ما تحرك إلا على يدي
اصطكت البضاعة داخل الشاحنة حين رفع السائق الباب نصف رفعة ثم توقف، وبقي قفص الإطلاق مقفلاً لأن سلسلة المفاتيح لم تكن في يد مها. وقف سالم عند طرف الرصيف الخلفي، يدير الحلقة المعدنية حول إصبعه كأنها ميدالية تخصه، وقال للحارس: "ولا أحد يلمس الباب إلا بأمري." كانت حرارة الظهيرة في الرياض تضرب الحديد فتردها الأرض ناراً أخف وأخبث، وعلى طاولة الحارس بجانب جهاز التسجيل علبة وجبة باردة انكمش غطاؤها من طول الانتظار. الشحنة متجهة لموقع تابع لشركة في قطاع الطاقة، وموعد الاستلام قبل العصر. أي تأخير الآن لا يعلّق الشاحنة وحدها؛ يفتح باب اتصال من العميل، ثم يفتح وجهاً سيئاً في الإدارة، ثم يصل إلى بيت مها أسرع من دخان.
قالت مها وهي تمد يدها فقط، بلا شرح: "المفاتيح."
ابتسم سالم ابتسامة قصيرة فيها وقاحة المتعوّد على الاقتراض من سلطة غيره. "من اليوم أنا المسؤول عن الإطلاق. إنتِ على الجرد فقط." ثم التفت إلى السائق كأنها غير موجودة. "ارجع القفل. لا نبي فوضى."
لم ترفع مها صوتها. نظرت إلى الحلقة المعدنية، ثم إلى دفتر الإفراج المعلق عند الحارس، ثم مشت خطوتين إلى الكرسي الصغير أمام لوحة الأبواب وجذبت الدفتر من تحت يد فهد الموظف الجديد قبل أن يجلس عليه. كانت هذه أول ضربة صغيرة، واضحة، في مكانها. جلست هي، وفتحت صفحة الشحنة، وقالت من غير أن تنظر إلى سالم: "رقم المنصة ثلاثة. الحمولة موزونة. الخلل الوحيد أن المفاتيح عند رجل ما يعرف ترتيب الإطلاق."
تجمّد فهد في وقفته، وبقي ممسكاً ببطاقة دخوله من طرفها المهترئ يفركها بين أصابعه. السائق نزل من الشاحنة وهو يراقب عقارب ساعته كل نصف دقيقة، ومن الجهة الأخرى ظهرت عربة شوكية محمّلة بمنصة إضافية لم تجد أين تذهب. انسد الممر الخلفي بسرعة؛ شاحنة تنتظر، عربة تتراجع، عاملان يحملان أشرطة تثبيت، وفوق الجميع سالم يلوّح بالمفاتيح من غير أن يفتح شيئاً.
قال سالم: "إذا عندك ملاحظة، ارفعيها للمشرف. لا تعطلين الشغل."
هذه المرة رفعت مها عينها إليه. "المعطل أنت. افتح قفص الإطلاق."
أراد أن يرد بإهانة جاهزة، لكن هاتف الحارس اهتز على الطاولة. نظر الحارس إلى الشاشة المضيئة في كفه ثم أخفاها بسرعة احتراماً للمشهد، وقال: "أبو راشد نازل." الاسم مرّ في المكان مثل شدّ مفاجئ في حبل. أبو راشد مدير المستودع وأقدم من أن يحتاج إلى رفع صوته. وفي هذه الشركة، كبار السن لا يأتون إلى الرصيف الخلفي إلا إذا صار العطل له رائحة.
نزل أبو راشد من الممر الجانبي عند ظل الباب المعدني، يوقف نفسه لحظة في فتحة الإطار قبل أن يدخل الساحة كلها، كأن الوقفة نفسها تسأل: من الذي أجبرني أن أحضر؟ خلفه جاء صوت الأذان من مسجد قريب متقطعاً مع ضجيج المولدات، فصار الوقت أضيق فجأة. سلّم مختصراً، ونظر إلى الشاحنة ثم إلى الباب ثم إلى المفتاح في يد سالم. "ليش واقفة؟"
سبق سالم بالكلام. "ترتيب جديد يا أبو راشد. أنا استلمت الإطلاق اليوم، وفيه مراجعة بسيطة."
قال السائق بخشونة رجل يخسر وقته أمام شهود: "يا طويل العمر، أنا لي ساعة إلا ربع محمّل. موقعي ما يستقبل بعد الصلاة."
أشار أبو راشد بيده: "افتح."
اقترب سالم من القفص المثبت عند جانب الرصيف، أدخل مفتاحاً ثم آخر، والتوى الحديد ولم ينفتح. جرّ الباب بقوة أكثر، فاصطكت السلسلة وبقي القفل في مكانه. ارتفعت العربة الشوكية نصف متر ثم توقفت لأن الممر مقفول، وسمعوا من داخل الشاحنة حركة صندوق تحرك عن موضعه. الضرر صار مرئياً، لا تقريراً مؤجلاً. مها لم تقل شيئاً. فقط نهضت من الكرسي، وأغلقت دفتر الإفراج بإصبعها على رقم الشحنة كي لا يضيع.
قالت بهدوء يوجع أكثر من الصياح: "لأنه يستخدم مفتاح البوابة الخارجية على قفل الأمان الداخلي."
التفت أبو راشد إليها. لم يسألها كيف عرفت؛ السؤال نفسه كان سيهينه. قال لسالم: "أعطها."
شد سالم الحلقة إلى كفه. "أقدر أفتح، بس القفل ناشب."
في هذه الثواني بالذات جاء اتصال آخر، وهذه المرة من رقم العميل الظاهر على شاشة هاتف الحارس. لم يرد الحارس، لكنه نظر إلى أبو راشد نظرة تكفي. كانت المهلة تنكسر أمامهم. مدت مها يدها ثانية. لم تتوسل، ولم تعِد، ولم تشرح سيرتها. يد فقط، ثابتة، في الهواء الساخن.
سالم تردد، ثم دفع لها حلقة المفاتيح دفعاً خشناً كأنه يرمي خطأه في يد غيره. التقطتها مها من أول الرمية، تحركت إلى القفص، أدخلت المفتاح النحاسي القصير الذي لم يلمسه هو أصلاً، أرجعته ربع لفة، ثم رفعت لسان الأمان من تحته بظفرها لا بالمفتاح. انفتح الباب المعدني في لحظة قصيرة مهينة لكل الاستعراض الذي سبقها. قبل أن يعلّق أحد، سحبت رافعة الإطلاق، وأشارت للعامل: "العربة أولاً. ثم السائق يرجع نصف متر. لا أحد يدخل بين الرصيف والباب."
تحرك المكان. هذا هو الفارق كله. العربة خرجت من اختناقها، الشاحنة تراجعت بمقدار محسوب، مها فتحت مسار البضاعة وأعادت شدّ الشريط الذي ارتخى داخل الصندوق الأول بيدها ثم أمرت السائق أن يثبت الحمولة من الجهة اليمنى. أبو راشد وقف جانباً يراقب لا ليشرف، بل ليرى أي يد يعرفها النظام. فهد اندفع يكتب أرقام المنصة بسرعة بعد أن قالت له مها الرقم مرة واحدة. حتى الحارس سحب علبة الوجبة الباردة من على الطاولة ووضعها على الرف السفلي كي يفسح مكاناً للدفتر والمذياع، كأن الساحة كلها تعيد ترتيب نفسها حول مركزها الحقيقي.
انفرجت الأزمة الأولى قبل أن تنكسر المهلة. انطلق أول جزء من الشحنة إلى موضع الفحص، وتنفّس السائق نفساً مسموعاً ثم صعد إلى مقعده. كان يمكن لسالم أن يبتلعها ويسكت، لكنه لم يكن من هذا النوع. السلطة المستعارة إذا انكشفت مرة، تحاول أن تعضّ قبل أن تسقط.
قال بصوت أعلى من اللازم: "خلاص، عرفنا المشكلة. كملوا وأنا أراجع الإطلاق الثاني." ومد يده إلى الحلقة يريد استعادتها من مها كأن ما جرى مجرد استعارة عابرة.
لم تسلمه إياها. علّقتها على إصبعها، واتجهت إلى المنصة الثانية عند الباب المجاور. هناك كانت شحنة أصغر مخصصة لسيارة صيانة ميدانية متأخرة أصلاً، ومعها صناديق أسطوانات حساسة لا تخرج إلا بتسلسل معيّن بين سجل الوزن وختم التسليم وقفل القفص الجانبي. هذه هي العملية التي لا يعرفها إلا من اشتغل بها فعلاً، لا من وقف فوقها. أبو راشد لم يتحرك؛ فقط قال: "كملوا الثانية."
احمر وجه سالم. أمام فهد والحارس والسائق، وأمام عاملين توقفا قرب الممر يتابعان من بعيد، صار مضطراً أن يبدو صاحب الأمر. تقدم إلى القفص الجانبي قبل مها، انتزع من يد العامل ورقة الختم، فتح الباب الخطأ، وأمر بإنزال الأسطوانات أولاً. صاح به السائق الآخر من داخل السيارة: "لا، هذه آخر شي، عندي ترتيب تثبيت."
لم يسمع أو تظاهر. رفع العامل صندوقاً، فانزلقت قاعدة معدنية من الحافة وارتطمت بالأرض. صوتها الحاد قطع الساحة. أحد الأشرطة انفلت، وميلت أسطوانة نصف ميل خطير قبل أن تمسكها مها بكتفها وتردها إلى الجدار الحديدي. هذا هو الضرر الثاني، أوضح وأفدح؛ ليس تأخيراً فقط، بل خسارة تكاد تقع تحت يد سالم مباشرة.
قالت مها دون أن تلتفت إليه: "رجّع الصندوق مكانه. اقفل الباب." كان خطابها موجهاً للعامل، لا لسالم، وهذه وحدها صفعة.
سالم انفجر: "أنا المسؤول هنا!"
رفعت مها يدها إلى فهد. "الختم." ناولها الورقة فوراً، هذه المرة من غير أن ينظر إلى سالم. أخذتها، نظرت إلى سطر الوزن، ثم إلى لون الشريط على الأسطوانة. "الحمولة الحساسة آخراً، والسيارة تُفتح من الجهة اليسرى. لو نزلت الآن تخسر التوازن أول مطب." ثم دفعت الباب المغلوط بقدمها حتى أغلق على يدي العامل قبل أن تتكرر الفوضى، وأدخلت المفتاح الصحيح في القفل الثاني.
هنا تحرك أبو راشد أخيراً. لم يرفع صوته، لكنه قطع المسافة بينهم بخطوات قليلة مستقيمة، وأوقف نفسه بين سالم والقفص. "ابتعد."
تجمد سالم مكانه لحظة، كأنه لم يصدق أن الكلمة قيلت له أمام الصغار. حاول أن يحتفظ بنصف خطوة داخل الصورة. "أنا مكلف من الإدارة."
رد أبو راشد من غير أن يمنحه حتى شرف الجدال: "مكلّف على الورق ما ينفع إذا الميدان يفضحك."
كانت مها قد فتحت القفل الثاني، وأنزلت منصة التثبيت، ثم دعت السائق بيد قصيرة. "على اليسار. الآن." تحركت السيارة حسب أمرها، أنزل العاملان الصناديق بالترتيب الذي ذكرته، ثم دخلت هي بنفسها إلى حافة الممر الضيق، وضعت الختم في موضعه، وأطلقت السلسلة النهائية. كل جزء تم على مرأى من الجميع، وبسرعة لا تترك مكاناً لكلام متأخر. النظام لم يعد ينتظر الإذن؛ صار يأخذ إيقاعه من صوتها.
انحنى سالم نحو الحلقة مرة أخرى، هذه المرة بعصبية ظاهرة. "أعطيني المفاتيح، بعدين نسوّي اللي تبيه."
التفتت مها إليه أخيراً. لم تكن غاضبة في وجهها، وهذا ما جعله أسوأ عليه. "إذا رجعت لك، توقف ثانية."
أبو راشد مد يده. للحظة ظن سالم أن اليد إليه، فرفع كتفه واستقام. لكن أبو راشد لم ينظر إليه أصلاً، بل قال لمها: "هاتِ."
وضعت الحلقة في كف المدير. صار المعدن بينهما لحظة واحدة، ثقيلًا ولامعاً من كثرة اللمس والخطأ. التفت أبو راشد، وأمام الحارس وفهد والسائقين والعاملين القريبين، مد الحلقة إلى مها مرة ثانية، هذه المرة ببطء مقصود لا يقبل اللبس. "من الآن، الإفراج والمفاتيح عند مها. أي باب، أي قفص، أي خروج، ما يتحرك إلا من يدها. وأنت يا سالم ترجع على الجرد إذا طُلب منك."
لم تكن الجملة خطبة؛ كانت خلعاً. ظهر أثرها فوراً. يد سالم التي كانت ممدودة في الهواء بقيت معلقة لحظة ثم هبطت فارغة. فهد سحب الكرسي الصغير من جهة سالم ووضعه قرب لوحة الأبواب لمها من تلقاء نفسه. الحارس دفع دفتر الإفراج نحوها، لا نحوه. السائق الذي كان قبل قليل يشتكي لأبو راشد التفت مباشرة إلى مها وسأل: "أدخل المنصة الرابعة الآن؟" حتى العاملان اللذان أمسكهما سالم قبل دقائق تغيرت وقفتهما؛ واحد منهما رجع نصف خطوة عن طريقه، والآخر حمل الصندوق وهو ينتظر إشارة منها لا من أحد سواها.
قالت مها وهي تضع الحلقة في رسغها وتجلس على الكرسي: "المنصة الرابعة بعد الفحص. الخامسة تقف. فهد، نادِ السائق الثالث. والحساس يطلع آخر الشحنة، بختمي." ثم رفعت السماعة الداخلية وفتحت الباب التالي بنفسها. انزلق المعدن، وتبعته العربة الشوكية كأنها كانت تحبس أنفاسها. كان هذا هو الاستيلاء الحقيقي: ليس امتلاك المفاتيح فقط، بل رجوع الحركة فوراً إلى يديها في الساحة نفسها، بينما وقف سالم على بعد ذراعين لا يملك إلا أن يشاهد مكانه القديم يُدار من غيره.
حاول أن يقول شيئاً يحفظ بعض الوجه. "أنا ما كنت أدري عن ترتيب القفل."
رد أبو راشد وهو ينظر إلى الشاحنة الخارجة لا إليه: "إي، ولهذا ما تمسكه."
لم تحتج مها أن تلتفت. أخرجت شحنة، وأدخلت أخرى، وثبّتت التواقيع، وأعادت توزيع العربات في الممر حتى انفتح الظهر كله بعد اختناق. صوت الأبواب صار منتظماً، وصوت السائقين صار أقصر، والأسئلة كلها تأتي إلى كرسيها. عند نهاية آخر خروج، كان سالم واقفاً عند ظل الجدار المعدني، بعيداً عن اللوحة والدفتر والمفاتيح، كأن الساحة نفسها لفظته إلى الحافة.
حين خفّت الحركة، حملت مها الحلقة المعدنية وسارت إلى خزانة المفاتيح المثبتة بجوار باب التحميل. كانت الخزانة مفتوحة، وداخلها فراغ واضح في المسمار العلوي حيث مكان المفاتيح الرئيسية. رفعت يدها، علّقت الحلقة في موضعها تحت عهدتها، وتركت المعدن يتأرجح مرة، ثم مرة أخف، ثم توقف الرنين.