Fast Fiction

الحفرة التي حفرها سقط فيها

صفع منصور طرف الرف المعدني بظهر كفه وقال للحارس: "اكتب التأخير على ليث. إذا الشحنة ما خرجت خلال عشر دقائق، هو المسؤول." كان شريط البطاقة على رقبة ليث مهترئًا من كثرة ما سُحب وردّ، والورقة المطوية نصف طيّة في جيبه العلوي قد انفتحت حوافها من كثرة ما راجع فيها مصاريف البيت ومشوار أمه للمستشفى. الحر في ساحة التحميل الخلفية يطلع من الإسفلت نفسه، والباب الدوّار للمستودع يزفر هواءً ساخنًا كأنه فرن. أمام عاملين وسائق رافعة شوكية وحارس البوابة، مدّ منصور ذراعه كأنه صاحب القرار كله، مع أن بطاقته الزائرة المعلّقة عند صدره باهتة وممسوحة الاسم.

قال ليث بهدوء قصير: "التأخير من اعتماد الاستلام، مو من التحميل." رد منصور من غير ما ينظر له: "أنا جبت الاعتماد. أنت عليك تطلعها. أو تبغى أشرح لأبو ريان إنك تعطل شغل قطاع الطاقة في الظهيرة؟"

كان هذا يكفي ليضع اللوم في فم المكان كله. أبو ريان، صاحب المورد، ليس حاضرًا بعد، لكن اسمه وحده يغيّر نبرة الحارس والعمال. ليث هو الذي يركض بين الاستلام والتحميل، يطفئ غلطات غيره، ويتحمل ما يتساقط من فوق. منصور ابن أخت شريك قديم، يدخل المجالس من الباب الواسع، ويستعير سلطته من وجوه أكبر منه ثم يوزعها كأنها ملكه.

تحركت أول عربة يد محملة بصناديق الصمامات نحو الحافة، فتقدم منصور خطوة وسحبها بإشارة حادة. "لا، هذه تنتظر. نبدأ بالحمولة الثانية. بسرعة." التفت إلى سالم، أصغر العمال، وقال بصوت مسموع: "إذا لخبط عليكم، خذوا الأمر مني أنا مباشرة." كانت هذه الدفعة الزائدة الأولى؛ أخذ حق التوجيه علنًا من ليث أمام الرجال، ثم وضع الفوضى القادمة كلها على رأسه.

لم يرد ليث فورًا. فقط نظر إلى ترتيب المنصات، ثم إلى بطاقة الخروج المعلقة على المشبك عند باب التحميل. في الأعلى توقيع الاستلام الأصلي، وفي الأسفل خانة تعديل المسار، فارغة. أخذ نفسًا قصيرًا، ورفع كفه لسالم. "وقف الثانية. خلي الأولى على يسار المسار." التفت العامل مترددًا بين الصوتين، لكن في اللحظة نفسها انفتح باب داخلي، وخرج موظف الاستلام بكوب شاي ورقي وصاح: "السيارة البديلة وصلت للجهة الشرقية، مين يحول لها؟"

لم يلتفت منصور إلى الشرق. كان مشغولًا بإثبات نفسه أكثر من رؤية الحركة. قال بازدراء: "ما فيه تحويل. كل شيء يطلع من هنا. لا أحد يغير إلا بإذني." ثم اقترب من ليث حتى صارت المسافة بينهما ضيقة على نحو فج، وأضاف بخفوت مسموع للحارس: "بعض الناس إذا تركته يومين يظن نفسه رجال المجالس. ترى العائلة والأصدقاء يعرفون عن هند، ولا أحد يرضى يزوج بنته لواحد يتوه في بوابة تحميل."

لم يتغير وجه ليث، لكن الورقة المطوية في جيبه ضغط عليها بإصبعه حتى تجعدت. الكلام لم يعد عن وردية ولا شحنة. صار عن مجلس مساء، وعن نظرة أم هند، وعن ذلك النوع من الابتسامات الرسمية التي تُسحب فجأة إذا دخلت عليها شبهة عجز. منصور يعرف أين يضرب، ويختار الموضع الذي لا يترك كدمة ظاهرة لكنه يفسد الوجه كله.

دخلت سيارة أبو ريان السوداء تحت ظل الجدار الجانبي. نزل الرجل ببطء من المقعد الخلفي، وخلفه مسؤول الاستلام من الموقع الكبير الذي تخدمه الشركة. توقفا عند حافة الساحة، حيث يسمعان ولا يحتاجان أن يتدخلا فورًا. في الممر الجانبي كان ضوء الممر يهدر همهمة ثابتة فوق باب صغير يفضي إلى جهة الاستلام الشرقية. هناك، ظهرت عربة سحب صغيرة تجر منصة بديلة عليها بطاقات جديدة مختومة بعجلة الوقت.

هنا فقط تحرك شيء بارد في ذهن ليث. لم ينظر إلى منصور، بل إلى المنصة البديلة وهي تبدأ فعليًا بالتحرك نحو الجهة الشرقية. موظف الاستلام رفع ملفًا وقال: "عندي تحويل مسار للدفعة الأولى لأن الجهة الغربية مزدحمة. نحتاج اسم من يرفض أو يوافق." كانت الخانة نفسها لا تزال فارغة في بطاقة الخروج الأصلية عند المشبك.

قال ليث، بصوت يصل لأبو ريان من غير أن يرفعه: "البديل بدأ يتحرك." منصور دار إليه بسرعة، كأنه سمع تحديًا لا إجراءً. "أنت ما توافق ولا ترفض. أنا أقول لا تحويل." وخطف المشبك، وسحب بطاقة الخروج، وكتب اسمه في خانة الرفض بخط متسرع، ثم لوّح بها لموظف الاستلام. "منصور السبيعي. خروج من المسار الغربي. الآن."

صار الاسم على الورق. هذا هو الشيء الذي احتاجه المكان أكثر مما احتاج صراخًا. موظف الاستلام أخذ البطاقة بعين مهنية لا تهتم بمنصور نفسه، بل بمن تحمل عليه المسؤولية إذا تعطلت البوابة. هز رأسه، وأعاد نداءه في اللاسلكي. في الجهة الشرقية، لم تتوقف العربة البديلة؛ كانت قد دخلت فعلاً ضمن إجراءات الاستلام الداخلي، وصار التراجع عنها يحتاج إيقافًا رسميًا من البوابة الرئيسية، لا من فم رجل واقف في الحر.

اقترب أبو ريان خطوتين. لم يقل شيئًا. فقط مد يده إلى الحارس، فأعطاه دفتر حركة البوابة. عيناه توقفتا على اسم منصور في خانة الرفض، ثم على توقيت دخول البديل الشرقي المسجل قبل نصف دقيقة. هناك انكشفت الحفرة وهي لا تزال تُحفر.

شد منصور صوته أكثر. "سالم! لف الرافعة. افتح الغربي. خلهم يطلعون من هنا. بسرعة، لا تعقدونها." قال ليث: "المسار الشرقي استلم أول دفعة." "قلت الغربي." "صار عندك رفض مسجل." التفت منصور نحو أبي ريان كأنه يطلب تصديق السلطة التي استعارها دائمًا. "أبو ريان، الرجال يجادل. الشحنة لازم تخرج من هنا. أنت تعرفني."

لكن معرفة المجالس شيء، ودفتر حركة البوابة شيء آخر. مسؤول الاستلام من الموقع الكبير مد يده مباشرة نحو البطاقة وقال للحارس: "باسم من الرفض؟" أجاب الحارس وهو واقف باستقامة فجائية: "باسم الأستاذ منصور." قال المسؤول: "إذن أي تعطيل على الغربي من مسؤوليته. افتحوا الشرقي للدفعة المحولة."

في تلك اللحظة تغير حق التوجيه على الأرض. لم يحتج أحد إلى إعلان كبير؛ يكفي أن سالم أنزل شوكتي الرافعة قليلًا، ثم أدارها نحو الممر الشرقي بدل أن ينظر إلى منصور. يكفي أن الحارس رفع السماعة وبلّغ: "مرور الشرقي معتمد." ويكفي أن أبو ريان لم ينظر إلى منصور أصلًا، بل قال لليث: "كم منصة راحت؟"

"الأولى داخلة. والثانية تمشي الآن." "أكمل."

كان الأمر قصيرًا، لكنه نزع المركز القديم من الساحة كلها. ارتفع وجه منصور ثم هبط في ثانية واحدة. تقدم خطوة إلى منتصف المسار الغربي، يرفض أن يفهم أن الأرض لم تعد تمشي بأصابعه. لوّح ببطاقة الرفض وقال: "أنا اللي وقعتها، وأنا أقول افتحوا. يا حارس، افتح السلسلة. الآن."

هنا جاءت الخطوة الزائدة التي تكسر الظهر. الحارس لم يفتح. رفع الدفتر أمام صدره مثل حكم نهائي صغير وقال: "السلسلة ما تنفتح للمسار المزدحم إذا فيه تحويل قائم ورفض مسجل باسمك." حاول منصور أن يتجاوز الحاجز المعدني القصير بنفسه، فاندفع إلى الممر الضيق عند منعطف التسليم، وهو المنفذ الذي أراد أن يفرض منه الخروج قبل قليل. في الوقت نفسه، كانت العربة الشرقية تكمل انعطافها الهادئ من الجهة الأخرى، تحمل الدفعة التي حاول تعطيلها أولًا.

ركضت الرافعة على إشارة سالم، والشوكات تهتز تحت الحمولة. صوت صفير الرجوع قطع الهواء، وعلب التثبيت المعدنية في المنصة الغربية ارتجت لما أجبرها منصور على الوقوف نصف وقفة ونصف حركة. مسؤول الاستلام رفع كفه فورًا: "وقف الغربي. خطر تكدس." صارت الكلفة مرئية فجأة؛ لا بالكلام، بل بالبضاعة التي تجمدت في المكان الخطأ، وبالمسار الذي صار يحتجز نفسه.

مد منصور يده إلى ليث، لا ليمسكه، بل كأنه يأمره أن يصلح ما كتبه هو. "سوها باسمك. عدل البطاقة. أنت كنت ماسك التحميل." نظر ليث إلى اليد، ثم إلى البطاقة المسجلة، ثم أخرج من جيبه جهازه الصغير وسلّم مسؤول الاستلام سجل الأوامر الصوتية القصير من المجموعة الداخلية؛ الوقت، طلب التحويل، بداية حركة البديل، ثم اعتراض منصور باسمه. لم يزد كلمة واحدة. فقط قال: "هذا مسار الأمر."

انحنى المسؤول على الشاشة، سمع الثواني الثلاث الحاسمة، ثم أعاد الجهاز إلى ليث من غير تعليق. بعدها التفت إلى الحارس: "أي فتح للمسار الغربي يكون بمسؤولية الاسم المدوّن. لا أحد يحوّلها على غيره." لم يعد هناك شيء يختبئ خلفه منصور. حتى أبو ريان، الذي كان يجامل في المجالس، صار وقوفه هذه المرة على مسافة رسمية باردة، لا قريبة ولا منقذة.

جرب منصور آخر ما عنده من سلطة مستعارة. رفع صوته باسم القرابة: "أنا أتكلم عن شغلنا كلنا، مو لعبة أوراق." لكن صوته خرج متأخرًا عن الحركة. الدفعة الثانية تبعت الأولى إلى الشرق، والرافعة التي كان يلوّح لها تجاهلته. سائقها لم ينظر إليه أصلًا؛ ثبت عينيه على إشارة ليث المفتوحة نحو الممر البديل. عند الحافة، انخفض كتف منصور لأول مرة، ثم دار بسرعة يريد أن يسبق بنفسه إلى منعطف التسليم ويوقفهم عند الخروج الأخير.

تبعه ليث بنظره فقط. لم يناده، لم يحذره، ولم يمد له حماية أخيرة. كان كل ما يحتاجه قد صار مسجلًا ومتحركًا على الأرض. عند منعطف التسليم، حيث يضيق المسار بين عمودين فولاذيين، انزلقت حمولة الشرق بسلام وخرجت إلى ساحة الإسقاط. أما الممر الغربي الذي أراد منصور أن يقتحمه ليعيد السلطة إلى يده، فكانت سلسلة البولارد قد بدأت ترتفع آليًا بعد إغلاق المسار المزدحم. حاول أن يمر قبل اكتمالها، فانشدت السلسلة المعدنية عبر الحارة بشدّة مفاجئة، وارتدت مستقيمة على مستوى صدره، قافلة الطريق الذي حاول فرضه.

وقف ليث عند طرف المنعطف لحظة واحدة، شريط بطاقته المهترئ يلامس ياقة قميصه من عرق النهار، والورقة المطوية نصف طيّة ما تزال في جيبه. نظر إلى المسار الشرقي وقد صفا، ثم قال لسالم: "كمّل الإنزال." وبعدها استدار وابتعد أولًا.