Fast Fiction

الغرفة كلها قلبت عليه

"مو هذا اسم اللي ينادى أولًا." قالها فارس وهو يسحب اللوحة البيضاء من يد السائق، ثم رفعها أعلى من رأسه كأن الاسم ملكه، لا اسم شركة ولا اسم ضيف. كانت الحروف السوداء تقول: سلمى الحربي. شطبها بقلمه السريع، وكتب فوقها: وفد الشمال، ثم أشار بيده إلى طرف الممر الخارجي. "انتظري هناك. إذا بقي مقعد."

حر الظهيرة عند حافة الاستلام كان يضرب الإسفلت فيرد لهيبًا خافتًا تحت السيارات المصطفة. فناجين القهوة الورقية على الطاولة الجانبية فقدت سخونتها، لكن المرارة بقيت في الهواء. وقف رجال من قطاع الطاقة عند الظل الضيق قرب الأعمدة، وبعض النساء عند الباب الزجاجي يتابعن حركة السيارات كما يتابعون نتيجة تصويت. رأوا فارس يأخذ اللوحة من يدها، ورأوا سلمى لا تقول شيئًا. هذا أسوأ ما في الإهانة العلنية: أنها تبدو، للحظة، كأنها ترتيب طبيعي.

شدّت سلمى طرف بطاقتها الممغنطة المهترئ بإبهامها. في يدها الأخرى ورقة نصف مطوية، فاتورة قديمة أعادت فتحها كثيرًا حتى لان خطها من المنتصف؛ كانت قائمة بالمصروفات التي دفعتها من جيبها طوال أسبوع الإعداد: سيارات احتياط، حقائب عينات، وجبات متأخرة لطاقم الضيافة. لم تكن تحتاج أن تشرح لأحد لماذا يوجعها هذا المشهد الآن. الليلة نفسها كانت فاصلة؛ إذا خرج الوفد من الفعالية وهو يظن أن العمل قام به فارس، انتهى كل ما بنته بصمت.

هزّت كتفها من ثقل يوم طويل، ثم مشت بدل أن تنكمش إلى كرسي البلاستيك في الزاوية المخصص لمن تُترك أسماؤهم حتى النهاية. لم تتجه إلى فارس. اتجهت إلى السائق الثالث في الصف، انحنت قليلًا، وقالت بصوت لا يطلب إذنًا: "سيارة الأستاذ ناصر ما تنتظر عند المنحدر. لازم تتحرك الآن، باب الشحن الخلفي ما انقفل." التفت السائق فزعًا، وفي اللحظة نفسها خرج عامل يحمل صندوق الهدايا المخصص للضيوف الكبار، فانفرط شريطه ومال الصندوق عند الحافة. لو تحركت السيارة الأولى قبل الثانية كما رتب فارس، كان الصندوق سيسقط تحت عجلة أو أمام الوفد مباشرة.

قفزت سلمى وأمسكت جانب الصندوق قبل أن ينقلب، ورفعت بصدرها الباب الخلفي الذي لم يثبت. انزلق أحد الأظرف الفاخرة إلى الأرض، فالتقطته قبل أن يراه أحد من الصحافة الواقفة قرب المدخل. شاهد ذلك أكثر من شخص؛ السائق، والعامل، وامرأة من فريق البروتوكول وضعت يدها على فمها، وأبو راشد بنفسه عند باب المجلس الجانبي، حيث كان يودع كبار الضيوف. لم يُعد لها أحد اللوحة، ولم يتراجع فارس، لكن ثقته القديمة تعرضت لشرخ صغير، واضح كصوت الباب حين استقام في مكانه.

قال فارس بسرعة وهو يقترب، كأنه يمسح ما حدث: "هذا شغل عمال، مو شغلك. قلت لك انتظري." ثم التفت إلى السائقين بصوت أعلى: "أي سيارة ما تتحرك إلا بإشارتي. الليلة فيها كبار، واللخبطة ما تنفع." كانت نبرة الرجل الذي يستعير هيبة المكان من قربه من أصحابه. وهو يعرف كيف يفعلها؛ يوزع المجاملات على من فوقه، ويقسّي كلمته على من دونه، خصوصًا على سلمى لأن العائلة والأصدقاء يعرفون قربها القديم من البيت، ويعرفون كذلك أنها ليست من أصحاب الألقاب التي يفتح لها الناس الأبواب وحدها.

من عند طرف الحشد، قرب العمود الذي عُلقت عليه لافتة الاستلام، خرج صوت نورة واضحًا: "ومن اللي أعاد ترتيب جدول المغادرة من الأساس؟" لم ترفع صوتها كثيرًا، لكنها اختارت اللحظة التي يسمع فيها الجميع. تجمدت يد فارس في الهواء. التفت بعض الواقفين نحوها كما يلتفتون إلى شاهدٍ في مجلس حاسم.

ردت سلمى لأول مرة، من مكانها عند السيارة المفتوحة: "أنا."

جاء الجواب القصير كأنه حجر رمي في ماء ساكن. تحرك سائقان معًا نحوها بدل أن ينظروا إلى فارس. اقتربت موظفة البروتوكول نفسها وقالت وهي تراجع هاتفها: "صحيح. التعديل الأخير من سلمى. لو مشينا على الترتيب الأول كان وفد الشمال بيطلع قبل أبو راشد." انفتح في الصف فراغ صغير، ذاك النوع من الفراغ الذي لا يصنعه الجسد بل تغيّر القراءة. رجل كان يبتسم لفارس قبل دقيقة أخفى ابتسامته وانشغل بتعديل شماغه.

ضغط فارس أكثر، لأن التراجع أمام هذا الجمع لا يحتمل عنده إلا بوقاحة جديدة. خطف لوحة أخرى من على الطاولة، ورفعها بيده هذه المرة أعلى، كأن الارتفاع نفسه يصنع الحق. "الاستلام باسمي الليلة. أي اسم ينادى أنا أحدده." ثم أشار إلى سيارة سوداء وصلت لتوها، السيارة المخصصة لنقل أبو راشد وملف الاتفاق النهائي إلى الفندق حيث ينتظر وفد من دبي مكالمة الإقرار الأخيرة. "هذه السيارة لأبو راشد فقط. لا أحد يقرب منها. خصوصًا أنت."

كانت هذه المرة أوضح من الأولى؛ لم يعد يكتفي بإبعادها عن مقعد، بل يحاول قطعها عن الطريق الذي يثبت ملكية عملها. الملف داخل الحافظة الجلدية في المقعد الخلفي لم يكن مجرد ورق. سلمى هي من رتبت ملاحقه ونسخته النهائية، وهي وحدها تعرف أن النسخة التي أصر فارس على طبعها قبل العصر ناقصة ملحق التشغيل، وأن أبو راشد سيكتشف ذلك بعد عشر دقائق في الفندق، أمام الطرف الآخر، إذا غادرت السيارة الآن. لم تستدعِ أحدًا من الداخل. لم تلتفت لباب القاعة. الحل موجود هنا، عند حافة الاستلام نفسها، حيث قرر فارس أن يدفنها.

مدّت يدها إلى الطاولة وأخذت اللوحة البيضاء الأصلية التي كان قد رماها على الفناجين. مسحت بكفها أثر القلم السريع، فظهر تحت التشطيب اسمها القديم. لم ترفعه بعد. مشت مباشرة إلى السيارة السوداء حين فتح السائق بابها الخلفي نصف فتحة. وقف فارس في طريقها بكتف متوتر. "قلت لك لا."

قالت له، ببرود أشد من صوته: "إذا تحركت السيارة الآن، يطلع أبو راشد بملحق ناقص." لم تزد كلمة. لا شرح، لا تبرير. فقط الضرر باسمه ووقته.

ابتسم فارس ابتسامة مستعجلة يائسة، تلك التي يستعملها من يظن أن الكذب إذا قيل بثقة صار بروتوكولًا. "لا تكبّرين الموضوع قدام الناس. الملف راجعته أنا."

ومن طرف الظل جاء النداء الذي كسر ظهر الجملة. صوت أبو راشد نفسه هذه المرة، أجش من طول السلامات: "فارس. الملحق التشغيلي مع من؟"

ثبّت فارس ذقنه ورفع صوته وهو لا يلتفت كاملًا: "معي، طال عمرك."

رفعت سلمى اللوحة البيضاء أخيرًا، لا فوق رأسها بل أمام صدرها، بحيث تُقرأ كما تُقرأ بطاقة تصويت. وقالت، بالدرجة التي لا تحتمل لبسًا: "معي أنا."

تحركت الرؤوس كلها نحو اللوحة أولًا، ثم نحو الحافظة الرمادية تحت ذراعها. لم يروها قبل لحظة لأن فارس شغلهم بالصوت. الآن صارت الحافظة واللوحة في مستوى العين. انشق الصف عند السيارة السوداء. السائق الذي كان ينتظر إشارة فارس مد يده نحو سلمى تلقائيًا ليأخذ الملف. ولمّا حاول فارس أن يخطف الحافظة، انفتح القفل الجانبي الذي كان أهمله، فانسكبت منه النسخة التي راجعها هو: أوراق ناقصة، ترتيبها مختل، وصفحة الفصل الأخيرة غير موقعة. هبطت على الإسفلت أمام أحذية الوفد كصفعة مكتوبة. لم يحتج أحد إلى قراءة كل شيء؛ يكفي أن يرى الملحق مفقودًا من رزمة فارس وحاضرًا في يد سلمى.

امتد الضرر في ثانية. موظفان من الضيافة انحنيا يجمعان الأوراق عن الأرض، فاضطر فارس أن ينحني معهما. هذا وحده كان كافيًا ليخسر ارتفاعه. صارت لوحته المرفوعة بلا معنى، بينما سلمى واقفة والملف الكامل تحت يدها، والباب الخلفي مفتوح تجاهها لا تجاهه. من الداخل مال أبو راشد بجسده قليلًا، ولم يخرج، لكنه قال من مكانه: "تعالي يا سلمى. أنت تركبين معي."

لم تتعجل. هذه لحظة تُقرأ أكثر مما تُسمع. أخذت من يد السائق القلم الأسود نفسه الذي شطب به فارس اسمها أول مرة، وقلبت اللوحة على وجهها النظيف، وكتبت بخط مستقيم: سلمى — السيارة الأولى. ثم رفعتها عاليًا عند حافة المسار المفتوح. قال فارس بخشونة انكسرت في آخرها: "هذا تجاوز."

التفتت إليه، لا لتناقشه، بل لتقصيه من الجملة كلها. "التجاوز أنك ناديت على غير الترتيب، ومنعت صاحبة الملف من السيارة." ثم أعادت نظرها إلى السائقين والموظفين، أولئك الذين يتبعون اليد الواثقة لا الكلام الكثير. "السيارة الأولى لأبو راشد والملف معي. وفد الشمال ينتظر السيارة الثانية. وأي مناداة بعد كذا تمر من لوحتي."

في مثل هذه الأماكن، السلطة لا تحتاج ختمًا إذا صارت مقروءة أمام الشهود. السائق الأول قال "أمرك" واتجه نحوها. السائق الثاني سحب عربته نصف متر إلى الخلف ليفتح خط المسار كما طلبت. موظفة البروتوكول أخذت لوحة فارس من يده من غير أن تستأذنه، فقط لتخلي الطاولة. حتى الذين لا يعنيهم الملف فهموا المعنى الأبسط والأشد قسوة: الرجل الذي كان يوزع الخروج صار يعطل الخروج، والمرأة التي أُمرت أن تنتظر عند الكرسي البلاستيكي هي التي صار الطريق يتحرك معها.

حاول فارس أن يستعيد شيئًا، أي شيء. مد يده إلى باب السيارة كأنه يملك حق إغلاقه. سبقه السائق وفتح الباب كاملًا لسلمى. انكشفت الحافظة الجلدية على المقعد، ورأى أبو راشد النسخة الصحيحة في يدها والناقصة عند قدم فارس. عندها لم يعد في الإمكان ردّ الأمر إلى سوء تفاهم. كان الانقلاب قد صار إجرائيًا ومؤذيًا؛ ليس رأيًا في شخصيته، بل سقوطًا في قدرته على التحكم.

تقدمت سلمى خطوة واحدة، ثم توقفت قبل أن تركب. نظرت إلى نورة الواقفة عند الطرف، وإلى امرأة البروتوكول، وإلى السائقين، وإلى رجال الوفود الذين صاروا ينتظرون منها الإشارة. هذه النظرات القصيرة لم تكن بحثًا عن تأييد؛ كانت تثبيتًا للحد الجديد. ثم قالت، من غير رفع صوت: "لوحة الاستلام تبقى معي من اليوم."

كانت العبارة بسيطة، لكن وقعها أشد من أي شجار؛ لأنها لم تطلب السماح، بل أعلنت المالك الجديد للممر.

وعلى أرضية المسار المفتوح، بين خطوط الطلاء البيضاء التي تشبه ساحة تصويت، بقيت بطاقتها مرفوعة في يدها، واضحة فوق كتفها وهي تدخل السيارة الأولى، بينما الأيدي الأخرى التي كانت قبل دقائق ترتفع لتشير أو تمنع أو تعترض هبطت واحدةً بعد أخرى.