راهنوا عليها بالخسارة ففضحتهم
قال فارس وهو يرفع كفه نحو باب المصعد: "هذولا أولاً، وأنتِ انتظري على جنب." ثم مرّر رجلين ببطاقات ذهبية وامرأة يعرفها الناس من اسم عائلتها، وترك سلمى واقفة عند الحاجز المخملي كأنها مندوبة تأخرت عن دورها. انعكس وجهها على معدن المصعد الملطخ ببصمات قديمة، وخلفها طاولة جانبية عليها فناجين شاي بردت حتى تركت دوائر باهتة على الخشب، وعلبة وجبة صغيرة لم يفتحها أحد منذ الظهر. كانت الجلسة الرئيسية لمنتدى قطاع الطاقة تبدأ بعد دقائق، والجميع يعرف أن من يتأخر عنها لا يعود اسمه يساوي شيئاً في بقية اليوم.
قالت بهدوء: "اسمي على قائمة المنصة."
لم ينظر إليها. كان يبتسم ابتسامة الاستقبال لمن يهمه أمره، ويغيّر صوته فوراً إذا التفت نحوها. "أختي، التعليمات واضحة. اللي معهم أولوية يصعدون. لا تحرجين نفسك قدام الناس." كلمة "أختي" خرجت منه باردة، لا احتراماً ولا قرباً، مجرد طريقة لتصغيرها أمام الواقفين. اثنان من فريق التنظيم تبادلا نظرة سريعة. رجل كبير في السن من المستثمرين حرّك مسبحته ونظر إليها ثم إلى فارس، كما لو أن القضية حُسمت.
قبضت سلمى على الظرف الورقي الذي تحمل فيه بطاقتها، فصدر منه ذلك الصوت الجاف الخفيف الذي يسمعه القريبون فقط. كانت قد راجعت ترتيب الجلسة، والأسماء، وملف الأسئلة، وعدّلت نصف العرض الذي سيصعد به رئيس الشركة بعد اعتذار المتحدث الأصلي فجر اليوم. لم تنم إلا قليلاً، وخرجت من بيت أهلها قبل أن تكتمل قهوة أمها، لأن هذا اليوم إن ضاع ضاع معه تعب شهرين، ومعه كلام كثير تعرفه من وجوه العائلة قبل ألسنتها. العائلة والأصدقاء يعرفون أنها مرتبطة بخالد منذ سنة، ويعرفون أيضاً أن فارس ابن خالته، وأن كلمة واحدة منه في مجلس عائلي كفيلة بتحويل الاجتهاد إلى "بنت استعجلت على نفسها".
مرّت أمينة، مسؤولة الشراكات، من أمام الحاجز. رفعت فارس لها الستار الأحمر الصغير بيده، وقال لها بصوت مسموع: "تفضلي، الصف الأول محجوز لكم." ثم أشار إلى سلمى من غير أن يسمّيها: "وفيه بعض الأسماء الاحتياط نرتبهم بعد شوي." هذه المرة سمعها أكثر من شخص. انخفض رأس شاب من فريق الضيافة وهو يوزع فناجين القهوة، ثم أكمل سيره كأنه لم يسمع شيئاً. كان الإذلال هنا مرتباً، مغسولاً بلغة البروتوكول، ولهذا بدا أثقل.
خرج خالد من طرف الرواق المؤدي إلى القاعة، متوتراً وربطة عنقه مرتخية قليلاً، فلما رأى سلمى موقوفة تباطأ. لم يقترب منها مباشرة؛ الحضور كثير، والوجوه تحفظ المسافات. قال لفارس: "سلمى معنا."
رد فارس من دون أن يلتفت إليه تماماً: "معكم في التحضير، أكيد. أما الدخول الآن فبحسب الترتيب. لا نبي نخبص المشهد قدام كبار الضيوف." ثم أضاف أخفض قليلاً، لكن بما يكفي: "وبعدين يا خالد، بعض الأمور إذا ما أخذت موافقة العائلة من أولها، لا تجيبها على رأس الناس في يوم رسمي."
كانت تلك الضربة المقصودة. ليست للجلسة وحدها، بل لوضعها كله. تحرك شيء في الوجوه المحيطة؛ الفضول صار أوسع من الحدث نفسه. هنا رفعت سلمى عينيها أخيراً إليه وقالت بصوت واضح لا حاجة فيه للرفع: "بما أنك تتكلم عن الترتيب، من صاحب التفويض الفعلي بمنع منسقة الجلسة من الصعود؟ أنت، أم رئيس الشركة، أم مدير المراسم؟"
سقط السؤال في الردهة كقطعة معدن. لم يكن سؤال كرامة أو عتاب، بل سؤال وظيفة، مخرج ضيق لا يتسع للكذب. رمش فارس مرة، ثم التفت إلى أحد رجال التنظيم كأنه يبحث في وجهه عن جملة جاهزة. "أنا... أنا أمشي بحسب القائمة."
قالت سلمى فوراً: "ممتاز. أي قائمة؟ القائمة التنفيذية المحدثة الساعة الواحدة وعشرين دقيقة، أم نسخة الاستقبال القديمة التي انتهى العمل بها بعد انسحاب المتحدث؟"
تأخر جوابه نصف ثانية زيادة عن اللازم، فظهرت الفتحة الأولى في هيبته. رجل المسبحة أوقف حباته بين أصابعه. أمينة، التي كانت قد وضعت قدمها داخل المصعد، التفتت بكامل جسدها هذه المرة. أما خالد فبقي مكانه، لكن ظهره استقام كأنه تذكر فجأة أن الوقوف على الحياد صار أغلى من الوقوف معها.
قال فارس بحدة دفاعية: "النسخة اللي عندنا من الإدارة."
أخرجت سلمى بطاقتها من الظرف، ومدّتها لا له بل لمدير المراسم الذي كان يقترب بعدما التقط ارتفاع الأصوات. البطاقة بيضاء سميكة، وفي أعلاها شريط أزرق، وتحت الاسم مكتوب بخط واضح: "منسقة الجلسة الرئيسية - تصريح منصة." لم تشرح، لم تزد كلمة. تركت الورق المقروء يقوم بالضربة. أخذها مدير المراسم، قرأها، ثم نظر إلى جهازه اللوحي، وبدت على وجهه تلك الحركة الصغيرة التي يغيّر فيها الموظف المحترف ولاءه في ثانية حين يرى الوثيقة الصحيحة.
قال بصوت رسمي: "الأستاذة سلمى مدرجة على المنصة، ولها حق الصعود الآن."
في اللحظة نفسها دوّى من داخل القاعة صوت المذيع التجريبي عبر السماعات: "نرجو من منسقة الجلسة الرئيسية التوجه فوراً إلى المنصة لاستكمال إعلان الأسماء." كان النداء حياً، مسموعاً في الردهة كلها. لم يعد ممكناً لفارس أن يقول "انتظري" من غير أن يكشف أنه كان يحجز شخصاً مطلوباً باسمها. تحرك الهواء فجأة حوله؛ ليس صمتاً، بل تبدل ميزان. التفت بعض من كان ينتظر المصعد إليه لا إليها.
مدّ فارس يده كأنه يريد استعادة البطاقة من مدير المراسم، وقال بسرعة: "أكيد، إذا كان هذا التحديث وصل الآن فنحن—"
قاطعته سلمى وهي تخطو إلى المصعد المفتوح: "وصل قبل ساعة. الذي لم يصل هو احترامك." ثم دخلت. لم تلتفت لترى إن كان خالد سيلحق بها أم لا. كانت تعرف أن أول شرخ كافٍ الآن؛ لا حاجة لتكراره. داخل المصعد، على المرآة نفسها، رأت أثر كفّ ممسوح على عجل وخطاً رفيعاً من الغبار عند الحافة. أخذت نفساً واحداً فقط. وعندما أغلق الباب، كان آخر ما رأته من الخارج وجه فارس وقد انخفضت ذقنه قليلاً لأول مرة.
انفتح المصعد على طابق القاعة الكبرى؛ سجاد سميك، ضوء أصفر نظيف، ورائحة قهوة وهيل تختلط ببرودة التكييف. عند المدخل الداخلي وقف موظف يحمل قائمة الضيوف، وبجواره صف الكراسي الأمامية بأسمائها المطبوعة. رأت اسم فارس على كرسي في الصف الأول قريب من الممر، وإلى جواره اسم خالد، ثم اسمها على طرف المنصة الصغيرة بجانب الميكروفون. حتى الكراسي هنا كانت تقرأ النفوذ علناً.
مدير المراسم لحق بها وهو ما يزال ممسكاً ببطاقتها. قال معتذراً باقتضاب مهني: "نحتاجك الآن. المتحدثون في أماكنهم، والمذيع فتح نافذة الإعلان." ثم ناولها البطاقة وابتعد فوراً إلى ترتيب صف الدخول. كان فارس قد خرج من المصعد الثاني أخيراً، يحاول أن يستعيد طريقه بين رجال يعرفهم، لكن نظراتهم هذه المرة لم تعد تستقبله بالطريقة نفسها. واحد منهم أوقف حديثه معه قبل أن يبدأ. آخر اكتفى بإيماءة قصيرة لا تكفي لإنقاذ وجه ينهار.
وقف المذيع عند طرف المنصة وقال: "تفضلي، أستاذة سلمى." سُلّم لها الميكروفون أمام الصفوف الأولى، أمام الشاشات، أمام كل من شاهدها قبل دقائق وهي تُدفع إلى الحاجز كاسم احتياط. كانت اللحظة التي يفتح فيها الصوت العام ولا يستطيع أحد أن يسحبه منها إلا بفضيحة أكبر من الأولى.
أخذت الميكروفون بيد ثابتة. لم تشكر أحداً. لم تعتذر عن التأخير. قالت: "مساء الخير. بصفتي منسقة الجلسة الرئيسية والمسؤولة عن ترتيب المتحدثين واعتماد دخول المنصة لهذه الجلسة، أُعلن بدء الترتيب النهائي الآن." ثم التفتت قليلاً نحو جهة الدخول، حيث وقف فارس نصف خطوة خارج موقعه الطبيعي، وأضافت على الصفحة نفسها، بصوت يكفي الصف الأول والصفوف التي بعده: "أي تعديل على الدخول أو المقاعد لا يعتد به إلا من خلالي أو من خلال مدير المراسم مباشرة. وما جرى عند المصاعد قبل قليل لا يمثل الجهة المنظمة."
كان الضرر مرئياً لحظتها، لا يحتاج ترجمة. سقطت يد فارس عن سترته. مدير المراسم نفسه استدار إلى فريقه وقال بصوت مسموع: "نفذوا وفق ما قالت الأستاذة سلمى." وفي أقل من ثانية، تغيّر اتجاه الحركة. الموظف الذي كان ينتظر إشارة فارس تلقى إشارته منها. صاحبة القائمة شطبت اسماً وكتبت آخر. حتى خالد، الذي كان واقفاً على حافة المشهد منذ البداية، لم يتحرك نحو ابن خالته؛ اتجه إلى مكانه المحدد بعد أن مرّ قرب المنصة وحيّاها بإيماءة رسمية قصيرة، كأن اصطفافه صار بدوره شيئاً يقرأه الناس.
رفعت سلمى الورقة التالية وأكملت: "المتحدث الأول، المهندس ناصر العتيبي. المتحدثة الثانية، الأستاذة أمينة الشريف. ويُخصّص مقعد المنصة الاحتياطي للمتحدث البديل المعتمد فقط، ولا يحق لأي اسم غير مدرج في القائمة التنفيذية أن يتقدم إلى منطقة الميكروفون." ثم رفعت نظرها مرة أخيرة نحو الصف الأول وقالت: "أما المقاعد المحجوزة على أساس مجاملة شخصية أو اجتهاد منفرد، فتلغى من هذه اللحظة."
كانت القاعة تقرأ القوة بالعكس الآن، بسرعة جارحة. الرجل الذي كان يوزع المجاملات عند المصعد صار محتاجاً إلى إذن غيره ليقف في مكانه. حاول فارس أن يتقدم خطوة نحو الصف الأول، فاستوقفه موظف القائمة هذه المرة بلباقة قاسية: "اسمك أُلغي من هذا الصف يا أستاذ، تفضل المقاعد الجانبية حتى ننتهي من ترتيب البروتوكول." لم يحتج أحد إلى رفع صوته عليه. الأسوأ أن الكلام قيل له بنفس اللغة الناعمة التي استخدمها عليها قبل دقائق، لكن وهي تضرب وجهه.
تحرك في الصف الأول كرسي واحد فقط. كانت البطاقة التي تحمل اسم فارس قد رُفعت عنه ووُضعت على الطاولة الجانبية قرب فناجين الشاي التي تركت دوائر جديدة على السطح الأسود. أما الكرسي نفسه فبقي في مكانه، عند الفجوة القريبة من الممر، فارغاً ومكشوفاً على القاعة كلها، كأن أحداً صار يخاف أن يلمسه بعد أن خرج منه المعنى. نزلت سلمى من أمام الميكروفون نصف خطوة، ثم قالت لمدير المراسم من غير أن تخفض صوتها: "اتركوا هذا المقعد كما هو. يبدأ البرنامج الآن."