حملنا الثقل نفسه بعد العطب
دفعت مها الصندوق المعدني بقدمها تحت الطاولة في اللحظة نفسها التي انزلقت فيها علبة القهوة الكبيرة من حافة المنضدة، وخطفتها بكفها قبل أن تنقلب على جهاز التحكم. لسعت أصابعها سخونة المعدن، وانسكب خيط بني على كم عباءتها فقط. رفعت رأسها، فوجدت سالم يزم شفتيه كأنه ضبطها تسرق لا كأنها منعت تماساً كان سيطفئ شاشة المتابعة كلها.
قال بحدّة منخفضة أمام رجلين من التشغيل: «مين طلب منك تلمسينه؟ هذا ركن فهد، مو شغلك.»
سحبت مها يدها، ومسحت طرف المنضدة بمنديل من عندها. بطاقتها المعلقة في شريطها الباهت ارتطمت بصدرها ثم هدأت. على الطاولة قربها علبة طعام باردة لم تفتح إلا نصف فتحة، والأرز فيها تيبّس من طول النهار. كانت مناوبتها الثالثة هذا الأسبوع بدل موظفة مريضة، ومع ذلك جاء التوبيخ كأنه راتبها الحقيقي.
دخل فهد من الممر الزجاجي وهو يرد على مكالمة، وشاهد أثر القهوة على السطح اللامع وعلى كمها. التفت إلى سالم. «وش صار؟»
أجابه سالم بسرعة جاهزة: «تجاوزت حدودها. قلت لها لا تقربين من لوحة التحويل. الحمد لله لحقناها قبل تكبر.»
لم تنظر مها إلى فهد. اكتفت بأن وضعت العلبة الثقيلة في مكان أبعد عن الحافة، وعدّلت السلك الذي كان معرّى عند المفصل بقطعة شريط كانت في درجها. حركة صغيرة، عملية، ثم وقفت ساكتة. هذا ما تعرفه: تصلح أولاً، وتُمحى بعد ذلك.
قال فهد، وعينه على الشريط أكثر من وجهها: «من الآن ما أحد يلمس تجهيزات الموقع إلا بإذن واضح.» كانت الجملة لها، حتى لو لم يذكر اسمها. هزّت رأسها مرة واحدة. لكن حين دوّى تنبيه أحمر على الشاشة الجانبية، والتفت سالم مرتبكاً، كانت هي أول من عرف أن مشكلة التسريب الكهربائي لم تُلحق، بل تأجلت فقط.
بعد صلاة المغرب بقليل، صعدت رائحة الإسفلت الساخن من المواقف كأن النهار لم يبرد. أرسلوا مها وفهد إلى الموقع التجريبي شمال الرياض لأن القراءة اختفت من وحدة إنارة الطوارئ في الساحة الخلفية، والوحدة مرتبطة بزيارة صباحية لوفد من جهة ممولة. في السيارة ساد صمت يابس، لا يقطعه إلا صوت المكيف. انعكست صورتهما على مرآة المصعد في المبنى الخدمي لاحقاً؛ لطخات أصابع قديمة على المعدن شوّهت وجهيهما حتى بدا كل واحد منهما أقل وضوحاً من تعبه.
في المخزن الخلفي، وجدوا السبب أسرع مما توقعوا: كيبل تغذية احترق عند نقطة رطبة، ومعه صندوق فوانيس احتياطية لم يثبت جيداً. قال فهد وهو يجثو يفحص القاطع: «لو طاحت هذي الصناديق في الصباح قدام الوفد، انتهى كل شيء.» ثم أضاف من دون أن يرفع رأسه: «أنتِ شفتِ الخلل من بدري؟»
«شفته في المكتب قبل ما يبين لكم،» قالتها من غير مرارة ظاهرة، ومدّت له المصباح اليدوي. «لكن واضح إن هذا بعد ما عاد يفرق.»
ساد لحظة قصيرة، ثم تناول المصباح منها. لم يعتذر. لكنه قال: «أمسكي السلم.» كان هذا أول شيء يشبه الإنصاف؛ لم يرسلها للخارج، ولم يتركها وحدها مع نتيجة الغلط. حملت قاعدة السلم بكلتا يديها بينما صعد، والحديد يرتج على كفّيها. حين مال الصندوق العلوي، قفزت تلقائياً وسندته بكتفها. نزل فهد خطوة وشاركها الوزن قبل أن ينفلت. اصطدمت ذراعه بذراعها، وثبت الحمل بينهما.
قال بخشونة أقل: «لا تتركينه.» ردت: «لو كنت أترك، كان تركته من أول النهار.»
أنزلوا الصندوق إلى الأرض، وبدؤوا فرز الفوانيس السليمة من المعطوبة. لم يعد بينهما كلام كثير، بل أوامر قصيرة وعمل متتابع: هذا السلك يُقص، هذه البطارية تُفصل، هذا الهيكل يُنظَّف من أثر الرطوبة. ومع كل حركة كانت مها ترى ما لم ترده أن تراه: فهد ليس متعالياً بالفطرة كما ظنّت، بل ابن منظومة يخاف فيها كل واحد على اسمه أولاً. لكنه مع ذلك تركها تُرمى تحت الكلام في الصباح، وهذا لم يسقط بمجرد أنه صار يعتمد على يدها الآن.
رن هاتفه، فنظر إلى الشاشة ثم أغلقه. بعد دقائق رن مرة ثانية، وهذه المرة لمحَت اسم أمه قبل أن يطفئه. قالت من غير أن تنظر إليه: «إذا عندك ارتباط، امشِ. أكمل قد ما أقدر.»
قال: «اليوم عشاء عند خالي. والعائلة والأصدقاء يعرفون... تعرفين الوضع. تأخري معي هنا بيصير له وجه ثاني لو اختفى اسمي.»
رفعت فانوساً وفتحت غطاءه بأثر قلم قديم على إصبعها الإبهام، من كثرة ما تضغط الأقفال المعدنية. «إذن امشِ. خليهم يقولون إن موظفة صغيرة خربت ورتبت بعد الخراب. هذي الرواية مرتبة لكم من الصباح.»
هذه المرة نظر إليها مباشرة. ثم عاد الهاتف يرن، فرفع المكالمة وقال بهدوء حاسم: «تفضلون بدوني على العشاء. عندي عطل في الموقع ولن أتركه الليلة.» سمعَت من الطرف الآخر اعتراضاً نسائياً مرتفعاً، فابتعد خطوة، لكنه لم يخفف العبارة ولم يبحث عن عذر ألطف. أنهى الاتصال وعاد. كان قراره مكلفاً بما يكفي ليُرى.
لم تقل شكراً. فقط دفعت إليه لفافة الشريط العازل. أخذها من يدها، وجلسا على الأرض الإسمنتية بين الصناديق المفتوحة. بعد قليل جاء سالم بنفسه، وقد بدا عليه الضيق من كونه اضطر للحضور. وقف عند الباب ونظر أولاً إلى فهد، لا إلى الفوضى. «ليش لسه هي هنا؟ كان يكفي تحصرون الضرر وترفعون تقرير.»
مسحت مها يديها في منديل، وهمّت أن تقف، لكن فهد سبقها بالكلام. «هي هنا لأن الشغل ما ينتهي بدونها.»
ابتسم سالم ابتسامة مشدودة. «ما ينفع نخلي الصورة كذا. لو أحد من الإدارة شاف—»
قاطعه فهد وهو يمد يده إلى سجل الموقع: «إذا أحد شاف، يشوفني أنا طالب بقاءها. والرفع يطلع باسمي وباسمها. وإذا عندك ملاحظة، قولها على الخلل اللي تركته الصناديق من غير تثبيت.»
لم تكن جملة عالية، لكن أثرها كان واضحاً. سالم لم يدخل بعد ذلك إلى الداخل، وبقي عند العتبة لحظة كمن مُنع من مجلس يعرف أنه اعتاد الجلوس في صدره، ثم استدار. شعرت مها بشيء ينفك داخل صدرها، ليس ثقة كاملة، بل ذلك النوع الأصعب: أن يتغيّر موضعك في الغرفة قبل أن يتغيّر الكلام عنك خارجها.
ما قبل العاشرة بقليل، بدت الأمور تحت السيطرة. ثلاث فوانيس صالحة، سلك بديل، وقاطع مؤقت حتى تأتي القطعة الأصلية فجراً. ثم انطفأت الإضاءة في الساحة كلها دفعة واحدة. اهتز المبنى الخدمي على صمت مفاجئ، واندفع من غرفة المضخات صوت إنذار حاد. التفت فهد إلى الشاشة المحمولة، ثم إلى الباب الخارجي. «التحميل الزائد سحب الخط الاحتياطي. إذا ما ثبتنا الفوانيس اليدوية عند الممر والخزان الآن، أي واحد يدخل الفجر بيشوف موقعاً أعمى.»
والأسوأ أن الصندوق الأخير، الممتلئ بوحدات الإنارة القابلة للشحن، كان نصف مكسور القاعدة، ولا يُحمل بأمان من طرف واحد. الممر الخارجي ضيق، وفيه درج خدمة ينزل إلى المنصة السفلية قرب الخزان. نظرت مها إلى الصندوق، ثم إلى فهد. هذا هو النوع من الأعباء الذي يفضح الناس: إما أن يحملوه معاً، أو يترك كل واحد اسمه ينجو وحده والشيء يسقط بينهما.
قال فهد بسرعة: «أمسكه من الجهتين ونطلع من الممر العلوي.»
هزّت رأسها بالنفي. «القاعدة متشققة. لو رفعناه كذا انفتح من النص. لازم حزام.»
جثت على الأرض، سحبت من صندوق الأدوات رباطاً قماشياً عريضاً كان مخصصاً لتثبيت الأسطوانات الصغيرة، ومررته تحت الصندوق وحول جانبيه. أصابعها كانت أسرع من ارتباكه. شدّت العقدة، ثم وقفت وقالت: «أنا آخذ جهة الشريط. أنت امسك القاعدة من تحت، لا من الحافة. وإذا مال، لا ترفعه بعناد، نزله معي.»
كان يمكنه أن يجادل بحكم الرتبة. لم يفعل. انحنى والتزم بما قالت. حين رفعا الصندوق، أصدر البلاستيك المتصدع أنيناً خفيفاً، وشعرت مها بالوزن يهبط في كتفها حتى كاد يخلعها. تقدّمَا ببطء في الممر الخلفي، ضوء الهاتف يهتز على الجدار، والهواء الحار يدخل من الباب المعدني المفتوح. عند أول منعطف انزلقت قدم فهد على أثر ماء قديم، فاختل الحمل كله ناحية مها. صكّت أسنانها، وارتفع الشريط في كفها حتى حفر الجلد.
قالت بحدّة مكبوتة: «نزله... الحين.»
لكنه ثبت ركبته على الحافة الإسمنتية، ولم يترك القاعدة. نزل الحمل معها بقدر ما يسمح التوازن، ثم أعاد ترتيبه تحت ذراعه. رفع رأسه إليها، والنور الأزرق من الهاتف يقطع نصف وجهه. «أنا معك. أعيدي العد.»
شيء في العبارة، لبساطتها، أوقف الغضب عن الانفجار. قالت: «واحد... اثنين... الآن.»
تحركا من جديد. عند درج الخدمة كان النزول أصعب؛ الدرابزين من جهة واحدة فقط، والصندوق عريض. نزلت مها أولاً إلى الدرجة التالية وهي تشد الشريط على كتفها، ثم مدت ذراعها الخلفية لتأخذ الوزن قبل أن يفقد فهد زاويته. هو من فوق يسند القاعدة بجسمه كله، وحين اصطدمت الزاوية بالحائط لم يلعن ولم يتركها تتلقى الصدمة وحدها؛ لف كتفه ودفع بجانبه حتى مرّت. في الأسفل كان الخزان يقف في الظلام ككتلة سوداء، والإنذار ما زال يقطع الهواء.
وضعا الصندوق على المنصة أخيراً، لكن العمل الحقيقي بدأ هناك. لا يكفي حمل وحدات الإنارة؛ كان عليهم تثبيتها سريعاً على أربع نقاط: عند باب المضخات، طرف الممر، حافة الدرج، وقرب الخزان حيث سيقف المفتشون صباحاً. فتح فهد الصندوق، ومدّت مها له أول فانوس مضاء. كان الضوء الأصفر يهتز بين يديهما، صغيراً ومكابراً. ثبت الأول، ثم الثاني. عند الثالث انكسر المشبك، فأمسكته مها بيدها بينما لفّ هو السلك حول العمود وثبّته بعقدة مزدوجة. كانا يعملان في جملة واحدة من دون كلام زائد؛ هي تسبق بالعقدة، وهو يكمل بالشد، أو العكس.
فجأة سمعا صوت سيارة تتوقف عند الساحة الأمامية. قال فهد من غير أن يلتفت: «يمكن سالم رجع مع أحد.»
قالت مها وهي تمسك الفانوس الرابع قرب الخزان: «إذا دخلوا الآن، بيكتبون القصة على كيفهم قبل ما يشتغل الضوء.»
نظرت إلى العمود الأخير. المشبك المخصص له مفقود، والسطح المعدني مبتل. لو تُرك الفانوس أرضاً فلن يكفي مدى نوره. رفعت مها الفانوس أعلى من كتفها، ثم صعدت على الحافة الخرسانية الضيقة. التوى الشريط الباهت لبطاقتها عند عنقها، وارتطم صدرها بالعمود. قال فهد فوراً: «انزلي، خطر.»
لم تنزل. مدت الفانوس بيدها اليمنى، وقالت: «ارفعني من أسفل الصندوق الاحتياطي. بس لا تلمس النور.»
كانت هذه حدودها التي اختارتها: ليست استعراضاً، بل القرار الذي يفتح ثغرة أخيرة. سحب فهد صندوقاً فارغاً، ثبته بقدمه، ووقف ملاصقاً للعمود من الجهة الثانية لا ليأخذ مكانها، بل ليمنع سقوطها. ارتفعت قليلاً، علّقت الحلقة المعدنية على بروز صغير، لكن الضوء مال. في اللحظة نفسها أمسك فهد قاعدة الفانوس من تحت، وأبقت مها يدها على المقبض حتى استقام. بقيا هكذا ثانية طويلة، كل واحد يحمل الجزء الذي لو تركه لسقط الضوء.
انفك الإنذار. اشتعل الممر بنقاط صفراء متتابعة من أعلى الدرج إلى طرف الخزان. لم تكن إنارة كاملة، لكنها كافية لتكشف الطريق وتغطي عيب الليلة حتى الصباح. سمعا خطوات عند الباب الخلفي ثم توقفت؛ أحدهم رأى ما يكفي ليعرف أن الموقع لم يمت. لم يلتفتا.
نزلت مها أولاً. لم تقل شيئاً، فقط أخذت الصندوق الفارغ الذي استُخدم كدرجة وأمالته نحو فهد. فهم فوراً، فأمسك الجهة الأخرى. عادا إلى الداخل يحملانه معاً، وبعده الصندوق المكسور، ثم لفافة السلك، ثم الفانوس الاحتياطي الوحيد الباقي مضاءً. لم يعد ممكناً الفصل بين ما بدأته يد ومن أكملته الأخرى؛ الوزن نفسه كان الشاهد الوحيد الذي يهم.
عند باب المبنى الخدمي ظهر سالم مع موظف أمن، وأخذ نفساً كأنه يتهيأ لسؤال. لكن فهد مرّ بمحاذاته وهو يحمل جهة الصندوق، وقال فقط: «الطريق الخلفي صار جاهز. انتبهوا للدرج.» لم يكن في صوته تحدٍّ علني ولا استرضاء. شيء أبسط وأقسى: ترتيب جديد لا يطلب إذناً.
في الداخل خفّ الضجيج. أطفأ فهد كشاف الهاتف، وبقي الفانوس الاحتياطي يضيء لهم السلم الضيق إلى الطابق العلوي. كانت مها أول من مد يدها إلى حزامه الجلدي المعلق بجانب المقبض، ورفعته لتأخذ نصف الثقل. توقفت عند بسطة الدرج، وأمسكت الشريط بقبضتها، ثم قالت من غير أن تنظر إليه: «من هنا نمسكه سوا. لا تعطيني إياه كامل.»
صعد درجة واحدة حتى صار قبالتها، ووضع يده على المقبض المعدني نفسه. بين أصابعها وأصابعه تأرجح الفانوس، يرسل ضوءاً دافئاً على الجدار المخدوش وعلى لطخات قديمة في مرآة صغيرة عند المنعطف. وقفَا لحظة، كل واحد يحمل جهة، والضوء يتحرك بينهما ببطء.