مقعد الأمر رجع لها
صرخ فهد في عامل الرافعة: «لا تطلع المنصة الثالثة، وقفها!» فتجمدت العربة عند حافة الرصيف، وانحبست خلفها عربتان محملتان بصناديق مختومة بشعار شركة من قطاع الطاقة، بينما ظل باب الشاحنة نصف مفتوح لا هو انغلق ولا هو أخذ أمر الإفراج. كانت مريم واقفة عند طرف الممر الخلفي، كتفها متيبس من نهاية نوبة طويلة، وبطاقة الدخول في يدها ذات الحافة المهترئة تضرب على فخذها مع كل خطوة. رأت الخطأ قبل أن يكتمل: فهد مسك جهاز النداء وكرسي محطة الإفراج، وبدل أن يخرج الحمولة الأولى ربطها بورقة تحميل خاطئة ووقف الخط كله. لم تقل له: أنت لا تعرف. مشت إلى الباب، جذبت مزلاج الأمان العالق من أسفله بحركة سريعة، فانفك نصف التعليق وتحرك الباب شبرًا. أول انفراج صغير، لكن الكرسي بقي تحته.
قالت من غير ما ترفع صوتها: «المنصة الثالثة تبع شاحنة وادي السلم، مو تبع الشرقية.» التفت لها فهد من فوق الكرسي المعدني كأنه يطالع عاملة مؤقتة دخلت في ما لا يعنيها. قال: «أنا ماسك الإفراج اليوم. إذا عندك ملاحظة، قوليها لسالم.» لكن سالم كان واقفًا عند حافة الرصيف، يبدل نظره بين الشاحنات والسائقين الذين بدأوا ينزلون من سياراتهم تحت حر الظهيرة عند البوابة الخلفية. واحد يضرب كفًا بكف، وآخر يرفع ورقة التسليم، وثالث يسأل عن دوره للمرة الثانية. التأخير هنا لا يبقى داخليًا؛ يطلع على الوجوه بسرعة.
جاء مندوب العميل بسترته المكوية، وقف عند ظل العمود القريب، وقال ببرود جاف: «عندنا نافذة استلام محددة. إذا فاتتنا، يرجع الموضوع على الكل.» سمعته مريم ولم تلتفت إليه. التفتت فقط حين سمعت اسم أبو راشد في فم سالم. قال سالم لفهد بصوت منخفض لم ينجح في خفضه: «ترى الحمولة هذه على وجه أبو راشد. هو اللي زكى مريم من أول، وإذا انفضح الخط قدامهم ما تضرب فينا بس.» شد فهد على جهاز النداء أكثر، ثم قال بعناد مستعرض: «أبو راشد مو هنا. وأنا المسؤول الآن.»
كان هذا هو الظلم الحقيقي؛ ليس أن يُهمَّش الجيد، بل أن يُسند الخط الحي لمن يحسن الوقوف في الواجهة فقط. أبو راشد، كبير المشرفين، هو خال أم مريم، والعائلة والأصدقاء يعرفون أنه يوم دخلت هذا المركز قال لهم في مجلس البيت: «البنت هذه تمسك خط لو عطيتوها خط.» ثم سكت حين أزيحت عن محطة الإفراج بحجة «تنظيم الهيكل». السكوت صار اليوم معروضًا على الرصيف كله.
تحركت مريم إلى عربة الصف الأول، راجعت بعين واحدة أرقام المنصات، وبالأخرى وجوه السائقين. قالت لسائق الشاحنة الأولى: «ارجع نص متر فقط.» ثم أشارت للعامل عند الباب: «لا ترفع إلا بعد إشارة مني.» كان هذا تدخلًا عمليًا صغيرًا، لكنه واضح بما يكفي ليجرح استعراض فهد؛ فالعربة تحركت بأمرها لا بأمره، وفتح لها العامل مسافة عند إطار الباب كأن الممر نفسه يعرف صوت صاحبه. فهد رآها، فخبط على الطاولة المعدنية بطرف القلم وقال: «قلت لا أحد يتحرك إلا من عندي.»
رد عليه المندوب هذه المرة: «من عندك أو من عند غيرك، أنا أبي حمولة تطلع.» وتبعته نورة من استراحة المشرفين، تحمل صينية قهوة لم يلمسها أحد، وقالت وهي تضعها على الطاولة الجانبية: «أذان الظهر قرب. إذا وقف الخط قبل الصلاة وبعدها، راحت النافذة.» هذا النوع من الكلام لا يجرح فهد مباشرة، لكنه يسحب من تحته بساط الوقار؛ فالوقت هنا صار أضيق من كبريائه.
أعاد فهد ترتيب الأوراق بعصبية، ثم نادى عبر الجهاز نداءً مرتبكًا أعاد فيه رقم المنصة نفسها لشاحنتين مختلفتين. خرج صوت تشويش ثم رد عامل الرافعة: «نعتمد أي واحدة؟» سكت فهد نصف ثانية، وهي نصف ثانية كافية على رصيف مزدحم لتفضح الجهل. العربة المعلقة بقيت في الهواء، والسائق الأول نزل من مقصورته ومشى نحو الباب بخطوات غاضبة. سالم قرب أكثر وقال لفهد: «احسم.» قال فهد: «اصبروا.» قالت مريم من جانبه: «إذا ما نزلتها الآن، تعلق الثانية والثالثة كلها.» قال لها من بين أسنانه: «لا تلقنينّي شغلي.»
ثم وقع ما لا يقدر على تغطيته بالكلام. انزلقت إحدى الصناديق نصف شبر فوق المنصة لأن الرافعة توقفت في موضع سيئ، فصرخ العامل وركض اثنان يثبتان الحمل. ارتطم الخشب بالحاجز، وسمع طقطقة حادة التفت لها الجميع دفعة واحدة. الضرر لم يكن انهيارًا، لكنه صار مرئيًا: شريط التغليف انشق، والزمن انشق معه. رفع مندوب العميل هاتفه لا ليصور، بل ليتصل، وذلك أسوأ.
مد سالم يده مباشرة إلى جهاز النداء عند قبضة فهد. «أعطها مريم.» تراجع فهد خطوة وهو ما يزال جالسًا، وقال: «أنا أضبطها.» لكن عامل الرافعة صاح من جديد: «الحمل معلق! من يفك الترتيب الآن؟» في تلك اللحظة لم تعد السلطة شكلًا. قام فهد بعجلة، فاصطدم الكرسي بحافة الطاولة، وسقطت من يده أوراق الإفراج. مد الجهاز إلى سالم أولًا، كأنه يريد أن يخسر أقل قدر من الوجه، إلا أن سالم لم يأخذه. أشار بحدة إلى مريم. فاضطر فهد أن يمده لها مباشرة. أخذته مريم من يده وهو ما يزال دافئًا من كفه، وسحبت معه بطاقة المنصات الممغنطة المعلقة على طرف المحطة. تسليم جسدي، عاجل، مكشوف. كرسي الإفراج لم يعد له حتى قبل أن تجلس.
جلست مريم ولم تضيع ثانية في النظر إلى أحد. ضغطت على القناة الصحيحة، وقالت بصوت ثابت: «أنزل المنصة الثالثة فورًا على الأرض. الثانية ترجع خلف الخط الأصفر. الأولى تتقدم وحدها إلى الباب اثنين.» جاء الرد سريعًا هذه المرة. تحركت العربة المعلقة إلى أسفل، فانفك أول اختناق. ثم قلبت مريم ورقة الترتيب، ورأت السلسلة الخطأ كلها: فهد لم يبدل منصتين فقط، بل غيّر أولوية الإفراج كاملة، ودفع حمولة متأخرة فوق حمولة نافذتها أقرب. إذا أصلحت السقوط وتركَت الترتيب، سيعود الشلل بعد دقيقتين. رفعت رأسها إلى العاملين: «اسمعوا جيدًا. حمولة الشرقية تروح للممر الجانبي. وادي السلم على الباب اثنين الآن. الصناديق الزرقاء لا تطلع قبل ختم المستند الأحمر.» كان كلامها قصيرًا وماديًا، كأنه يزيح قطعًا عالقة من تروس ماكينة، لا يشرح ولا يعتذر.
تحرك الخط. عربة رجعت. باب انغلق تمامًا ثم انفتح على قياس الحمولة الجديدة. سائق كان يضرب بقدمه الأرض قبل دقيقة، رجع يركب مقصورته بلا كلمة. مندوب العميل خفض هاتفه أخيرًا، لكن مريم لم تمنحه نظرة انتصار. التفتت فقط حين رأَت فهد يقترب من الطاولة محاولًا استرداد بعض المساحة بصوت أعلى من الحاجة. قال: «خليني أراجع آخر حمولة، هذه فيها تبديل مسار.» لم ترد عليه بالكلام. مدت يدها وسحبت دفتر الإفراج من تحت كفه قبل أن يفتحه، ووضعته إلى يسار المحطة، في الجهة التي صارت لها. حركة صغيرة، لكنها أوجعت أكثر من الخصام؛ لأنها أعادت ترتيب الأشياء أمام الناس وفق صاحبها الحقيقي.
وصل أبو راشد متأخرًا من جهة المصلى، غترته ما تزال مرتبة بعناية، ومفتاح المكتب الذي تأخر إرجاعه من الصباح معلق في أصبعه. وقف عند عتبة الباب نصف المفتوح، تلك الوقفة القصيرة في إطار الباب التي تسبق الحكم أحيانًا أكثر مما تسبق الكلام. نظر إلى الرصيف، فرأى مريم على كرسي الإفراج، والجهاز في يدها، والخط يتحرك. ثم رأى فهد واقفًا على الجانب كمن جاء ليسأل عن دوره بعد أن بدأ العرض بوقت طويل. قال أبو راشد فقط: «كم بقي؟» قالت مريم: «حمولة أخيرة عند الحافة. إذا طلعت صح لحقنا النافذة.» هز رأسه مرة واحدة. لم يزد. لكن سكوته هذه المرة لم يشبه سكوته القديم.
الحمولة الأخيرة كانت الأسوأ. منصة ثقيلة وقفت عند طرف الرصيف، نصفها داخل المظلة ونصفها تحت الشمس، والشاحنة المخصصة لها وصلت متأخرة فاختلط مسارها بمسار العربة الراجعة من الباب اثنين. العامل الجديد تردد عند الإشارة، وباب الرصيف الرابع كان على وضع القفل لأن فهد قبل قليل أعطى أمرًا خاطئًا بإغلاقه. لو فتحت الباب الخطأ الآن، ستدخل المنصة في ممر ضيق وتحتك بالحاجز، ولو تأخرت أكثر، ستضيع نافذة العميل نهائيًا. قال سالم: «الباب الرابع مقفول من النظام اليدوي.» قالت نورة من طرف الطاولة: «والسائق عند الحافة، يقول ما يتحرك إلا بأمر إفراج صريح.» كل شيء اجتمع في موضع واحد: الباب، المنصة، السائق، والجهاز.
تقدم فهد خطوة كأن آخر ما بقي له هو أن يتكلم قبل أن يسقط تمامًا. قال بسرعة: «خلّوها على الباب ثلاثة، أسهل.» رفعت مريم عينيها إليه لأول مرة منذ جلست. لم يكن في وجهها غضب، وهذا ما هزّه أكثر. قالت: «الباب ثلاثة يستقبل المرتجع، مو خروج.» قال محاولًا الدفاع عن نفسه أمام أبو راشد والمندوب: «يمشيها الآن وبعدها نصحح الورق.» هنا خرجت المشكلة من دائرة الإرباك إلى دائرة الفضيحة المهنية. تصحيح الورق بعد الحركة في مركز تموين تابع لقطاع الطاقة ليس زلة لسان؛ هو كسر ترتيب كامل. رأى أبو راشد ذلك، ورآه سالم، وحتى السائق عند الحافة فهمه من نبرة الصوت. تقلص فهد في مكانه نصف خطوة من غير أن ينتبه.
نهضت مريم من الكرسي قبل أن ينهض أحد ليفسح لها الطريق. أخذت بطاقة التحكم الممغنطة من المشبك الأمامي للمحطة، وهي العلامة التي لا يفتح القفل اليدوي من دونها، وأخذت جهاز النداء معها. هذا هو الشيء الذي ظل في يد غيرها منذ بداية النوبة: علامة الإفراج نفسها. مشت إلى الرصيف الرابع، ووقفت عند القفل المعدني. حاول فهد أن يلحق بها قائلاً: «أنا فتحت هذا الصباح، أعرفه.» لكنها أدخلت البطاقة قبله، لفتها، وجذبت المقبض نزلة واحدة. طقطق القفل وارتد الباب إلى الأعلى. انكشفت الحارة الخلفية دفعة واحدة، والهواء الحار دخل مع الضوء مثل صفعة على وجه التأخير كله.
رفعت الجهاز إلى فمها: «المنصة الأخيرة على الباب أربعة الآن. الشاحنة البيضاء تتقدم مستقيم. العربة الراجعة توقف عند الخط الأصفر ولا أحد يقطع الممر.» جاءها رد العامل: «تم.» تحركت الرافعة، لكن السائق عند الحافة ما زال مترددًا لأن أمر الإفراج النهائي لم يسجل بعد. كان فهد يحمل الختم المعدني الصغير في جيبه، آخر بقايا سلطته، وكأنه تعمد أن يبقيها هناك. نظر حوله بسرعة، ثم أخرج الختم متأخرًا كمن يناور على ما تبقى من وجهه. مد يده ليمرره إلى سالم. قالت مريم: «لي هنا.» سمعها الجميع، لأن بقية الأصوات في تلك الثانية انخفضت أمام ثقل القرار. نظر فهد إلى سالم، إلى أبو راشد، إلى الباب المفتوح، إلى المنصة التي تنتظر، ثم اضطر أن يضع الختم في يدها. لم تعد مجرد منسقة تساعد؛ صار عليه أن يسلّمها آخر أداة تثبت من يملك الأمر.
ختمت ورقة الإفراج على طرف المنصة نفسها، لا على الطاولة، حتى يرى السائق والعامل والمندوب أين انتقلت السلطة. ثم رفعت الورقة بيد، والجهاز بالأخرى، وقالت عبر القناة المفتوحة: «إفراج نهائي للحمولة الأخيرة. المسار أربعة إلى المخرج الشرقي. تحريك الآن.» استجابت العربة فورًا، دارت عجلاتها الثقيلة، وانزلقت المنصة داخل الشاحنة من دون احتكاك. انغلق الباب على دفعة واحدة نظيفة، وتبعته الشاحنة إلى خارج الرصيف. في اللحظة نفسها بقي فهد واقفًا قرب المحطة الفارغة، لا جهاز في يده، ولا دفتر تحت كفه، ولا حتى باب يخطئ فيه. انكمش حضوره كما ينكمش ظل عمود حين يضربه الضوء من أعلى.
رجعت مريم إلى الممر الخلفي بين الرصيفين، حيث تمر العربات الفارغة بعد التحميل. لم تجلس هذه المرة. علقت بطاقة التحكم في مشبك سترتها، وأعادت ترتيب القناة على جهاز النداء بنقرة واحدة قصيرة. تحركت عربة فارغة من جانبها إلى الممر الصافي، وانسحب التشويش من السماعة شيئًا فشيئًا. ضغطت الزر وقالت: «كمّلوا على هذا المسار.» ثم جاءت طقة الجهاز حادة في الممر الخلفي، وتلاها صفير ساكن ينطفئ.