Fast Fiction

التصريح صار في يده

لوّح فارس السبيعي بيده فوق خطّ التحويل وقال للسائق بصوتٍ يسمعه الجميع: "الشاحنة الثالثة تدخل من مسار الشمال، أمّا مروان فبطاقته تتوقّف اليوم." رفع مروان الدوسري بطاقته المعلّقة في حبلٍ باهت متجعّد من كثرة الاستعمال إلى جهاز القراءة، فأصدر الجهاز صفيراً أحمر قصيراً، وفي اللحظة نفسها فُتح الحاجز لشاحنةٍ أخرى لم يكن دورها قد جاء بعد. على الطاولة المعدنية قرب كشك المشرف، كان كوب شاي قد برد حتى ترك حلقةً داكنة، وبجانبه علبة غداء لم تُفتح. لم يكن في المسألة تأخير ساعة أو ساعتين؛ كان رزق اليوم يُسحب من يده أمام عمّاله.

قال مروان وهو يثبت البطاقة على صدره من جديد: "المسار هذا لحمولتي من أمس." ردّ فارس من غير أن ينظر إليه، كأنّه يوزّع مقاعد مجلس في بيتٍ ليس بيته: "من أمس إلى اليوم تغيّر الترتيب. وإذا عندك كلام، تعال بعد الظهر." ثم أشار بعصاه القصيرة إلى سالم، مراقب الدور، وقال: "أعطه نهاية الصف." تحرّكت عيون السائقين بين الرجلين. سالم لم يرفع رأسه مباشرة؛ فقط مدّ يده إلى سجلّ الدور، وشطب اسم مروان من السطر الأول إلى الأخير. هذا الشطب، لا الصفير الأحمر، هو الذي أوجع.

في آخر الساحة، تحت ظلّ سيارةٍ قديمة توقّفت قرب الباب الجانبي، كان أبو ناصر يراقب. رجل كبير، قريب بعيد من العائلة، يعرف من باع أرضاً ومن سدّد ديناً ومن حمل شغل البيت حين تعثّر غيره. العائلة والأصدقاء يعرفون أن مروان لم يدخل هذا الخط طارئاً؛ أبوه كان يملك نصف عقد الخدمة قبل أن يمرض، وفارس لم يكن يومها أكثر من كاتب حركة. لكن المرض يترك فراغاً، والفراغ إذا بقي بلا يد ثابتة امتلأ بيدٍ جريئة.

تقدّم مروان خطوة حتى صار عند حافة الكشك. "أنا ما طلبت فضل. عطوني مساري." فارس ابتسم ابتسامة ضيّقة، ثم رفع صوته عمداً: "المسار المربح لرحلة الخرج راح لشركة السبيعي اليوم. حمولة الديزل الثقيلة تتحوّل لهم. شاحنات الدوسري تنتظر إذا بقى شيء." خرجت الجملة كصفعةٍ محسوبة. رحلة الخرج هي التي تسدّ أجور العمّال آخر الأسبوع. أحد السائقين أنزل يده عن المقود، وآخر أطفأ المكيّف ليوفّر الوقود وهو ينظر إلى مروان بقلقٍ لا يستطيع إخفاءه. أبو ناصر تقدّم نصف خطوة فقط، وتوقّف عند إطار الباب المفتوح، ذلك التردّد الصغير عند العتبة الذي يسبق الفضيحة.

قال سالم بخفوتٍ لمروان: "خلّها تمرّ اليوم." التفت إليه مروان، ونظر إلى الشاحنات المصطفّة في الحرّ. أحد عمّاله مسح وجهه بطرف شماغه وهو يحاول أن يبدو مشغولاً. المسألة لم تعد بين رجلين؛ صارت علناً على حساب أرزاق ناسٍ يقفون في الشمس. أخرج مروان هاتفه، لم يسرع ولم يخفِ الشاشة، واتصل برقمٍ محفوظٍ باسمٍ واحد: "هدى". انتظر ثانيتين وقال: "أبغى أصل الخطّ الآن. افتحي التحويل للمالك."

ضحك فارس ضحكةً قصيرة. "مالك؟" لكن الضحكة لم تعش طويلاً. من داخل مبنى الإدارة، ظهرت هدى بخطا سريعة، ملفّ صغير في يدها وخلفها موظف البوابة يحمل ختم التصاريح. لم تكن من النوع الذي يرفع صوته؛ وهذا تحديداً ما جعل الوجوه تلتفت. وقفت عند طرف الكشك وقالت لفارس بصيغةٍ مهذّبة تقطع أكثر مما تشرح: "الأمر رجع لأصله. حقّ اعتماد التحويل لمسار الخرج باسم مروان الدوسري من صباح اليوم." مدّت الملفّ إلى موظف البوابة لا إليه. ثم التفتت إلى سالم: "افتحوا المسار أربعة لسيارة الدوسري الأولى. وأوقفوا أي تحويل صدر بعد التاسعة بلا توقيع المالك."

تجمّد المكان لحظةً واحدة فقط، ثم انقلب. صرخ عامل التحميل من جهة الخزانات: "المسار أربعة! شاحنة الدوسري تدخل!" تحرّكت الشاحنة الأولى لمروان إلى الأمام، بينما وقفت شاحنة شركة السبيعي عند المنعطف، نصف مقدمتها داخل، ونصفها الآخر خارج، ثم جاءها أمرٌ ثانٍ من سالم نفسه هذه المرّة: "ارجع يمين، انتظر التعليمات." فارس التفت إليه بعينين لم تصدّقا. "وش تسوي؟" ردّ سالم وهو لا ينظر إلا إلى حركة الشاحنات: "أنفّذ." انفتح الحاجز لمروان، وبقي مغلقاً على مقدمة شاحنة فارس. هذا وحده أعاد ترتيب الوجوه في الساحة.

لم يرفع مروان صوته. دخل مع شاحنته الأولى إلى حافة التحويل، وأشار بيده إلى رافعتيْن: "ابدأوا هنا، ثم الثانية بعد الصلاة." سمع العمّال أمره كما يسمعون أمراً مألوفاً تأخّر فقط. أحدهم سحب خرطوم التعبئة، وآخر بدّل لوح المسار المعلّق على العمود المعدني. فارس بقي خارج خطّ الحركة، يقدّم خطوةً ويؤخّر أخرى، كمن تعوّد أن يوزّع الدعوات ثم وجد نفسه بلا كرسي حتى على الطرف.

قال أبو ناصر وهو يقف هذه المرّة داخل الظلّ لا خارجه: "الحقّ إذا رجع، رجع بهدوء." لم يردّ مروان. انشغل بعدّ الشاحنات، وسأل عن الحمولة الناقصة، ثم أرسل واحداً من رجاله إلى المستندات المختومة. تلك البرودة المهنية كانت أقسى من أي شماتة. فارس حاول أن يستعيد صوته المعتاد، فنادى على سائقه: "دخّلها من المسار الثاني." جاءه ردّ عامل الحاجز من بعيد، واضحاً ومسموعاً: "المسار الثاني موقوف لشحنته. انتظر خارج الدور." خارج الدور. العبارة نفسها التي كان فارس يوزّعها كل صباح، عادت إليه الآن كأنها صدرت من الجدار.

حين ارتفع أذان الظهر من المسجد الصغير خلف المستودع، خفّت الضوضاء لحظات، ثم عادت أكثر حدّة. بعد الصلاة، كان الدور قد استقر في يد مروان. الشاحنات التي تخصه تدخل، تُحمّل، وتخرج إلى الطريق الدائري، بينما شاحنات فارس مصطفوفة عند السور الجانبي، محركاتها تعمل عبثاً. علبة الغداء الباردة بقيت على الطاولة المعدنية كما هي، لكن كوب الشاي أزاحه أحد العمّال ليترك مكانه لمفاتيح المسار وأوراق الأوزان.

اقترب فارس من مروان للمرة الأولى بلا عصا ولا ابتسامة. خفّض صوته لأن أبا ناصر كان قريباً، ولأن بعض الكبار في القطاع يعرفون أن هذا الخط لم يكن له من الأصل. "خلّ واحدة من شاحناتي تدخل. ما يصلح توقف الناس كلها عشاني." رفع مروان رأسه إليه، لا أكثر. "عشانك؟ أنت أوقفت ناس اليوم." "أنا رتّبت الشغل." "لا. أنت رتّبت نفسك." ثم مدّ يده إلى سالم أمامه، لا إلى فارس، وقال: "ثبتوا خط الخرج والديزل الثقيل للدوسري إلى نهاية الوردية. أي طلب من خارج القائمة يرجع للاستراحة حتى يجيه دوره." سمع العمّال الجملة كما تُسمع صيغةٌ نهائية. تحرّكت الأوراق، وتبدّل اتجاه الأجساد فوراً. سائق فارس الذي كان ينتظر إشارةً دخل في جدالٍ قصير عند الحاجز، ثم أُعيدت شاحنته إلى صفّ الانتظار قرب السور. لم يحتج أحد إلى تفسير آخر.

عند نافذة الصرف الصغيرة في طرف الساحة، حيث تُدفع بدلات النقل والسلف اليومية للسائقين، صار الاصطفاف أوضح من أي بيان. رجل الحسابات جلس خلف الزجاج السميك، يفتح النافذة مقدار كفٍّ فقط. مروان وقف إلى اليمين ومعه سائقا الشاحنتين الأولى والثانية، وأبو ناصر غير بعيد يراقب بصمتٍ يليق بشاهدٍ لا يحتاج أن يعيد الكلام. فارس جاء متأخراً بخطوتين، ووقف تلقائياً في الممرّ ذاته الذي كان يدخل منه كل يوم. قبل أن يتكلم، قال رجل الحسابات من الداخل: "صرف اليوم على كشف الدوسري المعتمد."

رفع فارس كفّه على حافة النافذة. "حمولة الصباح على اسمي، اصرفها." لم يلتفت إليه رجل الحسابات. نظر إلى مروان فقط، كأنّ القرار صار يمر من وجهٍ واحد. هنا أخرج مروان التصريح الجديد، مطويّاً بعناية، وعلى طرفه ختمٌ حديث لم يجفّ تماماً. وضعه على الشقّ السفلي للنافذة، وقال بصوتٍ لا يزيد عن الحاجة: "الصرف يطلع لرجالي أول. وأي كشف يخص السبيعي يتوقّف حتى يخلص تدقيق التحويلات. خلوه خارج الخدمة اليوم."

هذه المرّة لم يجد فارس جملةً جاهزة. رأى التصريح في يد مروان، ورأى العامل خلف الزجاج يسحب كشفاً ويعيد آخر، ثم يحرّك أسماء السائقين إلى الجهة التي اختارها غيره طوال سنين. مدّ فارس يده مرةً أخرى، لكن الحاجز هنا لم يكن عصاً ولا بوابة؛ كان اعترافاً باليد التي تملك أن تقول ادخل أو انتظر. قال بصوتٍ أخفض، وقد انكمش في آخره: "على الأقل أعطني دفعة السائقين." أجاب مروان وهو يثبت الورقة على حافة النافذة: "دورك ما دخل."

سحب رجل الحسابات الصينية المعدنية المحمّلة بالنقود إلى جهة مروان أولاً. أخذ مروان حصص رجاله، وأعاد الصينية إلى حافة شباك الصرف، ثم وضع طرف التصريح فوق شفتها وقال: "أغلق." فتوقفت الصينية عند حافة النافذة، ولم تعد تنزلق.