Fast Fiction

التحكم رجع لها في الرصيف

سحب فهد جهاز النداء من يد مها ووضعه على طرف مكتب التشغيل المزدحم بأكواب الشاي ومفاتيح الأبواب، ثم قال بصوت سمعه السائقون والعمال: "من اليوم ما فيه إفراج إلا عن طريقي. وأنتِ لا تجلسين هنا." كانت الشاحنات مصطفة عند الرصيف الخلفي في حر ظهيرة الرياض، الأبواب نصف مفتوحة، والطبليات واقفة على العربات كأنها حجزت الهواء. مد يده إلى الكرسي البلاستيكي عند زاوية المكتب ودفعه بقدمه بعيدًا، ثم أشار إلى الممر: "إذا صار تأخير، المسؤولية عليكِ. أنتِ اللي رتبتِ الجدول."

مها لم ترد. نظرت إلى الجهاز أولًا، ثم إلى دفتر التحميل الذي وضعه تحت كوعه كأنه ورث المكان. كانت تعرف أن كل دقيقة الآن تُحسب على الفرع، لأن شحنة المواسير الخاصة بأحد مشاريع قطاع الطاقة يجب أن تخرج قبل صلاة الظهر، وبعدها يدخل وقت تتعطل معه حركة نصف السائقين. والأسوأ أن أبا راشد كان واقفًا عند حافة الظل قرب سيارات الفرع، عقاله ثابت ونظرته أهدأ من أن تُطمئن. هو عمها، والعائلة والأصدقاء يعرفون صلتها بهذا المكان، ولهذا كانت الإهانة أثقل؛ ليست بنت غريبة يمكن صرفها من الرصيف وتنسى.

قال فهد لسالم، عامل الرافعة: "نزّل من الباب ثلاثة أولًا." قالت مها ببرود وهي لا تزال واقفة: "الباب ثلاثة ناقص ختم الوزن. إذا فتحته، بيتعلق الرصيف كله." لم يلتفت إليها. رفع يده للسائق الأول ليتقدم. تحركت الشاحنة مترين، ثم توقف كل شيء كما توقعت؛ السجل الناقص علّق البوابة، وبقي الباب ثلاثة نصف مرفوع، لا يفتح ولا يُغلق. التف سائقان في وقت واحد، وارتفع صوت عربة معدنية اصطدمت بطبليات البلاستيك. عندها فقط مدت مها يدها إلى مفتاح الباب الاحتياطي المعلق متأخرًا في لوحة جانبية، أخذته، ومشت إلى حافة التحكم الصغيرة دون أن تستأذن.

قال فهد بحدة: "قلت لكِ ابتعدي." أجابته من غير أن تنظر إليه: "إمّا تبعد الرجال عن الباب، أو خليهم يشوفون كيف يختنق الرصيف كامل." لم يكن هذا تحديًا بالكلام بقدر ما كان وضع يدها على القفل اليدوي وإيقاف الشاحنة الأولى عن التقدم قبل أن تعلق أكثر. أول سائق رجع للخلف بأمر منها، وتنفست مساحة ضيقة أمام الباب. لم تستعد الجهاز، لكنّها انتزعت أول شيء أوضح: مسار الدخول ليس بيده وحده.

في عشر دقائق تضاعف الضرر. عربة محمّلة بالصناديق بقيت بين بابين لأن فهد بدّل ترتيبها مرتين. سائق الشاحنة المبردة أخذ يدق بكفه على المقود لأن وقود التبريد يُهدر وهو واقف. نورة من مكتب المستندات خرجت تحمل مغلفًا ورقيًا يابس الصوت، وقالت لفهد إن بيان الحمولة الرابع لم يصل بعد. أخذ منها المغلف وتركه على الحافة المزدحمة دون أن يفتحه، ثم صرخ في العمال أن السرعة ناقصة. كان يطلب حركة أكثر من نظام أقل، فصار الممر الخلفي أضيق، والعربات المتوقفة تحشر بعضها، وكل باب معلق يخلق بابًا معلقًا بعده.

أبو راشد لم يتدخل، وهذا زاد الموقف سوءًا. كان يراقب من ظل الجدار، يبادل السلام القصير مع المقاول القادم، ثم يعود بعينه إلى الرصيف. في هذا الفرع تحديدًا، صمته له وزن مجلس كامل. فهد يعرف ذلك، ولذلك صار يتكلم أعلى. اقترب من مها وقال بنبرة يريد بها حفظ وجهه أمام الكبير: "لا تحرجيني قدام الرجال. إذا عندك ملاحظة قوليها لي أنا." رفعت عينيها إليه أخيرًا. "أعطيتك الملاحظة قبل ما توقف الباب. أنت ما تبغى ملاحظة، تبغى الكرسي."

وقبل أن يجد ردًا، انقطع صوت رافعة سالم. ذراعها بقي معلقًا بطبلية نصف مرتفعة لأن المسار أمامها مسدود. سائق الشاحنة الأخيرة نزل من كابينته، مسح العرق بطرف شماغه، ونظر إلى صف المركبات الممتد حتى الممر الجانبي. الضرر صار ظاهرًا لا يحتاج شرحًا: بوابة معلقة، عربة عالقة، شاحنتان لا تستطيعان التقدم ولا الرجوع، وسائقون بدأوا يلتفون على بعضهم بالسؤال نفسه: من الذي يطلق الرصيف فعلًا؟

مها مشت مباشرة إلى لوحة التسلسل المثبتة بجانب الباب الثاني. فهد تحرك ليمنعها، لكنها كانت أسرع منه إلى العمل لا إلى العراك. سحبت قلم التحديد من جيب نورة، وخطّت على الورقة المعلقة ترتيبًا جديدًا في ثلاث إشارات قصيرة. "سالم، أنزل الطبيلة المعلقة على الأرض، لا على العربة. نورة، افتحي مغلف البيان الرابع الآن. أنت يا أبو حاتم، ارجع بالشاحنة المبردة مترين وخلك على خط الباب واحد." الكلمات خرجت كأنها كانت تنتظر فقط أن يُسمح لها بالمرور. لم تطلب إذنًا من أحد، ولم تشرح شيئًا.

فهد قال: "ولا أحد يتحرك إلا بأمري." لكن أحدًا لم يتحرك بأمره. سالم أنزل الذراع كما قالت مها لأن البديل كان أن تبقى الحمولة في الهواء. نورة فتحت المغلف الورقي عند الحافة، وانكسر الصمت اليابس بصوت الورق وهو يُفرد. سائق المبردة عاد للخلف بأصابعه على المقود، ينظر لمها من المرآة لا لفهد. أول تبدّل في المكان لم يكن تصفيقًا ولا كلامًا كثيرًا؛ كان مجرد أجساد تغيّر اتجاهها نحو اليد التي تعرف ما بعدها.

مها أمسكت سلسلة الإفراج خطوة خطوة. أعادت غلق الباب ثلاثة يدويًا أولًا حتى لا يبقى نصف مفتوح يشل الحساسات. ثم حوّلت خروج الشحنة الأخف إلى الباب واحد، لأن ميزانها جاهز، وأمرت بنقل الطبليات الثقيلة إلى جانب الخط الأصفر لا وسط الممر. نادت أرقام الشاحنات بترتيب السجل لا بترتيب من يصيح أكثر. كل أمر كانت تتبعه حركة واضحة: باب يهبط كاملًا، عربة تنسحب من الاختناق، رافعة تستدير أخيرًا في مساحة تكفي. خلال دقائق عاد الخط يتنفس. لم يعد جميلًا، لكنه صار يعمل.

العمال أخذوا أوامرها من غير التفات. السائق الذي كان قبل قليل يخاصم عامل التحميل صار واقفًا عند نافذته ينتظر إشارة يد منها. وحتى أبو راشد، الذي بقي في مكانه، نقل فنجان القهوة من يده اليسرى إلى اليمنى وأدار كتفه قليلًا نحوها، لا نحو فهد. كانت حركة صغيرة، لكنها في هذا المكان أشبه بإعادة ترتيب مجلس تحت نظر الجميع. فهد شعر بها قبل أن يفهمها؛ لذلك اقترب من جهاز النداء بسرعة ووضعه في جيب ثوبه.

عاد الخط للحياة، لكن آخر عقدة بقيت في يده. الشاحنة الأخيرة، الأطول والأثقل، كانت عند مخرج الرصيف نفسه، لا تتحرك إلا بإفراج مباشر عبر النداء لأن الحارس عند البوابة الخلفية لا يفتح بلا أمر مسموع ورقم حمولة مطابق. مها رتبت كل شيء حتى هذه النقطة: البيان جاهز، الباب مفتوح، الممر صار خاليًا، والسائق يده على القير. بقي الجهاز فقط. فهد عرف أن كل ما حوله لم يعد يطيعه، فتمسك بالشيء الوحيد الذي ما زال يمكنه أن يعطل به النهاية.

قال بصوت منخفض هذه المرة، كأن العلو لم يعد ينفعه: "أنا أرسل النداء." ردت مها: "أرسل." تأخر. نظر إلى أبي راشد، ثم إلى السائق، ثم أعاد النظر إلى الورقة في يده كأنه يبحث عن نقص جديد. لم يجد. قال: "لا، نتأكد مرة أخيرة." وكانت هذه هي فضيحته؛ ليس لأنه حذر، بل لأن الحذر ظهر فجأة فقط عندما لم يبق إلا أن يمر الأمر من يده. الشاحنة ظلت مشغلة محركها، والدخان الخفيف يضرب تحت السقف المعدني، وكل من في الممر فهم أن التجميد الآن ليس سببه النظام، بل سببه الرجل نفسه.

تقدمت مها خطوة واحدة فقط. "إذا تبي تحافظ على وجهك، عطهني." لم ترفع صوتها، لكن السائق القريب سحب رجله من الدرجة ونزل كاملًا إلى الأرض. سالم أوقف الرافعة وأبقاها دائرة من غير حمل. نورة ضمت البيان إلى صدرها وانتظرت. حتى الحارس عند آخر الممر كان يطل من بعيد، يسمع ولا يرى كامل المشهد. فهد لم يسلم الجهاز. أخرجه من جيبه نصف إخراج، ثم شد قبضته عليه وقال: "أنتِ تشتغلين تحت إدارتي."

مها مدت يدها، لا إلى صدره ولا إلى جيبه، بل إلى السجل الذي يحمله. قلبت الصفحة أمامه بإبهام ثابت، وضغطت على رقم الحمولة الأخير. "هذه خرجت بتوقيعي أصلًا. وهذا الباب رجع يمشي بأوامري. وإذا جمدت آخر شاحنة، التجميد يُحسب عليك قدام الرجل اللي واقف هناك." لم تلتفت إلى أبي راشد وهي تقولها؛ تركت الاسم غائبًا وثقله حاضرًا. فهد حاول أن يرد، لكن أبو راشد تحرك أخيرًا خطوتين من الظل إلى طرف الضوء وقال جملة واحدة من بعيد: "الحمولة واقفة."

لم تكن أمرًا صريحًا لمها، ولا دفاعًا عاطفيًا عنها. كانت أسوأ على فهد من ذلك؛ كانت إزالة للستار الذي كان يختبئ وراءه. الآن لم يعد يستطيع الادعاء أن المسألة إدارية. المسألة صارت شاحنة متوقفة بسبب من يمسك الجهاز. ارتخت أصابعه لحظة، وهي اللحظة الوحيدة التي احتاجتها مها. أخذت جهاز النداء من يده بحركة قصيرة جافة، لا شدّ فيها ولا فوضى، ثم أعادته إلى وضعه الطبيعي في كفها كأن شيئًا كان خارج مكانه ورجع. التفتت مباشرة نحو خط المخرج، لا نحوه.

"بوابة الخلفي، افتح مسار سبعة. حمولة ثلاثة عشر، خروج الآن." جاء صوت الحارس مشوشًا بطبقة من التشويش، ثم تأكد الرقم. أشارت مها للسائق بكفها مرتين. تقدمت الشاحنة الثقيلة ببطء أولًا، ثم استقامت عجلاتها في الممر الذي أخلته قبل دقائق. مرّت مقدمتها من حيث كان الازدحام مسدودًا، وتبعتها العجلات الخلفية بلا توقف. الباب الخارجي ارتفع كاملًا. في اللحظة نفسها، تعطلت آخر محاولة لفهد أن يبقى في الصورة؛ لم يملك أمرًا يصححه، ولا خطأً يلقيه على أحد. فقط وقف ويده فارغة عند جيب ثوبه المفتوح.

لكن الممر لم ينته عند خروج الشاحنة. بقيت عربتان صغيرتان وطبليتان تنتظران تسلسلًا أخيرًا، ولو تركت مها الجهاز في يده أو بدأت تشرح للناس ما حدث، لتجمد الرصيف مرة أخرى. لذلك مشت مع خط الحركة لا مع الانتصار. أرسلت النداء الثاني لسحب العربة من جانب الميزان، والثالث لفتح باب الاستلام الداخلي دقيقة واحدة، ثم أعادت ترتيب رجلين بلمحتين من أصابعها. المكان صار يرد عليها بسرعة العمل نفسها التي كان يبتلعها قبل قليل. كل شيء مؤذٍ لفهد حدث بصمت: الخط أطاعها، والناس استندوا إليها، والجهاز بقي في يدها.

في الممر العرضي الخلفي وراء الرصيف، حيث تتقاطع الظلال بين الجدار وسور الخدمة، وقفت مها وجهاز النداء في يدها. عند طرف الرف المعدني كانت سلسلة المفاتيح التي أُعيدت متأخرة تتأرجح بخفة، والكرسي البلاستيكي الذي أُبعد أول النهار بقي مائلًا عند الزاوية. رفعت الجهاز إلى فمها وقالت: "أطلق آخر عربة." ثم ضغطت الزر. جاء صوت الطقطقة، وتراجع التشويش من السماعة قليلًا قليلًا حتى صفا.