Fast Fiction

احترق الحد وبقي مكانه

أعادت عمة هشام المفتاح إلى ليان بعد أن دخلت آخر النساء وجلست، ثم قالت وهي تشير بطرف صحن التمر إلى زاوية عند الباب: «انتظري هنا شوي، المجلس امتلأ.» كان المفتاح دافئًا من يدٍ أخرى، متأخرًا أكثر مما ينبغي، والكرسي البلاستيكي الموضوع قرب علبة الأحذية لا يصلح لضيف ولا لابنة بيت. وقفت أمها في الداخل تحمل دلة القهوة بين الصفين كأنها لا تراها. على الصينية القريبة كأس شاي تُرك حتى برد وترك حلقة باهتة على الصحن. من نهاية الممر، لمحها هشام وهو يغيّر طريقه من جهة مجلس الرجال إلى الباب الجانبي، وتوقّف نصف لحظة أطول مما يسمح به الأدب.

لم تكن ليان ضيفة عابرة. كانت تأتي لهذا البيت قبل أن يكبر سورُه ويصير الدخول إليه بترتيب، قبل أن يتحول اسم والد هشام في قطاع الطاقة إلى جملة تكفي لفتح المجالس وإغلاقها. العائلة والأصدقاء يعرفون أن هناك احتمالًا قديمًا ظل معلقًا سنوات، لا هو قُطع ولا سُمّي. لهذا بالذات كانت الإهانة صغيرة ومكشوفة معًا: مفتاح يُسحب منها عند الوصول «ترتيبًا»، ثم يُعاد متأخرًا بعد أن يُفرَغ الداخل من مكانها.

مرّ هشام بمحاذاة الباب كأنه متجه إلى الحوش، ثم قال من غير أن يرفع صوته: «الستارة علقت من جهة المخزن. جيبي الدبابيس من الغرفة الجانبية.» الكلام موجّه للهواء، لكن عمة هشام التفتت إلى ليان فورًا. «روحي، دامك واقفة.» لم يعجبها أن تُستخدم في شغل البيت بعد هذا الانتظار، ومع ذلك تحركت، لأن الرفض هنا سيبدو مزاجًا لا كرامة. وحين دخلت الممر الضيق بين المجلس والمخزن، وجدت هشام قد سبقها إلى هناك، واقفًا عند حافة الضوء حيث تنتهي سجادة الممر وتبدأ بلاطات باردة.

كانت الغرفة الجانبية نصف مفتوحة، والستارة الثقيلة تقطع الرؤية عن المجلس بمقدار خطوة واحدة فقط. لو تقدمت هي خطوة أخرى لبدت قريبة منه أكثر من اللازم لمن يمر من آخر الممر، ولو اقترب هو لالتصق المعنى بالبيت كله. مد يده إلى الرف وأخرج علبة الدبابيس قبل أن تسأل. حين ناولها إياها، لم يلمسها، لكن المسافة بين أصابعه وكفها كانت ضيقة إلى حدٍ مهين ومغرٍ معًا. قال وهو ينظر إلى طرف الكم لا إلى وجهها: «ليش جلستِ هنا؟»

ضحكت مرة واحدة، قصيرة وجافة. «واضح ليش.»

جاء صوت صحون من الداخل، واقتربت خطى. رفعت ليان يدها إلى الستارة لتثبتها، فرفع هشام يده في اللحظة نفسها ليأخذ الطرف الآخر. توقف معصمها قبل أن يصطدم بيده بمقدار نفس. من خلف القماش مر ظل امرأة، ثم ابتعد. بقي الاثنان جامدين لحظة صارت أطول من آذان المغرب الخارج من مسجد الحي. بعدها سحبت يدها أولًا، وثبّتت الستارة من جهتها، وعادت إلى الباب ومعها العلبة كأنها أنهت مهمة عادية.

في المجلس تبدلت الوجوه قليلًا لا أكثر. عمة هشام استلمت منها الدبابيس بلا شكر، ثم أشارت إلى مكان أبعد. «اجلسي هناك، قدام الباب يضايق الداخلين.» المكان الجديد طرف كنبة ضيق بين بنتين مراهقتين وهاتف يرن بلا توقف على الطاولة. جلست ليان وقد التصق طرف عباءتها بخشب الطاولة الصغيرة. رأت هشام من فتحة الباب المقابل، يتحدث إلى رجلين من أقاربهم بوجهه العملي نفسه، الوجه الذي يصلح لاجتماعات الشركات الكبرى ولا يفضح شيئًا. لولا أنه ترك طريقه وجاء إلى الممر من أجل ستارة كان يمكن لأي خادمة أن تثبتها، لقالت إنها توهمت.

بعد الصلاة مباشرة ضجّ البيت بحركة تبديل الصحون ودخول دفعة متأخرة من الرجال إلى الملحق. حملت أم ليان علبة حلوى ملفوفة بورق ناشف يصدر خشخشة حادة تحت الضغط، وأشارت لابنتها: «خذيها للمطبخ الداخلي، لا تتركينها هنا.» قامت ليان من مكانها الضيق، وعند المنعطف المؤدي إلى المطبخ خرج هشام من المجلس الرجالي وفي يده سلسلة المفاتيح كلها. كان معها مفتاح الباب الجانبي النحاسي، ذاك الذي أخذوه منها عند الوصول. مرّ بها أولًا دون أن يبطئ، فشدت أصابعها على الورق حتى تكسر طرف العلبة. ثم عاد خطوة واحدة، كأن شيئًا نسيه، وأسقط المفتاح في صحن الفضة الموضوع على الكونسول قرب الممر.

رن المعدن رنة قصيرة. لم يلتفت أحد. لكن المفتاح الذي أُعيد على الملأ إلى صحن عام لم يكن عودة عامة؛ كان استثناءً مقصودًا لأنها الوحيدة التي ستفهم أن هذا الباب صار لها من جديد، بعد أن حُجب عنها في أول المساء. رفعت نظرها إليه. لم ينظر مباشرة هذه المرة. قال لابن خالته بصوت مسموع: «خلو الممر فاضي، فيه دخول وخروج.» ثم مضى. أخذت ليان المفتاح من الصحن وسط الورق الناشف والحلوى، وشعرت كأن أحدًا رد إليها اسمها بطريقة لا تملك أن تحتج بها ولا تشكرها.

لكن الاستثناء نفسه زاد الأمر سوءًا. حين جاءت عمة هشام بعد قليل لترتب جلوس الكبيرات، وقفت عند حافة مجلس النساء ونادت: «ليان، لا تروحين وتجين عند الملاحق كثير. الليلة فيها رجال كبار، والبيت مو لعب.» لم تكن جملة طويلة، لكنها قُصد بها أن تُسمع. ثم نقلت وسادة من مكان قريب إلى مكان أبعد، وأجلست زوجة أحد الشركاء القدامى قرب أم هشام، وتركت ليان في آخر الصف عند المدخل، حيث يمر الداخلون أولًا ويخرج الهواء الحار من الباب الجانبي. حتى أمها لم تعترض؛ شدّت طرف شيلتها فقط، كأن الاعتراض سيكلفها فوق ما تحتمل.

في تلك اللحظة صار كل شيء مقروءًا أكثر مما ينبغي. لا أحد قال اسم هشام، ولا أحد احتاج إلى ذلك. يكفي أن امرأة من البيت تُبعدها يدٌ أكبر سنًا عن الممرات، وأن يُعاد ترتيب الجلسة أمام زوجات يعرفن كيف تُصنع السمعة من مسافة كرسي. ليان أحست بالإهانة تصير نظامًا. لو اقتربت من أي باب بعد الآن، فلن يُقرأ اقترابها حركة عابرة؛ سيُقرأ اختيارًا.

طال السمر، وخفّ الضجيج مع خروج بعض الضيوف. أخذت أمها حقيبتها وخرجت مع خالتها إلى السيارة لتعيد طبقًا نسينه عند القريبة في البيت المجاور. «دقي علي إذا خلصوا القهوة الأخيرة.» قالتها على عجل وتركت ليان في البيت لأن عودتهما لن تتجاوز دقائق. البيت اتسع فجأة. في الداخل بقي صوت ملعقة في فنجان، ثم سكن. من جهة الملحق أُغلق باب المجلس الرجالي، وتفرقت الخطوات. بقيت ليان وحدها عند الممر الذي يقود إلى الغرفة الجانبية نفسها، والمفتاح في جيب عباءتها أثقل من المعدن.

كان يمكنها أن تخرج إلى الحوش وتنتظر عند السيارة. كان ذلك الأسلم. لكنها رأت من آخر الممر باب الغرفة الجانبية مفتوحًا أكثر من قبل، والضوء فيه هادئًا، لا ظل يتحرك خلف الستارة ولا صوت امرأة ولا رجل. وظهر هشام عند العتبة الداخلية كأنه لم يأتِ من مكان بعيد؛ فقط أزاح الباب قليلًا بيده وترك المساحة التي تكفي لدخول شخص واحد. لا دعوة لفظية، ولا إشارة فجة. مجرد فراغ مفتوح بين الخشب والكتف.

تقدمت ليان حتى صارت عند الإطار الخارجي للباب. الحرارة من الحوش خلفها، وبرودة المكيف من الغرفة أمامها. هذه المرة لا ستارة بينهما ولا أصوات قريبة تسعف أحدًا بالعذر. لو خطت نصف خطوة أخرى، ستصير داخل المساحة التي فتحها لها بيده. ولو دخلت، فلن يكون في المشهد إلا ما لا يمكن إنكاره على نفسها أولًا.

قال هشام بصوت أخفض من العادة: «المفتاح معك.»

لم يكن سؤالًا. ولم يكن عن الباب. رفعت يدها وأخرجت المفتاح من جيبها، ثم أبقته في راحة كفها. كان يكفي أن تمد يدها به، أو أن تقول شيئًا يخفف هذا الاحتراق الصامت، أو أن تسأله لماذا فعل ما فعل. لكنه ظل واقفًا داخل الغرفة لا عندها، تاركًا بينهما مقدار نصف خطوة مشتعلة وواضحة. حتى الآن كان هو من يفتح ويعيد ويمنع ويستثني. الخط الأخير صار عندها.

دخل هواء دافئ من الممر فحرّك طرف كمها. رفعت ليان بصرها إليه أخيرًا. لم تجد في وجهه طلبًا نظيفًا ولا تراجعًا مريحًا؛ وجدت انتباهًا كاملًا، ذلك النوع الذي يرى الإهانة التي ابتلعتها المرأة عند الباب ثم لا يعتذر عنها بالكلام. مد يده قليلًا، لا ليمسكها، بل كأنه يثبت الباب المفتوح كي لا يرتد. كانت المسافة تسمح لو شاء أن يغلقها في لحظة. ولم يفعل.

قالت: «لو جيت، بتصير سهلة عليك.»

تغير شيء صغير عند فمه، لا يصل إلى ابتسامة. «مو كل شيء أبيه لازم آخذه.»

الجملة نزلت في الممر بينهما أثقل من اللمس. خطوة واحدة كانت كفيلة بأن تنقلهما من التلميح إلى الفعل، من الاستثناء إلى كسرٍ لا يمكن رده إلى ترتيب ضيافة. شعرت ليان بنبضها في أصابع الكف التي تحمل المفتاح. ثم رفعت تلك اليد نفسها حتى صارت بمحاذاة إطار الباب، لا داخله. كأنها تختبر المسافة لا الرجل. تقدمت نصف خطوة، فقط حتى بردت حافة البلاط تحت مقدمة حذائها، ثم توقفت قبل الخط.

صار بين كتفها والباب مقدار ضيق، وبينها وبينه أقل من نفسين. لو أمال رأسه قليلًا، لو أسقط يده من الباب، لو تحركت هي بقدر لا يُرى، لانكسر كل ما شُدّ منذ أول المساء. لكنه لم يغلق الفجوة. بقي حيث هو، متراجعًا بما يكفي ليعرض المساحة، ثابتًا بما يكفي ليعترف بأنها لو عبرت فسيكون العبور منها لا منه.

خارج الغرفة انطفأ ضوء الممر الثاني، وارتدّ البيت إلى سكون البيوت الكبيرة حين يخرج آخر الضيوف ويبقى الأثاث واقفًا بشكله الرسمي. في الداخل كانت على الطاولة الجانبية استكانة شاي نسيت، برد سطحها وترك دائرة رقيقة على الصحن. نظرت ليان إلى الدائرة لحظة ثم أعادت بصرها إلى المسافة بينهما. لم تعد تريد منه وعدًا، ولا كلمة تُجمّل ما حدث عند الباب. يكفي أن يعرف أنها رأت الاستثناء، وأن يعرف هو أنها لن تشتريه بالعبور.

قالت، ويدها لا تزال قرب الإطار: «يكفي.»

لم تتراجع فورًا. ثبتت الكلمة في المكان أولًا، ثم أعادت المفتاح إلى جيبها ببطء، كأنها تحتفظ بما أُعيد لها لا بما عُرض عليها. وبعدها فقط رفعت يدها الأخرى إلى كم عباءتها، وطوته إلى أعلى قليلًا قبل أن تأخذ نصف الخطوة التي لم تكتمل؛ مرّ طرف القماش مرة واحدة على خشب العتبة وتوقف.