Fast Fiction

الطابور انشق لي

قالت موظفة التنظيم وهي تمد ذراعها أمام ليان: «لا، مدخل الضيفات الرئيسيات من هنا مو لك. تفضلي من الجنب.»

كان الحبل المخملي مشدودًا عند رأس الطابور، والفتحة الواسعة المؤدية إلى المجلس الأمامي مفتوحة لنساء بيت أم سلمان وحدهن. وقفت ليان تحت هواء الرياض الحار الذي ما زال عالقًا في عباءتها من مشوار طويل، كتفاها متيبسان من دوام امتد حتى العصر في شركة من شركات قطاع الطاقة، وفي يدها علبة طعام صغيرة برد ما فيها منذ خرجت من المستشفى ولم تجد وقتًا ترميها. رفعت الموظفة يدها مرة ثانية، هذه المرة أقرب إلى كتف ليان، كأنها تدفع اسمًا لا جسدًا.

خلف الحبل مرت نورة بنت خالة سلمان مع أم سلمان، يتقدمهما تقديم القهوة، ويُفسح لهما الطريق إلى الدرج الداخلي الصاعد إلى المجلس الأمامي حيث كبار العائلة. لم تنظر أم سلمان مباشرة إلى ليان. اكتفت بتلك الابتسامة التي تُعطى للبعيدين، وقالت لمنظِّمة الصف: «اللي معانا فوق. والباقي اجلسوهم في الصالة الجانبية إلى أن يخف الزحام.»

العائلة والأصدقاء يعرفون أن اسم ليان لم يكن يومًا من «الباقي». يعرفون الوعد القديم الذي بدأ من ممر مستشفى، يوم حملت هي أم سلمان إلى غرفة العناية بعد جلطة مفاجئة، وبقيت ليلتين على كرسي بلاستيكي، بينما كان سلمان خارج الرياض يوقّع عقودًا ويعتذر باتصالات متقطعة. يعرفون أن أم سلمان هي التي أمسكت يدها هناك وقالت: «أنتِ بنتنا، ووجهك علينا سابق.» ثم لما اتسعت تجارة أخي نورة، وصار المصاهرون أكثر فائدة لاسم العائلة، انكمش الوعد حتى صار لا يُقال.

وضعت ليان علبة الطعام الباردة على طاولة جانبية قرب إطار باب نصف مفتوح، ومررت إبهامها على شاشة هاتفها دون أن ترفعه. ضوءها الخافت لمع في راحة يدها ثم انطفأ. قالت للموظفة بصوت واضح لا يحتاج صراخًا: «اسمي ليان بنت فهد. بلّغي منسقة المجلس أني وصلت.» لم تكن هذه طاعة للطرد، بل تثبيتًا للاسم في الهواء قبل أن يدفنوه تحت الزينة.

التفتت بعض الوجوه ثم ابتعدت سريعًا، ذلك النوع من الابتعاد الذي يترك الإهانة قائمة ويمنح الجميع عذر الأدب. جاءت عاملة القهوة بصينية صغيرة، وبدل أن تبدأ بليان كما يقتضي القرب، انعطفت بجسدها كله إلى جهة نورة. حتى الخدمة قرأت المكان كما أرادته أم سلمان: نورة تُقدَّم، وليان تنتظر. وحين صعدت نورة أول الدرج بخفة ثوبها المطرز، توقفت لحظة ونظرت إلى ليان نظرة قصيرة وباردة، ثم سألت المنظِّمة عمدًا: «الجهة الجانبية فيها مقاعد كفاية؟ ما نبي أحد يضايق أهل الصف الأول.»

شدت ليان أصابعها حتى ابيضت مفاصلها، ثم أرخَتها. لم تدخل في مشادة. هذا ما أرادوه: أن يقال إنها جاءت لتفسد ليلة زفاف. اكتفت بأن تحركت من مكان الوقوف الميت إلى ظل عمود قريب من الدرج الداخلي، بحيث لا تغيب عن عين من يلزم. هناك، عند زاوية الممر، خرج خالد من مصعد الخدمة وهو يعلّق بطاقة تعريفه على ثوبه، وجهه مشدود من مناوبة في المستشفى قبل أن يلحق الزواج. رآها، فتوقف خطوة كاملة.

خالد كان ابن خال العروس، والطبيب المناوب ليلة الجلطة القديمة. يعرف أكثر مما يقال. نظر أولًا إلى علبة الطعام الباردة على الطاولة، ثم إلى الحبل، ثم إلى أم سلمان الصاعدة. قال بهدوء لا يناسب الفوضى: «ليان، ليش واقفة هنا؟»

قبل أن تجيب، سبقت أم سلمان من أعلى الدرج بصوتها: «خالد، النساء مرتبات. لا تدخل نفسك.» أرادت أن تبقي الأمر في حدود حركة ضيافة، لا في حدود حق. لكن خالد نزل خطوتين بدل أن يصعد، وأخرج هاتفه، واتصل بشخص ما من دون أن يدير ظهره لليان. لم يطل الاتصال. اكتفى بأن قال: «أنا عند الدرج الداخلي. نعم، هي وصلت. نعم، الآن.»

بعد أقل من دقيقة، انفرج باب جانبي صغير كان مغلقًا عند منصة استقبال أهل العريس. خرجت منه سيدة كبيرة في السن، تمشي ببطء مدروس يفرض الوقوف من غير أن تطلبه. كانت خالة والد سلمان، صاحبة الاسم الذي لا يُناقش حين يتعلق الأمر بترتيب المجلس الأمامي، وهي نفسها من شهدت في المستشفى على الوعد الأول. وقفت عند أعلى الدرجة الأولى، ونظرت إلى ليان مباشرة، لا إلى غيرها، ثم قالت للمنسقة: «افتحي الطريق. هذه تمر من هنا.»

تحركت المنسقة كمن أحرقته كلمة. رفعت الحاجز الصغير عند جانب الدرج، وانسحب جسد الموظفة التي منعت ليان قبل دقائق إلى الخلف حتى لامس الجدار. لم تلتفت ليان لأحد. التقطت علبة الطعام من الطاولة بيد، وأعطتها لأقرب عاملة تمر، ثم صعدت. أول انعطافة في الدرج كانت ضيقة، تحتاج أن ينساب الناس فيها واحدًا واحدًا. صعدت ليان من حقها الجديد، ووجدت نورة مضطرة أن تتنحى بثوبها إلى طرف الدرجة كي تمر.

عند منصة الهبوط الداخلية، حيث يتقاطع الصاعدون إلى المجلس الأمامي مع الخارجين من الصالة الجانبية، تبدل وزن المكان. لم يعد أحد يمر قبل أن يعرف أين تقف ليان. عاملة القهوة التي تجاوزتها قبل قليل توقفت بالصينية نصف ثانية، ثم غيرت جهة اليد وقدمت الفنجان أولًا نحو ليان. إحدى العمات أزاحت مقعدًا قريبًا من الممر وقالت للمنسقة: «هذا يظل فارغًا إلى أن تُرتَّب الأسماء.» أم سلمان، التي كانت تعطي التعليمات منذ بداية المساء كأن الصالة امتداد ليدها، صارت مضطرة أن تشرح نفسها بنبرة أهدأ: «ما أحد أنكر فضل أحد، لكن الليلة لها ترتيبات.»

لم يرد عليها أحد بجملة كبيرة. الرد جاء أسوأ: التوقفات الصغيرة. شابان من أقارب العريس وقفا على الهبوط ينتظران إشارة المرور. عاملة المناشف أجلت مرورها. حتى باب المجلس الأمامي ظل نصف مفتوح، كأنه ينتظر اسمًا واحدًا ليعرف على من يستقر. في هذا المكان الضيق، لا يقدر أحد أن يتظاهر بأن الجميع متساوون؛ من يصعد أولًا يُقرأ، ومن يُحبس عند الحافة يُقرأ أكثر.

نزل سلمان من الممر العلوي أخيرًا، ليس ليلحق بليان، بل ليلحق بالفوضى التي بدأت تفضحه. كان أنيقًا على نحو مبالغ، والارتباك ظاهر في فكه أكثر من عينيه. قال بصوت منخفض محاولًا حفظ وجهه: «ليان، مو وقته.» كلمة واحدة أراد بها إعادتها إلى المكان الجانبي كله. لكنها نظرت إليه كما يُنظر إلى شخص تأخر حتى خرج الأمر من يده. ثم حولت بصرها إلى الحبل القائم عند رأس الطابور المؤدي إلى صف المقاعد الأمامية داخل المجلس، حيث لا يدخل إلا من يحددهم أهل البيت مباشرة.

أم سلمان أدركت الخطر قبل غيرها. تقدمت خطوة، ووضعت يدها على عمود الحبل الذهبي وكأنها تملك الممر نفسه. قالت للمنسقة بسرعة: «نورة أولًا. أهل الترتيب واضحين.» كانت هذه آخر حركة حماية من النظام القديم: حسم علني سريع قبل أن يستقر الارتباك في صورة جديدة.

في اللحظة نفسها تعثر الخروج من الصالة الجانبية مع الصعود من الدرج. امتلأت منصة الهبوط بالأكتاف والعباءات وصواني القهوة. لا أحد يستطيع التقدم من دون أن يقول أحدهم من أول الداخلين إلى المجلس الأمامي. خالة والد سلمان رفعت عصاها الخفيفة قليلًا، لا لتشير إلى شخص، بل لتمنع التزاحم. خالد وقف جانبًا، لكنه لم يتكلم. الشهادة كانت حاضرة، والقرار صار على من تملكه.

تقدمت ليان خطوتين حتى صارت عند رأس الطابور. يد أم سلمان لا تزال على العمود. رأت ليان الارتجافة الصغيرة في أصابعها المذهبة بالخواتم، ذلك الخوف النادر حين يضطر من اعتاد الإزاحة أن يمسك العلامة بنفسه. مدت ليان يدها إلى الحبل، لا بعنف، بل بحسم محرج في هدوئه. نزعت يد أم سلمان عنه أولًا بأطراف أصابعها كما يُنزَع شيء وُضع في غير موضعه، ثم رفعت الحبل المخملي بيدها.

قالت للمنسقة، ولمن ينتظرون المرور، بصوت سمعه من في المنصة كلها: «أنا أدخل أولًا إلى المجلس الأمامي. عمتي الكبيرة بعدي. ومن جهة نورة ينتظرون خلف الحبل إلى أن يكتمل مرور أصحاب البيت المسمّين.» لم تزد كلمة واحدة. لا شرح، لا تذكير بالمستشفى، لا شكوى.

كانت الضربة في بساطتها. المنسقة، التي تجاهلت اسمها عند الباب، هزت رأسها فورًا وقالت: «تفضلي.» عاملة القهوة انعطفت بجسدها كاملًا إلى مسار ليان. الشابان على المنصة تراجعا خطوة معًا. نورة بقيت في مكانها ثانية ثقيلة، ثم اضطرت أن تعود نصف درجة إلى الخلف لأن الحبل صار فوق ذراع ليان، لا فوقها. أما سلمان ففتح فمه كمن يريد أن يصلح الجملة متأخرًا، لكن لا جملة تنفع حين تتحول الأولوية إلى طريق مرئي والانتظار إلى عقوبة أمام الناس.

دخلت ليان تحت الحبل المرفوع، ومشت ببطء محسوب لا يترك فراغًا لأحد كي يندس قبلها. عند عتبة المجلس الأمامي، مالت قليلًا لتفسح للخالة الكبيرة مكانها بعدها مباشرة. ثم استدارت نصف استدارة فقط، وأعادت تعليق الحبل على العمود المقابل، هذه المرة أبعد إلى اليمين، بحيث انفتح المسار الأمامي واسعًا لمن سمتهم، وانغلق على جهة نورة ومن معها.

ظل رأس الطابور محددًا أمام المجلس، والحبل المخملي يتأرجح واسعًا في الفراغ الذي فتحته ليان، بينما بقيت الجهة الأخرى خلف الخط الجديد.