Fast Fiction

الصف انكسر لتمر هي

أشارت هناء بطرف بطاقة الترتيب وقالت لمنسق الضيافة: «لا، مو هنا. خليها على طرف المجلس النسائي أول، وإذا نادوهم للصعود نشوف.» توقفت سلمى وفي يدها وصل موقف السيارة نصف مطوي من كثرة ما فتحته وأغلقته، كأنه ورقة عالقة من يوم طويل لا يريد أن ينتهي. خلفها دخلت قريبات بعيدات بعبايات لامعة، ومضين قبلها من غير سؤال. حتى أم راشد، التي كانت قبل شهرين تستقبلها عند الباب بوجه مفتوح لأن العائلة والأصدقاء يعرفون، اكتفت الليلة بهزة رأس قصيرة ثم التفتت إلى ضيفة أخرى كأن التأخير المقصود لا يعني أحدًا.

كان المجلس في فيلا واسعة شمال الرياض، والسلم الداخلي يصعد إلى هبوطٍ مفتوح على منصة الضيوف الكبار حيث يجلس الآباء والأعمام ومن يملكون كلمة الموافقة الأخيرة. هنا لا يكفي أن تُعرف القصة؛ من يصعد أولًا، من يُفسح له، ومن يبقى عند الحافة، هذا هو الكلام الحقيقي. وسلمى تعرف ذلك جيدًا، لأنها لم تصل من فراغ. خرجت من مناوبتها المتأخرة في شركة تشغيل تابعة لإحدى مجموعات قطاع الطاقة، بدلت حذاءها في السيارة، وصعدت بالمصعد المعدني الذي يحمل في مرآته أثر مسحات قديمة وبصمات كثيرة، ثم جاءت وهي تظن أن أسوأ ما ينتظرها سؤال ثقيل من كبير العائلة، لا هذا الخفض البارد أمام كل العيون.

قالت هناء بصوتٍ يكفي من حولها: «الترتيب الليلة حساس. مو أي أحد يمر على الهبوط الداخلي.» ثم التفتت إلى سلمى بابتسامة رفيعة لا حرارة فيها. «اجلسي شوي، لا تستعجلين. الضيوف أولى.»

لم تجادلها سلمى. وضعت الوصل المطوي داخل حقيبتها، ونقلت نظرها من البطاقات المصطفة عند المدخل الداخلي إلى السلم. كانت بطاقات صغيرة كريمية، كل اسم فيها يحدد مسار صاحبه لا مقعده فقط. رأت بطاقة باسمها موضوعة آخر الطاولة الجانبية، بعيدًا عن خط الصعود. مدّت يدها إليها، قلبتها مرة واحدة، ثم تركتها مقلوبة على الطاولة وابتعدت لتقف تحت الدرج بدل أن تجلس حيث أرادوا لها. حركة صغيرة، لكن منسق الضيافة لمحها، وتردد قبل أن يعيد البطاقة إلى مكانها.

جاءت قهوة، ثم تمر، ثم موجة أخرى من الداخلات. كل مرة يتحرك الصف نحو السلم، كانت هناء ترفع يدها بخفة، فيتوقف المنسق، أو تتراجع إحدى البنات، أو يُفتح الممر لاسمٍ آخر. صارت سلمى ترى الطاعة وهي تتشكل في أجساد الناس: كتف ينحرف، صينية تُدار، خطوة تُؤخر. حتى ابنة خال راشد، التي كانت قبل دقائق تلوح لها بحرارة، خفضت صوتها حين اقتربت وقالت باعتذار مرتبك: «هناء تقول الأفضل تنتظرين تحت لين يكتمل السلام فوق.» ثم انسحبت بسرعة قبل أن تُحسب عليها وقفة خاطئة.

أما هناء فاستعارت سلطة ليست لها وحدها، ومشت بها واثقة. كانت تقول «أم راشد طلبت»، وتقول «الكبار يبغون ترتيب واضح»، ثم تقدم من تشاء وتؤخر من تشاء. وحين لمحَت سلمى تحاول الاقتراب مع دفعة الصعود التالية، أغلقت الخط بجسدها كأنها تصلح زحامًا عابرًا. «مو الآن.» قالتها وهي تلتفت لامرأتين أكبر سنًا. «تفضّلوا، الطريق لكم.»

ارتفعت حرارة المساء كلما انفتح الباب الخارجي، ودخل معها غبار خفيف ورائحة عود أغلى من أن يضيع على هذه المهزلة. من أعلى السلم نزل راشد أخيرًا، لا من باب الرجال الرئيسي بل من الممر الجانبي الذي يصل الهبوط الداخلي بالمجلسين. كان في ثوبه أثر جلسة طويلة، والجمود المرهق عند كتفيه يشبه قسوة نهاية الوردية أكثر مما يشبه أناقة مناسبة. لمح سلمى عند أسفل الدرج، ثم لمح هناء وهي توقف المنسق بإشارة من أصبعين.

تباطأ نزوله درجة واحدة. لم يسأل سلمى أولًا. سأل المنسق: «بطاقة سلمى وين؟» تلعثم الرجل، ونظر إلى هناء قبل أن يجيب. وهنا كان أول الشرخ المرئي في الليلة: يد المنسق لم تذهب إلى هناء، بل إلى الطاولة الجانبية حيث البطاقة المقلوبة. التقطها مكرهًا، ورفعها. مد راشد يده، أخذ البطاقة، قلبها على الوجه الصحيح، ثم صعد بها لا نازلًا. وقال وهو يتحرك: «هذه فوق.»

لم يعلن شيئًا بعد، لكنه غيّر الطريق قبل الكلام. وقف عند الهبوط الداخلي، أوقف امرأة كانت تستعد للمرور إلى الصف الأمامي، وقال لها بلطف محسوب: «لحظة يا خالة، من هنا.» وأشار إلى الممر الجانبي. ثم التفت إلى الأسفل، ومد البطاقة إلى منسق الضيافة نفسه. «افتح لها.» اضطر الرجل أن ينزل درجتين، يزيح حبل المسار المخملي القصير من خط الوسط، ويقف جانبًا. لأول مرة انشق الخط الذي سُدّ في وجهها علنًا. صعدت سلمى، لا بسرعة المنتشية ولا ببطء المترددة؛ صعدت كأن هذا حق تأخر فقط. مرت بمحاذاة هناء، وسمعت احتكاك أنفاسها قبل أن تسمع همس القريبات يتغير.

لم تستطع هناء ابتلاعها. لحقت بهما إلى الهبوط، وصوتها هذه المرة أعلى لأن الشهود أهم. «راشد، الله يهديك، مو كذا يصير. قدام الكبار في ترتيب، ووجه العائلة مو لعبة. إذا كل أحد دخل من الخط الأمامي صارت فوضى.» كانت تقف نصف خطوة أمام سلمى، تمنع تمامًا ولا تمنع تمامًا؛ ذلك النوع من الوقاحة الذي يلبس ثوب الحرص.

من فوق، عند المنصة، التفت أم راشد. وعلى طرف المجلس وقف عمّان من العائلة وقد تركا حديثًا عن مشروع جديد في قطاع الطاقة لينظرا إلى السلم. حتى حامل دلة القهوة توقف عند حافة الهبوط، لا يعرف لمن يقدّم أولًا. الحفل نفسه انشدّ إلى تلك المسافة الضيقة بين درجتين.

قالت سلمى أخيرًا، وصوتها لم يخرج عاليًا لكنه خرج مستقيمًا: «إذا أنا ضيفة على الهامش، قوليها باسمي قدامهم. لا تخفينها وراء الترتيب.» رمشت هناء مرة، كأنها لم تتوقع أن تُسحب إلى أرض واضحة. قالت بسرعة: «أنا أحفظ المقامات.» ردت سلمى: «وأنا ما أقبل تُستخدم المقامات ستارًا لإبعادي.»

حاولت هناء القفز فوقها إلى الكبار. «خالة، أنا فقط أمشي على اللي اتفقنا عليه. ما يصير تطلع هي قبل بنات البيت.» وكانت تلك آخر حركة حماية من النظام القديم: أن تجعلها «هي» بلا اسم، وبلا موضع، مجرد متطفلة على سُلَّمٍ يُقرأ فيه النسب والرضا.

نزل راشد درجة حتى صار بمحاذاة سلمى لا أمامها، ثم أخذ البطاقة من يد المنسق مرة ثانية ورفعها بمستوى النظر، لا كزينة ورقية بل كأمر مقروء. «اتفقنا عليه أنا.» التفت إلى أمه وإلى الأعمام لا إلى هناء. «وسلمى تصعد من المقدمة. مكانها عند الهبوط مع أمي، وبعدها يدخل الباقون.» ثم جاء القطع الذي لم يترك لهناء موضعًا تختبئ فيه: أشار بيده إلى جانب السلم وقال لمنسق الضيافة: «رجّع الصف. أولًا سلمى. بعدها خالتي. هناء، خطوة وراء.»

انخلع وجه هناء لحظة. لم يكن في الأمر مجرد تفضيل؛ كان ترتيبًا جديدًا يُقرأ على الأجساد. المنسق، الذي ظل ساعة يطيع إشارة أصابعها، هبط فورًا ورفع الحبل من جهتها لا من جهة سلمى. امرأة كانت قد وضعت قدمها على أول درجة تراجعت معتذرة. حامل الدلة دار بصينيته نحو سلمى أولًا. وعلى المنصة، تحركت أم راشد بنفسها، وأزاحت طرف عباءتها عن المقعد القريب منها، موضعًا حيًا لا كلامًا.

قالت هناء بشراسة خافتة: «أنا بنت البيت.» فالتفتت إليها سلمى، لا إلى راشد، وقالت الجملة التي أغلقت الباب بيدها هي: «وبنت البيت ما تحتاج تكسر الطريق على ضيفة ليبان قدرها.» ثم مدت يدها إلى البطاقة من يد راشد، وثبتتها بنفسها على الحامل النحاسي عند رأس الممر الأمامي، فوق البطاقة التي كانت هناء قد وضعتها لامرأة أخرى. حركة صغيرة، لكن صوت المعدن حين استقرت البطاقة كان حادًا كصفعة مؤدبة. صار الاسم في المقدمة، والاعتراض خلفه.

ارتبكت هناء ومدت يدها كأنها ستنزع البطاقة، لكن عمّ راشد قال من فوق بنبرة لا تحتمل المساومة: «خليها.» كانت الكلمة وحدها كافية لتُسقط ما بقي لها من سلطة مستعارة. يدها علقت في الهواء لحظة ثم نزلت. ولم يعد أحد ينظر إليها طلبًا للإذن.

تابع راشد، والآن كان يوزع المواضع كمن يعيد قص القماش على جسدٍ أخطأ الخياط قياسه: «القهوة لسلمى هنا. والسلام بعدها. وأي أحد عنده اعتراض يجي يكلمني أنا بعد الحفل، مو يعطل الممر.» فقدت هناء حتى ذريعة الأدب؛ لم تستطع أن ترفع صوتها أكثر من ذلك أمام الكبار بعدما سُمّي الاعتراض باسمه: تعطيل الممر. أحد أبناء العم، الذي كان قبل قليل يفسح لها الطريق، انزاح تلقائيًا خلف الدرابزين. ابنة الخال نفسها التي اعتذرت لسلمى نزلت عينيها وأخذت مكانًا متأخرًا. المسافة التي كانت تضيق على سلمى انفتحت، ثم أغلقت خلفها على غيرها.

صعدت سلمى الدرجات الأخيرة، ومرت من الهبوط الداخلي إلى الموضع الذي فُرض عليه أن يعترف بها. أم راشد لم تعانقها ولم تعتذر، لكنها وقفت لاستقبالها قبل أن تجلس، ورفعت يدها إشارة قصيرة إلى الدلة. في تلك الإشارة وحدها خسرَت هناء أكثر مما كان يمكن أن تخسره في شجار كامل؛ لأن الضيافة نفسها بدلت صاحب الأولوية.

مال راشد قليلًا وقال لسلمى بصوت لا يسمعه إلا القريب: «كمّلي.» لم تشكره. لم تحتج. أخذت مكانها عند الطرف الأقرب إلى أمّه، ثم نظرت إلى الممر الذي حاولوا تجميده في وجهها. كان الآن يعمل لها، لا عليها.

بعد دقائق، ومع انتقال الداخلات بين المجلس والهبوط، صار الترتيب الجديد أسرع من الكلام. عند الممر الضيق الداخل إلى الهبوط، اندفعت خادمة بعباءة موحدة لتضبط عبور مجموعة صاعدة، ثم لمحت سلمى مقبلة من الجهة الداخلية، فتراجعت هي أولًا. انكمش كمّها الأسود إلى الحائط في سحبة قماش قصيرة، وانفتحت المسافة أمام سلمى، بينما أعاد الباقون ترتيب وقفتهم خلفها. مشت سلمى عبر الهبوط الداخلي من غير أن تلمس أحدًا، والوصل نصف المطوي في حقيبتها يضغط ضلعها مع الخطوة التالية.