو آخر ما يبقى لمن لا يريد أن يترجّى على موضعه.
كانت السهرة في بيت أم فهد شمال الرياض، بعد المغرب بقليل، والحر ما زال معلقًا على زجاج النوافذ رغم عمل المكيفات. الرجال في المجلس الكبير، والنساء في الصالة الداخلية المفتوحة على فناء صغير، وكل شيء موضوع كما لو أن المناسبة عائلية عادية، مع أن العائلة والأصدقاء يعرفون أنها الليلة التي سيُقرأ فيها شكل الخطوبة قبل إعلانها. فهد يعمل في قطاع الطاقة، واسمه يفتح للناس أبوابًا لا تفتح بسهولة؛ وسلمى تعرف هذا جيدًا، ليس لأنها تطمع فيه، بل لأنها منذ سنة كاملة تدفع معه ثمن معرفتهما من أعصابها ووقتها وسمعتها. أوصلت خالتها للمستشفى مرتين، راجعت مع أم فهد ملفات علاجها، وخرجت من مناوبة الجامعة اليوم نفسه إلى البيت بلا استراحة، وإيصال صيدلية نصف مطوي ما زال في كم عباءتها.
مرّت قرب موضعها كأنها لا تراه. الكرسي كان عند الحافة القريبة من أم فهد، لا في الصدر ولا في آخر الصف، موضع محسوب: لا يُعطى لخادمة ضيافة ولا لغريبة مستدعَاة عند الحاجة. الآن البطاقة نصف مخفية، وكوب ماء موضوع مكانها بعناية باردة. وضعت الفناجين على الطاولة وقالت بهدوء: "الشاي خلص." لم تنحنِ لتلتقط بطاقتها. لو انحنت الآن، ستبدو كأنها تجمع ما سقط منها على الأرض.
لولوة التفتت إليها بابتسامة رفيعة لا حرارة فيها. كانت ابنة أخت أم فهد، تتحرك في البيت كأنها مسؤولة عن حفظ هيبته من الأخطاء البشرية. "جزاكِ الله خير،" قالت، ثم مدت يدها إلى البطاقة تريد أن تسحبها كاملًا. في تلك اللحظة دخل فهد من الممر الجانبي، متوقفًا عند نصف الباب كما لو أنه سمع آخر كلمة فقط. لم يرفع صوته، فقط وضع ملف التمور الذي في يده على الطاولة، ثم جذب البطاقة بطرف إصبعين من تحت صحن التمر وأعادها إلى مكانها أمام الكرسي. "هذه هنا." قالها كأنه يصحح ميل فنجان لا أكثر، ثم مضى إلى الداخل.
لم تنظر سلمى إليه فورًا. اكتفت بأنها رأت يد لولوة تتراجع بلا اختيار، والأمل الصغير الذي يجيء بهذه الصورة يكون أخطر من لا أمل كاملًا؛ لأنه يجعل الإهانة التالية أشد وضوحًا. أخذت الصينية الفارغة واتجهت إلى المطبخ. عند عتبة الباب توقفت لحظة، المسافة الصغيرة بين الخروج والبقاء، ثم دخلت.
في المطبخ كانت أم فهد تجلس على كرسي مرتفع قرب الرخامة، تراقب ترتيب الصواني والقدور بقلق امرأة تعرف أن الليالي المهمة تُفسدها تفاصيل صغيرة. رفعت بصرها إلى سلمى، ثم إلى الصينية في يدها. "جلسوك؟"
سلمى وضعت الصينية في الحوض قبل أن تجيب: "لسّه."
أم فهد فهمت أكثر مما قيل، لكن التعب كان آخذًا من ملامحها، وحذر المرض علّمها الاقتصاد حتى في الانتصار. "اقعدي بعد هذا الدور. أنتِ من بدري على رجليك."
قبل أن ترد سلمى، دخلت لولوة وراءها، تمسك بقائمة الضيوف في هاتفها. "خالة، أم عبدالله جات ومعها بنتها. نحتاج نوسّع شوي. الكرسي اللي عندك مناسب لهم، وسلمى تقعد آخر شيء، أو تأخذ صينيتها وترتاح بالمطبخ. أصلًا هي داخلة خارجة."
قالت الجملة الأخيرة وهي تنظر إلى ركبة سلمى لا إلى وجهها، كأن من يحمل الصواني يفقد حق النظر في عيون الآخرين. أم فهد فتحت فمها لتتكلم، لكن سعالًا خفيفًا قطعها. وسلمى عرفت هذا النوع من اللحظات: حين يكون الحق موجودًا، لكن صحته ضعيفة، ووقته أضعف. مسحت يدها بمنشفة صغيرة وقالت: "أنا ما أرتاح في المطبخ." كان هذا كل ما قالته.
التفتت لولوة إليها أخيرًا. "مو راحة. ترتيب. الناس الكبار لهم أولوية."
"وأنا دعوتني أم فهد على الكرسي هذا." قالتها سلمى دون ارتفاع، ثم التقطت إبريق الشاي وخرجت قبل أن تتحول الجملة إلى شرح. لم تنتظر الإذن، ولم تسحب البطاقة بيدها، لكنها أيضًا لم تقبل الصيغة التي وُضعت لها. هذا وحده بدّل الهواء من إيحاء إلى احتكاك.
في الصالة، كان المقعد ما يزال مكانه. جلست على طرفه لحظة لتصب الشاي لأم عبدالله وابنتها حين وصلتا، ثم نهضت لتكمل الضيافة. عين لولوة بقيت معلقة بالبطاقة أكثر من تعلقها بالضيفات. كلما مرّت سلمى من قرب الكرسي، كان وجودها عليه قبل دقيقة واحدة يثقل الورقة البيضاء كأنها صارت ملكًا للجسد الذي مسّها.
بعد أذان العشاء بقليل انقسم الإيقاع. بعض النساء قمن للصلاة، وبعضهن بقين يتحدثن بخفوت. في تلك الفسحة القصيرة، رأت سلمى لولوة تتحرك بسرعة عملية نحو مقعدها ومعها كرسي إضافي صغير. أدخلت الكرسي بين المقعدين، ثم رفعت بطاقة سلمى لتضعها على طرف الطاولة الخلفية بلا اسم واضح ولا ترتيب. لم يكن هذا اقتراحًا الآن؛ كان نزعًا مباشرًا.
وصلت سلمى قبل أن تستقر البطاقة. وضعت الدلة على الصينية المعدنية حتى رنّت رنة قصيرة، ومدت يدها فأمسكت البطاقة من الطرف الآخر. لثانية واحدة بقي الاسم بين أصبعين متقابلين. قالت لولوة ببرود: "لا تعقّدين الليلة."
قالت سلمى: "لا."
كلمة واحدة، لكنها لم تترك مكانًا للتأويل. لم تجذب البطاقة بعنف؛ فقط لم تتركها. نظرت لولوة حولها سريعًا، إلى امرأتين عند الستارة، إلى أم عبدالله التي خفّضت فنجانها، إلى أم فهد التي خرجت من الممر وفي يدها سبحتها. اليد التي تمسك الحق أمام شاهدين تختلف عن اليد نفسها في المطبخ. لولوة تركت البطاقة أولًا، كمن يتخلص من شيء محرج الحرارة.
أخذت سلمى البطاقة وأعادتها أمام كرسيها ببطء ظاهر، ثم وضعت الدلة على الطاولة وجلست. لم تتكئ. جلست مستقيمة، كتفاها مثقلتان من يوم طويل، وثنية الكم عند معصمها ما زالت تحمل أثر الحركة المتكررة في الجامعة والشارع والصيدلية وهذا البيت. لم تقل إنها تعبت، ولم تقل إنها تستحق. وجودها على الكرسي قال ما يكفي، لكن الضغط لم ينتهِ.
أم فهد جلست في موضعها، وبدل أن تسأل مباشرة، قالت للولوة أمام القريبات: "ليش تبدّلتي الترتيب؟" لم يكن في السؤال فضيحة، وهذا ما جعله مؤذيًا. لأن لولوة لم تستطع أن تجيبه بجملة صريحة من نوع: لأنها ليست منا بما يكفي. قالت بدلًا من ذلك: "خالة، الناس ينظرون. الليلة فيها كبار، وفهد..." وسكتت، ثم استدركت: "يعني، إلى أن تتضح الأمور، الأفضل يكون في مسافة."
المسافة. الكلمة التي تبدو مؤدبة وهي تذبح. سلمى شعرت بها كحافة زجاج بارد على الرقبة. أم فهد التفتت إليها ثم إلى الممر الجانبي، كأن القرار صار أثقل من صحتها. في تلك اللحظة دخل فهد مرة أخرى، وقد بدّل ثوبه بعد الصلاة، يمر من طرف الستارة إلى الطاولة التي وُضعت عليها صواني العشاء الفردية. كان هناك صف إرجاع للصواني النظيفة عند الجدار، وكل صينية أسفلها ورقة صغيرة باسم من ستُقدَّم له أولًا قبل أن توزَّع البقية. ترتيب الضيافة هنا ليس مطبخًا؛ هو إعلان دقيق لمن يُحسب من الداخل.
قالت لولوة بسرعة تستبق المشهد: "فهد، خذ صينية إضافية لأم عبدالله وبنتها، ونقل بطاقة سلمى من هذا الموضع. أريح للجميع."
التفت إليها فهد، ثم إلى البطاقة أمام سلمى، ثم إلى أم فهد. لم يرد. أخذ صينية من الصف، ثم توقف. ولو أخذ ثانية ووضعها في مكان جديد لكان كل شيء قد حُسم ضد سلمى تحت اسم اللياقة. الصمت امتد، لا كصمتها الأول، بل كصمت من عليه أن يختار أي إحراج يوزعه على من.
لولوة تقدمت خطوة. "أقول لك من باب الذوق فقط. ما يصلح—"
سلمى نهضت قبل أن تكمل. دفعت كرسيها إلى الخلف مسافة قصيرة مسموعة، وأخذت بطاقتها بيد، والصينية الفارغة الأقرب بيد أخرى. "إذا موضعي يربككم، أنا أطلع الآن." لم يكن تهديدًا دراميًا؛ كان خطًا. الخروج الآن سيترك فراغًا مرئيًا في ترتيب أم فهد، وسيقول ما لا يقال. لكنها قالتها وهي بالفعل تدير جسدها نحو الممر، لا تنتظر استرضاء.
هذا ما أجبر الاختيار على أن يكون حقيقيًا. لو بقيت تطلب أو تفسر، لربحت لولوة زمنًا. أما وهي تتحرك، صار على أحدهم أن يفتح أو يغلق.
قطع فهد المسافة إلى صف الصواني قبل أن تصل سلمى إلى باب المطبخ. سحب الورقة الصغيرة من تحت الصينية المخصصة لآخر ضيفة، قلبها، وكتب بقلم من الطاولة اسمًا سريعًا: سلمى. ثم أخذ بطاقتها من يدها لا ليمحوها، بل ليثبتها تحت الصينية نفسها، ودفع الصينية إلى أول الصف لا آخره، في الموضع الذي يجاور صينية أم فهد مباشرة. بعدها التفت إلى لولوة وقال بلهجة منخفضة لا تحتمل إعادة ترتيب: "هذه لها. وإذا احتجنا كرسيًا آخر نجيب كرسيًا، ما نرفع اسم أحد."
لم يرفع صوته، ولم ينظر حوله ليجمع شهودًا. لكنه اختار مكانًا لا يمكن التراجع عنه بلا قلة أدب ظاهرة: صف الصواني المسماة أمام عين أم فهد وقريبتين والباب نصف المفتوح. إذا سُحبت الصينية الآن، فالمحو لن يعود ترتيبًا؛ سيصير إهانة مقصودة باسمه هو أيضًا. ذلك هو الفارق الذي صنعه.
لولوة فتحت فمها ثم أغلقته. عينها نزلت إلى الاسم المثبت أسفل الصينية، ثم إلى أم فهد. أم فهد لم تقل لولوة ولا قالت سلمى. مدت يدها فقط إلى الصينية المجاورة، وعدّلتها بحيث يتساوى طرفاها، تاركة صينية سلمى في موضعها الجديد كما هي. هذه الحركة الصغيرة كانت ختمًا ثانيًا، لكن الختم الأول كان قد وقع.
بقيت سلمى واقفة، والبطاقة لم تعد في يدها. نظر فهد إليها أخيرًا، لا باعتذار ولا باستعراض، بل بسؤال صامت: هل ستقبلين الموضع إذا ثُبّت هكذا؟ كانت تستطيع أن ترفض وتخرج فتربح كبرياءً جريحًا وحيدًا. لكنها رأت في ترتيب الصواني ما لم تره في الكلمات كلها خلال الأشهر الماضية: موضعًا محفوظًا لا مجاملة عابرة. مدت يدها إلى الصينية التي تحمل اسمها، وسحبتها من الصف ببطء، ثم عادت إلى كرسيها ووضعتها أمامه. لم تجلس فورًا. أخرجت من كم عباءتها الإيصال نصف المطوي، نظرت إليه لحظة كأنه ورقة من يومٍ آخر لا يخص هذه الليلة، ثم دسّته في حقيبتها. بعدها جلست.
اقترب فهد خطوة واحدة فقط، تكفي لأن يراها وحدها لا الصالة. قال: "مكانك لا ينعطى بالصدفة." جملة قصيرة، لا وعد فيها ولا عرض مسرحي. لكنها غيّرت حد العلاقة على الصفحة نفسها؛ لم تعد هي من تحرس وجودها وحدها بينما الآخرون يختبرون قدرتهم على محوه.
لم تبتسم سلمى. قالت: "ولا يُسحب بهدوء." ثم رفعت الصينية أمامها كأنها تستلم ما خُصص لها من البداية. كان هذا جوابها، وختمها هي. لا شكر زائد، لا دمعة تعفو عن الإهانة، لا تسوية مجانية.
تتابع العشاء بعد ذلك على هيئة أفعال صغيرة: فناجين تنتقل، ملاعق تصطك بخفة، صوت المكيف، ومرور ظل من الفناء إلى الستارة. لكن الترتيب الجديد بقي ثابتًا، وكل من اضطر أن يلتف حوله التفّ حوله هو، لا حول غيابها. وعندما خفّ الزحام، حملت سلمى صينيتها بنفسها إلى صف إرجاع الصواني عند الجدار الداخلي.
وقفت لحظة أمام الخط المعدني الضيق الذي تعود إليه الصواني بعد الاستعمال. كانت المواضع قد امتلأت ثم فرغت، وعاد كل شيء إلى سكون الخدمة المعتاد. وضعت صينيتها في المكان الذي تركه لها فهد أول مرة، تحت الورقة الصغيرة المثبتة باسمها، ثم سوت حافتها حتى رجعت إلى نفس موضعها في الصف، وبقيت هناك محمّلة بوزنها وآثار دعوتها.