التحكم رجع لها قدامهم
دفع سالم البطاقة من تحت كفه إلى داخل الدرج وقال من غير أن يرفع عينه عن الطابور: «أنتِ اليوم خلفي، لا تلمسين نقطة التشغيل.» كانت مها واقفة عند حافة المنضدة، كتفها مشدود من نهاية مناوبة طويلة، وطرف بطاقة الدخول في جيبها الداخلي مهترئ من كثرة السحب، بينما ثلاثة مراجعين يراقبون شاشة الأرقام التي لا تتحرك. خلفهم امتد الصف حتى باب الزجاج، وتوقف رجل مسن عند إطار الباب نصف المفتوح كأنه يسأل المكان نفسه: هل هذا وقت تعطيل؟
قالت مها بهدوء بارد: «الطلبات الثقيلة تتعطل إذا بقيت عندك الواجهة وحدك.»
لف سالم وجهه إليها أخيرًا، بابتسامة قصيرة فيها استعلاء الموظف الذي يستعير سلطة أكبر من حجمه. «أنا المسؤول هنا إلى أن ينزل أبو راشد. رتّبي ملفات الورشة وخلاص.»
لم تجادل. مدت يدها إلى سجل الاستلام على طرف المنضدة، قلبته إلى الصفحة الصحيحة، وكتبت وقت وصول أول حالة متأخرة أمام نظر الواقفين. حركة صغيرة، لكن الرجل المسن تقدم نصف خطوة وقال لسالم: «أنا لي ساعة إلا ربع.» انكمش رد سالم إلى «خير إن شاء الله» من دون أن يقدر على إخفاء الضيق. كان هذا أول شرخ، فتحة وصول لا أكثر، لكنها قرصت وجهه أمام الطابور.
المكان كله كان يعرف ضغط هذا الوقت في واجهة الصيانة التابعة لمنشأة من قطاع الطاقة في الرياض. قبل الصلاة بقليل، الحر يهب من الباب كلما انفتح، وأكواب القهوة والشاي على الرف الجانبي بردت لأن لا أحد يجد وقتًا ليرشفها. والوجوه التي تنتظر ليست وجوهًا عابرة؛ بعضهم من شركات كبيرة، وبعضهم يذكر أسماء عائلاته قبل رقم معاملته، لأن العائلة والأصدقاء يعرفون أين يعمل كل واحد ومَن يحرج مَن.
وصل فهد من الممر الخلفي بعربة صغيرة وعليها ملف أحمر مربوط بشريط، وقال وهو يزفر: «حالة عاجلة من المحطة الشرقية. لازم دخول مباشر لممر الإصلاح قبل الإغلاق.» مدت مها يدها للملف في اللحظة نفسها التي أخذه فيها سالم. لم ينظر إليها، بل التفت إلى نورة المتدربة عند الجهاز الجانبي. «أدخليه عندك.»
رفعت نورة رأسها وقد بان الارتباك في أصابعها قبل صوتها. «لكن هذا يحتاج مسار—»
قاطعها سالم: «قلت عندك.»
انقطع الصف فعلًا عند تلك الكلمة. نورة حاولت فتح المسار الخطأ، فظهرت مطالبة تحقق إضافي، ثم توقفت الطابعة عن إخراج ملصق الحركة. صاحب الملف الأحمر ضرب بكفه على المنضدة. «إذا فاتت الدفعة اليوم الغرامة علينا.» الرجل المسن في الخلف التفت إلى من وراءه وقال بصوت مسموع أكثر من اللازم: «هذا ثاني مرة أجي وألقى نفس اللخبطة.» وسالم، بدل أن يعيد الملف إلى اليد الصحيحة، شد الشريط الأحمر بين أصابعه كأنه إثبات ملكية.
اقتربت مها من حافة المنضدة حتى صار بينهما السجل والملف فقط. «أعطني ختم المسار.»
قال سالم من طرف فمه: «ارجعي مكانك.»
تعطلت نورة مرة ثانية، هذه المرة بصوت إنذار قصير خرج من الجهاز كصفعة. التفتت الرؤوس كلها إلى المنضدة. مها لم تنتظر إذنًا ثانيًا. انحنت فوق الرف الجانبي، سحبت ختم المسار والمِلقاط المعدني من الصينية المفتوحة، ودخلت خلف المنضدة من الفتحة الضيقة التي يمر منها العاملون فقط. حركة واحدة حادة، لا شكر فيها ولا استئذان. حتى فهد تنحى لها تلقائيًا. الشريط الأحمر انزلق من بين أصابع سالم حين أخذت الملف من أمام صدره وقالت لصاحب الحالة: «رقم الهيكل.»
رمش الرجل كأنه استعاد الهواء. أعطاها الرقم، فردته عليه كاملًا بلا تلعثم، ختمت المسار الصحيح، سحبت بطاقة العبور المؤقت من جهازها اليدوي، ثم دفعت الملف إلى فهد: «ممر ثلاثة. الآن.»
تحرك فهد فورًا. خرجت الطابعة هذه المرة بصوت مستقيم سريع. أول ملصق، ثم الثاني، ثم ثالث معاملة كانت متوقفة من قبل. لم تشرح مها شيئًا؛ كانت فقط تلتقط، تطابق، تختم، وتعيد توجيه الناس بأسماء معاملاتهم بدل جمل التهدئة الفارغة. الرجل المسن وجد رقمه أخيرًا في يدها لا على الشاشة. صاحب الملف الأحمر اختفى في الممر الخلفي بعدما وقع على الاستلام. والصف، الذي كان ملتويًا إلى الباب، بدأ يقصر أمام الجميع.
سالم حاول أن يستعيد الواجهة بالصوت. «مها، من أعطاك حق—»
قالت وهي تناوله معاملة ناقصة ليوقعها لأنه هو من عطّلها أصلًا: «وقّع هنا، أو اتركها لمن يمررها.» لم ترفع نبرتها، لكن الكلمة سقطت بينه وبين الناس كحد معدني. تردد لحظة. تلك اللحظة وحدها كشفت كل شيء؛ المتدربة تنظر إلى يده لا إلى وجهه، ونورة سحبت كرسيها قليلًا بعيدًا عن جهازها، كأنها لا تريد أن تُحسب معه عندما يسقط الخطأ عليه.
من باب المكتب الداخلي خرج أبو راشد، المشرف، بعد أن طال الانتظار على غير عادته. كان ثوبه مرتبًا وصوته منخفضًا، لكن مجرد حضوره شد رقاب الواقفين. نظر أولًا إلى الملف الأحمر وهو يختفي في الممر، ثم إلى الطابعة التي عادت تعمل، ثم إلى سالم الذي يقف عند المنضدة بلا شيء في يده إلا توقيع متأخر. «ما الذي جرى هنا؟»
فتح سالم فمه سريعًا: «الموضوع فقط ضغط، وأنا كنت—»
قاطعه صاحب الملف الأحمر العائد بخطوتين من الممر: «لو بقي عنده دقيقة زيادة راحت علينا الدفعة.» لم يكن صراخًا، لكنه كان أسوأ على سالم؛ شهادة عملية، قصيرة، أمام مشرف يعرف قيمة الدقيقة في هذا المكان.
أبو راشد لم يلتفت إلى المراجع هذه المرة. نظر إلى مها وهي تمرر معاملة أخرى ثم أخرى، بلا ارتباك، كأن المنضدة صارت أخيرًا في مكانها الطبيعي. ثم مد يده إلى سالم وقال: «البطاقة.»
تجمدت يد سالم على الدرج. للحظة قصيرة حاول أن يحفظ وجهه فقال: «أنا أرتبها بعد ما يخف الزحام.»
كان هذا آخر دفاع من النظام القديم، ودفع ثمنه فورًا. لأن الطابور كله رأى أبا راشد يثبت يده في الهواء من غير أن يسحبها، ورأى سالم وحده هو الذي يعطل التسليم هذه المرة. حتى الرجل المسن الذي تعب من الوقوف أخرج ورقة مراجعته ولوح بها مرة واحدة في صمت. الضرر صار مرئيًا، والمشهد كله ضاق على سالم حتى لم يبق له إلا الاختيار الفاضح.
قال أبو راشد ببرود رسمي: «الزحام يخف إذا رجعت البطاقة لصاحبة الموقع.» ثم أضاف من غير رفع صوت: «والقرار الآن.»
لا شيء يذل صاحب سلطة مستعارة مثل أن يُطلب منه التنازل عنها بصيغة واضحة لا تحتمل المراوغة. فتح سالم الدرج. أخرج البطاقة المعلقة بمشبكها الأزرق والمفتاح الصغير المربوط معها، ذلك المفتاح الذي أعادوه لمها متأخرًا أكثر من مرة في الأسابيع الماضية كأن تأخير الإرجاع حق إداري، لا إهانة محسوبة. بقيت البطاقة في يده ثانية أطول مما ينبغي، وعيناه تتحركان بين المشرف والطابور ومها التي لم تمد يدها له بتوسل ولا غضب؛ كانت تواصل تمرير معاملة بيد، وتنتظر باليد الأخرى فقط.
«خذي.» قالها سالم أخيرًا، لكن الكلمة خرجت كأنها انكسرت على أسنانه.
أخذت مها البطاقة من بين أصابعه أمام الجميع، وعلقتها على صدرها في موضعها المعتاد، ثم سحبت الكرسي الرئيسي خطوة إلى الداخل وجلست مكان التشغيل من غير أن تنظر إليه. هذا وحده قلب الترتيب في ثانية. سالم بقي واقفًا خارج الخط الفعلي للحركة، بلا درج يتحكم به ولا جهاز تحت يده، بينما قالت مها مباشرة: «التالي. ملف شركة السبيعي. ثم الذي بعده عند نورة، على مسار سريع، وأنا أراجع الإقفال.»
أبو راشد نقل نظره إلى سالم لا إلى مها. «تقف جانبًا وترد على النواقص فقط.» لم تكن عقوبة معلنة، لكنها أنزلته من حارس البوابة إلى موظف يلتقط ما يتساقط.
عادت المنضدة تتحرك بقسوة منتظمة. ملصقات تخرج، أوراق توقع، معاملات تُعاد لأصحابها بأسمائهم لا بأرقامهم فقط. نورة استعادت يدها تحت توجيه مها في جمل قصيرة: «هذا خلفي. هذا الآن. لا تفتحي المسار قبل الختم.» فهد دفع عربة إدخال فارغة وعاد بأخرى ممتلئة، يمر من الفتحة نفسها التي دخلت منها مها قبل قليل، لكن الفتحة لم تعد تبدو ضيقة. حتى أكواب الشاي الباردة على الرف صارت مجرد شيء زائد لا يملك أن يوقف الحركة.
حاول سالم مرة أخيرة أن يتدخل في ملف بين يديها. «هذا أرسليه غدًا، ما يلحق اليوم.»
رفعت مها الملف، نظرت إلى وقت الوصول المكتوب بخطها في أول المشهد، ثم وضعته فوق مجموعة اليوم وقالت: «وصل قبل الإقفال، ويدخل اليوم.» لم تشرح أكثر. مجرد أنها كانت تملك الآن البطاقة والمقعد والمسار، جعل اعتراضه يبدو كأنه كلام رجل من خارج المنضدة. انسحب صوته قبل أن ينسحب جسده.
وقف أبو راشد عند الحافة لحظتين، يراقب ثلاث معاملات تعبر متتالية من يدها إلى أصحابها. ثم قال لسالم من غير التفات: «بعد الصلاة تجلس معي.» الجملة لم تكن عالية، لكنها رمت ظلها عليه أمام من كان قبل دقائق يمنعها من لمس نقطة التشغيل. أما مها فلم تلتقط الظل، بل التقطت الملف التالي.
عندما انكسر آخر عنق زحام عند الواجهة، نهضت من المقعد من غير احتفال. علقت البطاقة على صدرها بإحكام، أخذت رول الأدوات من جوار الخزانة، ودخلت من الفتحة الخلفية إلى ممر الإصلاح. هناك كان الهواء أبرد قليلًا ورائحة المعدن أوضح. دفعت العربة أمامها، فاستقامت عجلاتها من أول دفعة، تدور صحيحة تحت يد مها وتمضي نظيفة في الممر.