رجعت السيطرة في التحميل
اصطدمت رافعة التحميل بطرف منصة الحديد فاهتز صف الطبالي، وصاح باسل من عند طاولة الإطلاق: "وقّفوا الشاحنة الثالثة، الثالثة قلت!" بينما كانت الشاحنتان الخامسة والسادسة عالقتين في الممر الخلفي تحت حر آخر النهار. سلمى كانت واقفة عند عتبة المكتب الخلفي، كتفاها مشدودان من وردية امتدت فوق وقتها، وبطاقة الدخول المعلقة في مشبكها غائبة عن صدرها. باسل أخذها قبل نصف ساعة وقال أمام العمّال: اليوم أنا أمسك المسار، وأنتِ خليكِ على جنب.
لم يكن هذا مجرد إبعاد. هذا مسار توريد لشركة في قطاع الطاقة، وتأخير ساعة واحدة فيه يفتح اتصالات لا تُغلق، خاصة أن مندوب الجهة المستلمة اليوم أبو راشد، رجل كبير، يعرف والد باسل، والعائلة والأصدقاء يعرفون أن هذا العقد لو اختنق في آخر الأسبوع فالكلام لن يبقى في الساحة. من بعيد، قرب السور، كانت سيارتان عائليتان تنتظران انتهاء التحميل لاصطحاب بعض السائقين بعد المغرب، وأذان قريب يتكسر على صفائح المستودع. سلمى مدت يدها نحو دفتر الإطلاق، فقال باسل وهو لا ينظر لها: "قلت على جنب. لا تعطين أوامر قدام الرجال."
لم تجادله. مشت خطوتين إلى داخل المكتب الخلفي، سحبت كرسي البلاستيك من أمام الجدار، وجلسَت فيه بدل الوقوف عند الباب. كان هذا كرسي المراقبة الذي يراه السائقون من الشباك الصغير. رفعت سماعة اللاسلكي الموضوعة فوق الطاولة الجانبية من غير أن تستأذن، وقالت بهدوء: "يا مروان، لا تحرك الشاحنة الخامسة حتى تسمع اسمي." باسل استدار لها فورًا، وامتد وجهه كأنه لُطم على مرأى الجميع. كان هذا أول شرخ في الطاقم؛ العامل عند الميزان رفع عينيه من الشاشة، وهند، التي ترتب أوراق الاستلام، توقفت يدها فوق صينية الشاي.
اندفع باسل إلى الداخل، وأخذ اللاسلكي من يدها بقوة حتى احتك طرفه بخاتمها. "أنا المسؤول هنا." ثم التفت إلى الساحة وصرخ: "الخامسة تدخل على البوابة الثانية!" الخطأ ظهر قبل أن تنتهي الجملة. البوابة الثانية كانت مشغولة برافعة تنزل مواسير طويلة، والشاحنة الخامسة التفّت نصف التفافة ثم وقفت مائلة، قافلة الممر كله. ارتفع صوت الكوابح، وعلقت شاحنة التبريد الصغيرة عند زاوية السور، وأحد السائقين نزل وهو يشتم تحت أنفاسه. باسل ردّ عليه من بعيد بعصبية زادت المشهد سوءًا، ثم مد يده إلى درج الطاولة، سحب بطاقة سلمى ومشبكها، ووضعهما في جيبه أمامها كأنه يثبت ملكية شيء له.
قالت هند بصوت منخفض وهي تنقل الصينية بعيدًا عن حافة الطاولة: "بو راشد دخل." وجاء أبو راشد بالفعل من جهة ممر الاستلام، غترته بيضاء ناصعة رغم الغبار، ومعه شابان من طرف الجهة المستلمة. لم يرفع صوته، لكن مجرد وقوفه عند نصف الباب جعل المكتب يضيق. نظر إلى صف الشاحنات المتجمد، ثم إلى سلمى الجالسة بلا بطاقة، ثم إلى باسل الواقف عند الطاولة كأنه صاحب المكان. "هذه الحمولة الخاصة بالمضخات لازم تخرج قبل المغرب. من الذي أوقفها؟"
أجاب باسل بسرعة أكثر من اللازم: "إعادة ترتيب فقط يا أبو راشد، خمس دقائق." في الخارج، دوّى احتكاك معدن بمعدن. العامل على الرافعة أنزل الطبلة في غير موضعها، لأن الشاحنة المخصصة لها لم تعد في مسارها. أحد الأشرطة البلاستيكية انقطع، وانزلقت رزمة صغيرة من الوصلات على الأرض وتدحرجت حتى طرف الممر. هذا الضرر كان كافيًا ليجعل الشابين خلف أبو راشد يتبادلان نظرة قصيرة. سلمى بقيت صامتة. صمتها هو الذي فضح باسل أكثر من أي رد.
قال أبو راشد من غير أن يلتفت عن الساحة: "من التي كانت تمسك الإطلاق قبل اليوم؟" أشار مروان من خارج الشباك إلى سلمى بلا تردد. هنا حاول باسل سد الفتحة بجسده. "هي كانت تساعد فقط." رفعت سلمى عينيها أخيرًا وقالت: "إذا استمر على البوابة الثانية، لن تطلع ولا شاحنة قبل العشاء."
بدل أن يتراجع، خرج باسل إلى الساحة يريد أن يثبت كلامه. لوّح بيده للسائق المتعطّل كي يرجع للخلف، وفي اللحظة نفسها أعطى الرافعة إشارة تقدم. تداخلت الحركة، وصار رأس الشاحنة والخطاف الحديدي في خط واحد. جمد السائق في مكانه، وتوقف العامل على الرافعة في نصف النزول، وسمع الجميع صرخة هند من المكتب: "وقفوا!" للحظة قصيرة جدًا، صار الممر كله مربوطًا بإشارة واحدة صحيحة أو خطأ واحد يكسر الحمولة.
التفت باسل إلى المكتب، ووجهه فقد لونه تحت السمرة. لم يعد عنده وقت للكلام. دخل بخطوتين سريعتين، مد يده إلى جيبه، وأخرج بطاقة سلمى بمشبكها ومعها مفتاح درج الطاولة، ثم دفعهما نحوها دفعًا مرتبكًا. "أمسكيها أنتِ. بسرعة." كانت حركة خشنه، عاجلة، ليس فيها فضل ولا اختيار؛ مجرد رجل انقطعت به الحيلة وسلّم الأداة لمن يعرفها. المشبك ارتطم بطرف الطاولة قبل أن تلتقطه، والمفتاح دار على الخشب نصف دورة.
قامت سلمى فورًا، والسكون الذي كانت تلبسه تبدل إلى شيء حاد لا يحتاج شرحًا. علّقت البطاقة في طرف عباءتها بحركة واحدة، أخذت اللاسلكي من يد باسل هذه المرة وهو ما زال ممسكًا به، وخرجت إلى عتبة الشباك. "مروان، الخامسة ثابتة. الرافعة ترفع عشرة سنتيمترات فقط. يا سعد، افتح مسار البوابة الثالثة وأخرج سيارة التبريد أولًا. لا أحد يتحرك إلا بإذني." الكلمات خرجت قصيرة، مرتبة، كأنها كانت جاهزة تنتظر أن تُسمع فقط.
تحركت الساحة في الحال. شاحنة التبريد انسلت من الزاوية على أمرها قبل أن يسخن محركها أكثر، والرافعة ارتفعت القدر الذي قالت عليه بالضبط، فعاد رأس الشاحنة الخامسة مستقيمًا. مروان ضرب بيده على جانب الباب إشارة تمام، وانسحبت الرزمة الساقطة بعيدًا عن خط العجلات. باسل بقي نصف خطوة خلفها، بلا موقع واضح؛ لا هو على الطاولة ولا هو في الساحة. حتى السائق الذي كان يسب قبل قليل سكت عندما سمعها تنادي رقم شاحنته قبل أن ينطقه هو.
قال أبو راشد للشابين معه، وهو ما يزال واقفًا عند حد الباب لا يتقدم ولا يتأخر: "الآن صار في يدٍ واحدة." لم تكن جملة مديح؛ كانت حكمًا على من كان قبلها. هند أعادت صينية الشاي إلى مكانها لكن هذه المرة قرب سلمى، لا قرب باسل. حركة صغيرة، إلا أنها غيّرت ترتيب الوجهة داخل المكتب كله. باسل مد يده مرة كأنه يريد أن يسترد اللاسلكي، ثم أنزلها عندما لم يلتفت له أحد.
ظن أن إنقاذ الاختناق يكفي، لكن الضربة الحقيقية جاءت مع الشاحنة الأخيرة. دخلت من طرف الممر الخلفي مقطورة بيضاء عليها ختم الجهة المشرفة، محملة بوحدة تحكم مطلوبة للموقع فجرًا. حارس الأمن عند مسار الخروج تقدم ومعه سجل التسليم، وقال من بعيد: "هذه لا تمشي إلا بتوقيع صاحب المسار وبطاقة التفويض." التفتت الأنظار إلى باسل تلقائيًا بحكم العادة، فاستعاد جزءًا من جرأته وقال: "أنا أوقع." أبو راشد رد قبل أن يمد باسل يده: "على أي صفة؟"
تصلّب باسل. "مكلّف اليوم." "ومن كلّفك؟" لم يجب مباشرة. نظر إلى الشابين خلف أبو راشد، إلى العمال، إلى سلمى المعلّق اسمها الآن على صدرها. الضرر كان ظاهرًا في الساحة: رزمة ممزقة، تأخير متراكم، وممر انغلق ثم فتح بأوامر غير أوامره. حاول آخر محاولة حماية لنفسه، فتقدم نحو طاولة الإطلاق وقال لسلمى بحدة خافتة: "أعطيني البطاقة، نعديها الآن وبعدها نتفاهم." هي لم تناقش. وضعت كفها فوق دفتر الإطلاق ومنعت السجل من أن ينزلق إليه، وقالت: "المسار لا يخرج باسم مستعار."
الشاب الأصغر من طرف الجهة المستلمة أخرج هاتفه وصوّر رقم الشاحنة والختم والزمن على الشاشة المعلقة فوق الباب. هذه الحركة الصغيرة قتلت ما بقي لباسل من مساحة مناورة. أبو راشد مد يده أمام الجميع، لا إلى باسل بل إلى سلمى. "بطاقتك كانت عند غيرك. الآن ترجع لك رسمي. هذه الحمولة لا تمر إلا منك." التفت باسل ببطء، كأن الدوران نفسه صار مكلفًا. كانت البطاقة في صدر سلمى، لكن المشبك الاحتياطي الذي كان يستخدمه لتعليق تصريح الممر بقي في جيبه. فهم المطلوب متأخرًا، وأخرجه. لم يعد يستطيع أن يقول لا؛ ليس بعد أن صار التوقيع، أمام المندوبين والحارس والعمال، مرتبطًا باسم واحد فقط. ناولها المشبك والتصريح بيده المرتجفة قليلًا. اضطر أن يمد ذراعه كاملة كي تصل، واضطر أن يتركها عندما أمسكتها. في تلك اللحظة سقط وجهه من موقع الآمر إلى رجل يقف مزاحًا من طريقه هو نفسه.
ثبتت سلمى التصريح على السجل، وقلبت الصفحة إلى خانة الخروج النهائي. "يا حارس، افتح مسار التفتيش. يا مروان، المقطورة البيضاء على الخط الأصفر فقط. ولا أحد يدخل بيني وبين البوابة." تحرك الرجال كأنهم عادوا إلى وزنهم الطبيعي بعد اعوجاج طويل. باسل حاول أن يتكلم مرة أخيرة: "أنا كنت فقط—" لكن أبو راشد قطعه بنظرة باردة، تلك النظرة التي تعيد الرجل إلى حجمه من دون كلمة. وتراجع باسل تلقائيًا إلى جانب الباب، المكان الذي كانت تُدفع إليه سلمى في بداية الوردية.
عند مسار الأمن، تحت الضوء الأبيض القاسي، وقفت سلمى مع الحارس أمام المقطورة الأخيرة. راجعت الختم، طابقت الرقم، ثم رفعت يدها إشارة الخروج. تحركت الشاحنة الثقيلة ببطء، ومرّ هيكلها من تحت المظلة كأنه يسحب معه بقية الاختناق خارج الساحة. بعد أن تجاوزت العجلات الخط الأخير، مدّ الحارس إليها المشبك المعدني الذي حمله باسل ساعات في غير موضعه. كان على حافته أثر باهت من طلاء قديم وخدش عند السن، علامة الاستعمال التي تعرفها أصابعها من كثرة ما أعادته متأخرًا إلى جيبها في نهايات الوردية. أخذته بيدها المفتوحة، فضرب المشبك راحة كفها ضربة خفيفة، واستقر فيها.