Fast Fiction

ضحكوا أولا ثم انكشفوا

"سارة، وقفي هناك لو سمحتِ، هذا المقعد محجوز." قالت نهى الجملة وهي تسحب كرسي البلاستيك من طرف الصف وتدفعه بركبـتها نحو شاب يلبس شماغًا ناصعًا، ثم أشارت لسارة إلى المساحة الضيقة بجانب آلة القهوة. بقيت سارة واقفة، وحبل بطاقتها المهترئ يعلق بطرف عباءتها كلما تحركت، بينما على الطاولة الجانبية كوب شاي تُرك حتى برد وترك دائرة داكنة على الخشب. في القاعة المكيّفة بقسوة، كان كل شيء يقول انتظارًا مرتبًا إلا هي؛ هي وحدها بدت كأنها زائدة عن اللائحة.

الشاب جلس وشكر نهى باسم دلع يعرفه من يعرف البيت قبل المكتب. ضحكت نهى ضحكة قصيرة، ثم قالت بصوت مسموع يكفي الصف كله: "المرشحين ذوي الأولوية لهم ترتيب مختلف، والباقي ينتظر النداء." لم تلتفت إلى سارة وهي تقول "الباقي"، كأنها لا تحتاج حتى أن تنظر إلى من تنزله درجة. سارة قبضت على نصف ورقة مطوية مرات كثيرة؛ إيصال قديم لفحص والدها وتأجيل فاتورة، حملته من حقيبتها بلا قصد صباحًا ثم بقي في يدها كأنه يذكرها لماذا لا تحتمل أن تضيع هذه الفرصة. هذه المقابلة في شركة كبرى من قطاع الطاقة لم تكن رفاهية ولا محاولة حظ أخيرة؛ كانت الباب الوحيد الذي بقي مفتوحًا بعد أشهر من عمل مؤقت ووعود مؤجلة.

رفعت سارة رأسها إلى سبورة الأسماء المثبتة على الحائط قرب باب المقابلات. كانت الأسماء مطبوعة بشرائح مغناطيسية سوداء على لوح أبيض: أولوية أولى، أولوية ثانية، انتظار. لمعت عيناها لحظة، ثم ثبتت. اسمها موجود. "سارة الدوسري" واضح، لكنه منزوع من أعلى العمود وملصق أسفل قائمة الانتظار، وفوقه وُضع اسم الشاب نفسه بخط جديد أكثر سوادًا. لم يكن هذا فوضى. كانت ترى بقايا اللاصق عند المكان الأعلى، ومسحة باهتة حيث أُزيل اسمها على عجل.

تحركت قبل أن يبرد غضبها مثل الشاي على الطاولة. مشت إلى اللوح، لا إلى المكتب، ووقفت بحيث يراها الصف. "اسمي كان فوق." قالتها هادئة، لا تشرح ولا ترجُو. نهى رفعت حاجبها، وتقدمت بخطوتين سريعتين كمن يطفي شرارة صغيرة. "لا تلمسين اللوح. الترتيب من الإدارة." مدّت يدها أمام سارة لا لتمنعها من لمس اللوح فقط، بل لتعيدها إلى مكان الوقوف. الشاب على المقعد أدار فنجان القهوة الورقي بين أصابعه، وفي طرف فمه شيء من التسلية الوقحة، كأنه يحضر عرضًا يعرف نهايته.

من آخر المقعد الطويل، رفع رجل مسن رأسه من ملف كان يراجعه. كان أبو راشد، مستشار متقاعد معروف عند كثيرين في المدينة، حضر ليزكي حفيد أخته لمقعد تدريبي، وله من العمر والهيبة ما يجعل الموظفين يعدلون نبراتهم فورًا. نظر إلى اللوح، ثم إلى يد نهى المرفوعة في وجه سارة. "إذا اسمها كان فوق، خليها تقولها كاملة." لم يقلها بنصح، قالها كطلب حساب. التفتت الرؤوس دفعة واحدة؛ ليس لأن الجملة عالية، بل لأن من قالها لا يُتجاوز بسهولة.

قالت سارة وهي تنظر إلى اللوح لا إلى نهى: "حضرت أمس للمطابقة، ووقعت على كشف الأولوية الأول. اسمي كان تحت مقابلة الحادية عشرة إلا ربع، قبل اسم الأستاذ فهد." الشاب على المقعد تصلب عند سماع اسمه الحقيقي، ونزلت ضحكته. نهى ردت بسرعة زائدة: "تم تحديث الترتيب صباحًا." أبو راشد لم يترك لها المخرج سهلًا. أشار بعصاه القصيرة إلى موظف النداء خلف الزجاج: "يا ولدي، من الذي حدّثه؟"

ارتبك موظف النداء، شاب نحيف اسمه معلّق على صدره: "ما أدري يا عم، القائمة وصلتني من الأستاذة نهى." كانت نهى قد التفتت نحوه بنظرة حادة تطلب منه الصمت لا الإجابة، لكن الإجابة خرجت. هنا ظهر أول شرخ في ثقة القاعة القديمة؛ الشاب الجالس سحب قدميه إلى الخلف قليلًا، وامرأة كانت تهمس لجارتها توقفت عن الهمس ونظرت إلى بقايا اللاصق على السبورة. قالت سارة: "خليه يجيب كشف الأمس." لم ترفع صوتها. مجرد طلب مباشر في المكان الخطأ بالنسبة لنهى.

قالت نهى: "هذا إجراء داخلي، وليس من حق أحد—" فقاطعها أبو راشد وهو ما يزال في مقعده: "إذا صار التغيير أمام الناس، يصير الرد أمام الناس." ثم أدار وجهه إلى موظف النداء: "جيب الكشف." لم تكن الجملة صراخًا، لكنها نقلت مركز الثقل من يد نهى إلى المقعد الذي يجلس عليه رجل أكبر منها ومن وظيفتها. نهى سحبت نفسًا قصيرًا، ومن شدة التوتر مررت إصبعها على شاشة الجهاز اللوحي حتى أصدر صوتًا جافًا.

عاد موظف النداء بملف شفاف. فتحه واقفًا عند الزجاج، وللحظة ترددت يده لأنه يعرف لمن ينتمي النفوذ في هذه القاعة. أبو راشد لم يرمش. "اقرأ." ابتلع الشاب ريقه وقرأ: "الأولوية الأولى: سارة الدوسري." سقط الاسم في القاعة كشيء معدني. ثم تلعثم وهو يقلب الصفحة: "التعديل الصباحي... مكتوب بخط يد... تحويل الأولوية إلى فهد العتيبي لاعتماد الأستاذة نهى." رفعت امرأة في آخر الصف هاتفها قليلًا ثم أنزلته حين شعرت بنظرة من زوجها؛ لم تحتج القاعة تصويرًا، الدليل صار مسموعًا.

وجه نهى انشدّ حتى بدا أصغر. "فهد مرشح موصى به من الإدارة العليا." قالتها أخيرًا، لكن الجملة خرجت أضعف مما أرادت؛ لم تعد تشرح ترتيبًا، بل تدافع عن عبث مكشوف. هنا فتح الشاب فهد فمه أخيرًا: "أنا قلت لكِ فقط إن عندي موعد بعد الظهر." أراد أن يبعد نفسه خطوة، فخانته الخطوة. نهى التفتت إليه بحدة، تلك اللحظة وحدها كانت خسارة وجه كاملة؛ حليفها يتراجع عنها في نفس الصف الذي منحتْه المقعد فيه.

وقبل أن تجمع جملتها التالية، انفتح باب الممر المؤدي لغرف المقابلات. خرجت هديل، مديرة التوظيف الإقليمية، بعباءتها الرمادية وبطاقة الشركة الزرقاء على كتفها. كانت قد سمعت آخر السطور لا أولها، ويكفيها من القاعة منظر اللوح، الملف المفتوح، ووقفة نهى أمام سارة كحاجز بشري. "ما الذي يحدث؟" سألت وهي تتقدم. تكلمت نهى فورًا، بسرعة من يريد احتلال الهواء قبل غيره: "مجرد سوء فهم في ترتيب النداء—"

لكن أبو راشد رفع الملف من يد موظف النداء وسلمه لهديل مباشرة. "ليس سوء فهم. اسمها نُقل." هديل قرأت السطرين، ثم رفعت عينيها إلى اللوح. اقتربت حتى لامست بأصابعها أثر الشريط اللاصق الباهت في الموضع الأعلى. كانت حركة صغيرة، لكنها كشفت التلاعب أكثر من أي خطاب. التفتت إلى نهى: "من سمح لكِ؟" لم تُجب نهى فورًا. هذه الثانية الواحدة كانت كافية ليعرف الصف كله أن السلطة التي كانت تستعيرها قبل دقائق لم تعد في يدها.

قالت نهى: "التوصية جاءت شفهيًا." قالت هديل: "وأنتِ حوّلتِ أولوية مرشحة موثقة بخط يدك إلى انتظار؟" نهى حاولت أن تعدّل نبرتها إلى المهنية: "كنت سأعالجها لاحقًا." قالت سارة، للمرة الأولى وهي تواجه هديل مباشرة: "لا، كان المطلوب أن أنتظر واقفة حتى يدخل غيري." ثم أشارت إلى المقعد الذي أُخذ منها، وإلى كوب الشاي البارد على الطاولة، وإلى اسمها الهابط على اللوح. لم تكن تحتاج أكثر من هذه الأشياء الثلاثة؛ المقعد، الكوب، والاسم. كل واحد منها يقول الإهانة بطريقته.

هنا انكسر الترتيب القديم بسرعة. هديل استدعت موظف النداء باسم واضح: "خالد، صحح السبورة الآن." ثم التفتت إلى نهى لا بصوت مرتفع، بل بصيغة أقسى: "ابتعدي عن إدارة النداء. من هذه اللحظة." كانت الجملة قصيرة، لكنها سحبت من نهى ما كانت تتكئ عليه أمام الجميع: الحق في النداء، والحق في ترتيب الناس. تحرك خالد إلى اللوح بيدين مرتجفتين، نزع اسم سارة من أسفل الانتظار، وأعاده إلى أعلى عمود الأولوية. الشريحة المغناطيسية التصقت بطقة صغيرة سمعها الصف كله. بعد ثانية أزال اسم فهد من الأعلى وأعاده إلى مكانه الصحيح بعد المرشحين الموثقين.

لم تجلس سارة حين أشار لها أبو راشد إلى المقعد الفارغ. بقيت واقفة. كانت تعرف أن الجلوس الآن يخفف المشهد، وهي لا تريد تخفيف شيء. هديل فتحت ملف المقابلات وقالت بصوت مسموع، لا يترك مجالًا لتجميل ما حدث: "نبدأ من البداية. صاحبة الأولوية الأولى..." توقفت لحظة، كأنها تعيد ترتيب القاعة نفسها لا الأوراق فقط. نهى كانت واقفة قرب الطاولة وقد تركت يدها الجهاز اللوحي أخيرًا، لا تعرف أين تنظر. فهد انشغل بتعديل شماغه الذي لم يعد ناصعًا كما كان قبل عشر دقائق.

قالت هديل: "سارة الدوسري." هذه كانت اللحظة التي حاولت نهى فيها آخر حركة حماية للنظام القديم. تقدمت نصف خطوة وقالت: "أنا أوصلها للغرفة." التفتت سارة إليها قبل أن تلتفت إلى هديل. كان في عينيها ذلك البرود الذي أخطأ الجميع في قراءته منذ دخلت القاعة. "ما يحتاج." ثم أجابت النداء بصوت واضح حمل إلى آخر الصف: "أنا سارة الدوسري." وخطت تحت اسمها المصحح مباشرة، لا من جانب نهى، بل من المسار الأوسط بين المقاعد، حيث يراها كل من جعلها قبل قليل واقفة كزيادة عدد.

فتح خالد الباب الداخلي بنفسه هذه المرة، لا بإشارة من نهى. تحركت سارة نحوه، ومرّت بالمقعد الذي حُجب عنها أولًا من دون أن تلمسه. عند الجدار، قرب سبورة الأسماء، وقفت نصف ثانية فقط. رفعت يدها وعدلت شريحة اسمها بإصبع واحد حتى استقرت مستقيمة تمامًا في أعلى القائمة، ثم قالت من غير أن تنظر خلفها: "خلوها كما هي." وعلى الحائط بقيت سبورة الأسماء تحمل: سارة الدوسري في الخانة الأولى، والحروف ثابتة لا تتحرك.