الطعم صاد صاحبه
ضرب بدر بيده على ذراع الحاجز الأصفر عند بوابة التحميل، فنزل الحديد أمام رافعة ريم وهي في منتصف الممر. اهتزت الباليتة فوق الشوك، وتمايلت صناديق العدادات الملفوفة بالبلاستيك. قال بصوت مسموع للوردية كلها: "وقفيها. فحص كامل. وما تتحرك ولا قطعة من مسارك إلا بإذني." على الحافة الضيقة لكاونتر الاستلام كانت علبة وجبة باردة مفتوحة نصف فتحة، وبجانبها إيصال مطوي ومفكوك أكثر من مرة. التفت سائقان، ورفع سالم مسؤول الوردية عينيه من سجل التسليم. لم تكن هذه مجرد وقفة شغل؛ هذه الشحنة إذا تعطلت، دخل اسم ريم في التقرير قبل أذان الظهر، واسمها أصلاً صار هشًّا بما يكفي.
أوقفت المحرك، ونزلت من الرافعة ببطء محسوب. الحر في ظهر المستودع بالرياض كان يرد من الخرسانة كأنه يخرج من الأرض نفسها. قالت: "أمر الفحص يكون على مسار محدد، مو على كامل التسليم." ابتسم بدر ابتسامة صغيرة فيها لذة إهانة أكثر من سلطة، وأخرج من ملف بلاستيكي ورقة قديمة، صوتها اليابس شق الجو بينهما. رفعها قليلًا بحيث يراها سالم والسائقان وأبو نايف، الذي جاء قبل دقائق من المجلس الداخلي ينتظر شحنة القطع العاجلة لمشروع الشركة، وبالصدفة السيئة هو خال ناصر.
ناصر لم يكن هنا، لكن العائلة والأصدقاء يعرفون. هذا وحده كان يكفي ليجعل أي كلمة تُقال أمام أبو نايف أثقل من الحديد المرفوع على الشوك. بدر لوّح بالورقة وقال: "نفس الاسم. نفس اليد على الاستلام. قضية النقص القديمة رجعت من الأرشيف، واللي عندها ماضي مع العهدة ما تستلم اليوم كأن شيئًا لم يكن." لم ينظر إلى ريم وهو يقول "ماضي"، بل نظر إلى أبو نايف، كأنه لا يوقف موظفة بل يعلّم رجلًا أكبر منه أين يضع احترامه. انقبض فك سالم، وترك القلم فوق السجل دون أن يعلق.
مدت ريم يدها إلى الورقة. سحبها بدر نصف سحبة ثم أعطاها إياها، فقط بعد أن أكمل استعراضه. كانت نسخة من محضر قبل ثلاث سنوات، يوم اختفى من ساحة فرعية صندوق أدوات ونُقلت التهمة على اسمها لأنها وقّعت آخر استلام. فوق النسخة ختم إعادة فتح. أسفلها تعليق جديد بخط بدر: "يُعلّق أي إفراج مرتبط بالاسم لحين مراجعة مسؤول التسليم." لم ترفع رأسها إلا بعد أن قرأت السطر الأخير. قالت: "هذا التعليق ما يغطي المسار هذا." رد فورًا: "أنا أغطيه. وإذا عندك اعتراض ارفعيه بعدين." ثم أشار إلى عامل البوابة: "أقفل الممر كله."
كان يريد أكثر من تعطيلها. كان يريد أن تُرى وهي تُردّ من البوابة، تحت نظر رجل من العائلة يعرف أن ناصر تقدّم لها ولم يُعلن الأمر إلا داخل الدائرة الضيقة بانتظار موافقة نهائية. في هذا المكان، بين باب المجلس الداخلي وستائر الممر المؤدي إليه، أي كسر لوجهها يخرج من الشغل إلى البيت مباشرة. أحست بهذا حين تحرك أبو نايف خطوة، ثم توقف على حدود الظل ولم يتدخل. لا مجاملة هنا، ولا ستر إذا ثبتت الإهانة بالشغل.
قالت ريم لسالم: "هات سجل الإفراج الحالي." نظر سالم إلى بدر أولًا. قال بدر وهو يفتح درج الكاونتر ويدفع دفتراً جديدًا: "لا، هذا أنظف. خلّينا نمشيها رسمي من البداية." كانت هذه هي الخطوة التي زادت عن الحاجة. لم يكتف بإبراز الملف القديم؛ أراد تسجيل منع حيّ جديد أمام الجميع. أخذ القلم، وكتب في أعلى صفحة التسليم الطارئ: "تعليق فوري على مسار ريم رقم 4، وعلى كل ما يتصل بعهدتها، حتى انتهاء المراجعة." ثم وقّع باسمه الكبير، وذيلها بختمه بوصفه مشرف المناوبة. سمع الجميع صوت الختم أكثر مما رأوا الحبر.
رفعت ريم عينيها إلى السطر، ثم إلى رقم المسار المكتوب تحت عنوان الصفحة. لم تقل شيئًا لثانيتين. الممر رقم 4 لم يكن يخصها وحدها اليوم؛ منذ الفجر نُقلت إليه شحنة بدر الخاصة القادمة من ساحة المورد الخارجي لأن باب 2 تعطل، وسالم نفسه بدّل الترتيب على عجل بعد صلاة الفجر. في المسار 4 الآن باليتتان لها، وثلاث لبدر تحمل قطع صمامات مستعجلة باسم الإدارة العليا. بدر كتب "على مسار ريم رقم 4" ثم وسّعها بيده إلى "كل ما يتصل بعهدتها". وهو قبل دقائق أجبر العمال أن يضموا المسار كله تحت وقف واحد.
قال سالم بحذر: "يا بدر، التوقيع هذا..." فقاطعه بدر بحدة: "نفذ. لا تفسر." ثم مد الورقة إلى عامل البوابة: "أي إفراج من 4 موقوف حالًا. حالًا." كان يحكم الفخ بإحكام زائد، مثل رجل شد الحبل أكثر حتى عقده على يده هو. ريم أخذت جهازها من جيبها، ومسحت بإبهامها على الشاشة مرة واحدة، ثم قالت بصوت هادئ: "أرسلت صورة التوقيع." ضحك بدر ضحكة قصيرة. "أرسليها لمين؟"
رفعت الهاتف إلى أذنها، ولم تبتعد. لم تبحث عن زاوية خفية، ولم تخفض صوتها. "ألو يا أستاذ هاني؟ معك ريم من الاستلام الخلفي. أحتاج تأكيدًا مباشرًا على صلاحية الإفراج المؤقت عن المسار 4 بعد توقيع تعليق شامل من مشرف المناوبة." سكتت لحظة، والحر يضغط على الصفائح المعدنية فوقهم حتى صار الهواء يرن. ثم قالت: "نعم، أرسلت الآن صورة الورقة. نعم، نفس المسار الذي عليه شحنة الصمامات الخاصة بالإدارة."
هنا فقط التفت بدر كله نحوها. اسم هاني لم يكن اسمًا عاديًا في المستودع؛ مدير ضبط الحركة الإقليمي لا يتلقى اتصالات من أي موظف عند باب التحميل. قال بدر بحدة أقل، كمن انتبه متأخرًا إلى حافة الطريق: "قفلي الاتصال، هذا اختصاص موقعي." لم ترد عليه. من الهاتف جاء صوت خافت لا يسمعه غيرها، لكنها كررت جملة بعناية ليصير السمع جماعيًا: "نعم. حسب قرار العام الماضي، الإفراج المؤقت في المسارات المشتركة لا يملكه المشرف إذا كان طرفًا في الشحنة المتأثرة. ينتقل تلقائيًا لمن يحمل اعتماد أرشيف القضايا المفتوحة." رفعت نظرها إلى سالم. "وهو عندي."
لم تكن مفاجأة مسرحية؛ كانت ورقة مدفونة في بنية المكان. يوم أُلصقت بها تهمة النقص قبل ثلاث سنوات، رفضت الخروج رغم ضغطهم، وبقيت في قسم الأرشيف ثلاثة أشهر تنقل سجلات الاستلام وتراجع النواقص. هناك، عندما أعادت الشركة تنظيم الصلاحيات، مُنحت اعتماد الأرشيف المفتوح وربطوه بنظام الإفراج المؤقت لأن أحدًا غيرها لم يرض بهذا العمل. ظل الاعتماد في اسمها بعد عودتها إلى الميدان لأن لا أحد اهتم بإلغائه. بدر لم يسأل يومًا عمّن ينظف الملفات القديمة؛ كان يكفيه أن يلوّح بها.
قال سالم: "إذا كان طرفًا في الشحنة..." ولم يكمل. الهاتف ما زال على أذن ريم. صوتها صار أكثر اختصارًا: "واضح. أريد التأكيد على اسم صاحب الصلاحية الحالي." ثم سكتت، وانخفض كتفاها قليلًا لا ارتخاءً بل ثباتًا. "وصل." أغلقت المكالمة، ووضعت الهاتف فوق الكاونتر بين علبة الوجبة الباردة والإيصال المطوي. كانت الشاشة تعرض رسالة داخلية قصيرة من هاني، باسمها الكامل ورقم اعتمادها، وتحتها جملة واحدة: "يجمّد المسار 4 كاملًا ويكون الإفراج بيدك وحدك حتى فصل الشحنات."
لم تلتقط الهاتف ثانية. تركته حيث يراه الجميع. أبو نايف اقترب خطوة واحدة فقط؛ ليس فضولًا، بل ليتأكد مما يخص الشحنة التي جاء من أجلها. سالم قرأ الرسالة بفمه نصف المفتوح، ثم رفع عينيه إلى بدر كما يرفع عامل مفتاحًا إلى باب تغيّر مالكه. قال بدر بسرعة: "هذا سوء فهم. شحنتي منفصلة، يعرفون هذا." ردت ريم لأول مرة وهي تنظر إليه مباشرة: "أنت اللي دمجت المسار. وأنت اللي وقفت الإفراج كاملًا. وأنت اللي وقعت."
مد يده إلى الدفتر كأنه يريد سحب الصفحة. سبقته ريم، أغلقت الدفتر براحة يدها، وقالت لسالم: "بلّغ البوابة تنفيذ الوقف على كامل 4 حسب توقيعه. وبعدها افتح باب 3 لشحنتي أنا فقط بعد نقلها يدويًا للمسار المفصول." سكت سالم لحظة، والقرار الثقيل يزن كيس إسمنت في يديه. من جهازه اللاسلكي خرج تشويش، ثم صوته هو هذه المرة: "البوابة، تثبيت الوقف على مسار 4 كاملًا. لا يطلع شيء من 4. تجهيز باب 3 لتحويل أولوية مسار ريم بعد الفصل."
انفجر غضب بدر متأخرًا. "مجنون أنت؟ عندي تسليم للإدارة بعد أقل من ساعة." لم يصرخ أحد في وجهه، ولم يحتج أحد إلى ذلك. الضرر ظهر على الأرض أولًا. العامل عند الحاجز أعاد إنزال الذراع الحديدي، لكن هذه المرة أمام الرافعة التي تحمل باليتة بدر الأولى حين حاول سائق المورد سحبها إلى الباب الجانبي. ارتدت العربة للخلف واصطك الخشب بالمعدن. في الطرف الآخر، بدأ عاملان يفكان أحزمة باليتات ريم لينقلاها إلى المسار المفصول. كل حركة صارت تقول الشيء نفسه: توقيعه أوقف بضاعته قبل أن يوقفها.
قال بدر لسالم: "أنا المشرف هنا." أجابه سالم ببرود موظف تعب من الورط: "على الشحنة المشتركة لا." ثم التفت إلى ريم ينتظر الكلمة التالية. هذا وحده كان كافيًا لقلب الترتيب القديم. لم تعد هي من تُسأل لتدافع؛ صار هو من يقف خارج السطر الصحيح. حتى أبو نايف، الذي التزم الصمت طويلًا، لم ينظر إلى بدر حين سأل: "شحنة الصمامات هذه باسمه الشخصي ولا باسم القسم؟" أجاب سالم: "باسمه في التفويض المؤقت." السؤال نفسه كان قصًا آخر في وجهه؛ رجل أكبر منه يطلب التوصيف الرسمي بعدما كان قبل دقائق يتفرج على إهانة جاهزة.
قالت ريم: "افصلوا باليتتيْن أولًا. اللي عليها ملصق أزرق تخرج من باب 3. الأحمر يبقى تحت الوقف حتى تعيدون الفرز." حاول بدر أن يتحرك نحو الباب 3، لكن عامل البوابة وقف بجسده في المسافة، لا تحديًا بل تنفيذًا. "أمر الإفراج عند الأستاذة ريم." لفظ "الأستاذة" خرج فجأة واضحًا، كأنه كان موجودًا دائمًا وينقصه فقط من يجرؤ على استعماله. بدر مد يده إلى هاتفه واتصل بأحد، ثم غيّر نبرته مرتين في أقل من نصف دقيقة. لم يرد عليه أحد بالسرعة التي اعتادها. الوقت الذي استخدمه لإذلالها عاد الآن كسكين بارد على عنقه هو.
على طرف الكاونتر، الإيصال المطوي انفتح قليلًا من تيار المكيف الخارج من الباب الداخلي، فظهر اسم مطعم شعبي وتاريخ اليوم. علبة الوجبة ظلت مكانها، أرزها متيبس عند الحافة. ريم لم تكن قد أكلت. لم تكن بحاجة الآن إلا إلى أن يبقى كل شيء دقيقًا. أشارت إلى سجل التسليم وقالت لسالم: "دوّن: تحويل أولوية الإفراج بعد تعارض مصلحة المشرف، بناءً على التعميم." لم تزد كلمة. كتب سالم. كل حرف كان يدق مسمارًا إضافيًا في نفس الباب الذي أغلقه بدر بيده.
حاول بدر للمرة الأخيرة أن يخرج من الحفرة بالوجه لا بالنظام. نظر إلى أبو نايف وقال: "يا عمّي، ما يصير تأخذون صورة غلط. أنا بس أحفظ حق المنشأة." لم يرد أبو نايف فورًا. مسح بطرف إبهامه مسبحته مرة، ثم قال دون رفع صوته: "المنشأة تحفظ حقها بدون استعراض على بنت واقفة في شغلها." كانت الجملة قصيرة، لكنها أسقطت آخر غطاء اجتماعي كان بدر يحتمي به. ليس لأن أحد وبخه، بل لأن ميزان المجلس المجاور دخل لحظة إلى ساحة التحميل ثم انسحب، تاركًا الحكم في مكانه.
رن جهاز البوابة. أجاب سالم، ثم قال: "باب 3 جاهز." نظرت ريم إلى باليتتيها بعد فصل الأولى. تقدمت إلى الرافعة، شغلتها، ورفعت الشوك تحت الحمل الأزرق. المعدن ارتجف، ثم استقام. مرّت بالعربة بمحاذاة بدر، بينه وبين الكاونتر الضيق، حتى اضطر أن يلتصق بالحافة ليفسح الطريق. لم تنظر إليه وهي تمر. فقط قالت لسالم: "بعد خروج الأزرق، يبقى الوقف على 4 كما هو. لا تُفك شحنة المشرف إلا بعد لجنة الفصل." ثم أخذت المنعطف نحو باب 3، وتركت خلفها في الممر الآخر ثلاث باليتات لبدر واقفة كأنها تُعاقَب بظل توقيعه.
عندما خرجت من باب 3 إلى المجرى الجانبي المؤدي إلى الموقف الخلفي، كانت الريح الحارة تدور عند حافة الخرسانة بين الجدار وقناة التصريف. من فوق الكاونتر اندفعت قصاصات أوامر التسليم الخفيفة التي كان سالم قد مزق زوائدها، تتقافز على الأرض كرقائق باهتة، ثم ارتدت مع الهواء في مجرى الخروج راجعة نحو الداخل، نحو البوابة التي أقفلها بدر أول مرة. مضت ريم بمحاذاة القناة، وتركت القصاصات تجرّ أثرها على الخرسانة خلفها.