الخط ما تحرّك إلا بيدي
ضرب فهد بكفه على صندوق جهاز القياس وقال للسائق: «طلّعه على المسار ثلاثة، بسرعة.» كانت العربات متلاصقة في ممر الرفوف حتى صارت العجلات تأكل صوت بعضها، وسارة واقفة عند طرف منصة الإطلاق بلا سماعتها، ترى الملصق الأحمر على الصندوق من بعيد وتقول بحدة منخفضة: «هذا مو ثلاثة. هذا شحنة عزل ضغط، تطلع مع إذن منفصل.» التفت إليها فهد من خلف طاولة ضيقة حافتها مزدحمة بدفتر مقلوب وكوب شاي برد حتى ترك دائرة باهتة على الخشب، ثم مد يده وأخذ السماعة من فوق جهاز المسح قبل أن تصلها. «أنتِ اليوم تسجيل فقط. لا تتدخّلين قدام الناس.»
الصندوق كان قد تحرك فعلًا نصف متر، والسائق شادّ كتفه ينتظر الإشارة الثانية. لو خرج الخطأ من البوابة، لن يرجع بعتاب. اسم العقد المطبوع على الورقة وحده يكفي: مشروع تابع لقطاع الطاقة، والحمولة غالية إلى حد يجعل التأخير مصيبة والإطلاق الخطأ فضيحة. سارة رأت الملصق مرة أخرى، ورأت فهد يتعمد الوقوف بين يدها وبين لوحة الإطلاق المعدنية المعلّق فيها المفاتيح، كما لو أن الممر وما فيه صار إرثًا شخصيًا له. مدت يدها إلى الصندوق، أوقفت دفعه بكلمة واحدة للسائق: «ثبّت.» ثم رفعت ورقة الاستلام المطوية نصف طية من جيبها ومسحت الرقم بعينها. «سبعة-ألف-واحد. إذن حرارة. مو ثلاثة.»
فهد لم يرد على الرقم. رد على مكانها. قال بصوت أعلى ليصل إلى أمجد عند الرافعة وإلى العاملين الذين توقفوا يتابعون: «إذا كل واحد بيفتي ما نمشي. ارجعي لمكتبك يا سارة.» ثم رفع السماعة إلى أذنه وأمر: «المسار ثلاثة يفتح.» لكن السائق هذه المرة لم يحرك العربة. بقيت يده على المقود، وعينه بين الملصق وبين وجه سارة.
هذا كان أول شرخ صغير، لا يكفي ليكسبها شيئًا، لكنه جعل فهد يضيق عينيه. تقدم وأخذ الورقة من يدها، طواها بعنف وردها في جيب صدرها كأنها ملاحظة مدرسية. «أنا المسؤول هنا. والمفاتيح معي.» رنّت السلسلة في قبضته رنة قصيرة مستفزة. سارة لم تشرح. فقط استدارت عن الطاولة، دخلت نصف خطوة في الممر، ورفعت يدها لأمجد: «نزّل الرافعة من عند الرف التاسع. لا تحمل شي قبل ما أراجع الصف.» لم يكن ذلك إذنًا رسميًا. كان حدًا. أمجد تردد، ثم خفّف شوكة الرافعة من الحمولة المعلقة.
الحر عند بوابة التحميل كان يدخل مثل نفس حار، والظهر اقترب من صلاة الظهر حتى صار الوقت نفسه ضغطًا فوق ضغط. في الطرف الآخر ظهر أبو ناصر، والد فهد والمشرف الأقدم في المركز، مع رجل بملف جلدي ومنديل مرتب في الجيب. خلفهما ريم من الاستقبال تسرع وهي تهمس: «مندوب العميل وصل.» الاسم انتشر بين الرفوف أسرع من أي أمر. هذا هو العقد الذي يتكلم عنه فهد في البيت من أسبوعين، وهذا هو التثبيت الذي تنتظره سارة منذ سنة كاملة من دوام مؤقت يبتلع أيامها. العائلة والأصدقاء يعرفون أنها هي التي تعيد ترتيب الفوضى آخر كل ليلة، لكن التوقيع الأخير لا يراه أحد وهو يخرج من يدها إلى يد غيرها.
وصل المندوب إلى حافة الممر، وتوقف لأن العبور صار مستحيلًا. عربتان محملتان، رافعة مجمدة، صندوق خطر في المسار الخطأ، وسائقان واقفان بوجوه مشدودة. فهد، بدل أن يفتح الاختناق، عدّل شماغه وقال للمندوب بابتسامة محسوبة: «أمورنا تحت السيطرة، بس تعديل بسيط.» ثم التفت إلى سارة ببرود متعمد: «روحي جيبي الشاي للمجلس الصغير. أبو ناصر مع ضيوفه.» لم يطلب من أحد سواها. أراد تنزيلها درجة كاملة أمام الرجل الواقف يراقب.
عين أبو ناصر لمعت لمعة ضيقة. لم يعجبه المنظر، لكن كِبر السن عنده يخرج في الاقتصاد لا في الانفعال. قال فقط: «خلّصوا المسار أول.» كانت جملة موزونة، لكنها لم تسحب السماعة من يد ابنه. فهد استغلها أكثر، دق بإصبعه على الطاولة: «مفاتيح الإطلاق معي. واللي ما يعجبه يوقف برّه.»
تحركت سارة خطوة إلى الطاولة. رأت بقعة حبر قديمة قرب حافة لوحة المفاتيح، الأثر نفسه الذي تراه كل يوم لأنها هي من تستلمها وتعيدها في آخر الوردية. رأت أيضًا إيصالًا نصف مطوي تحت الكوب، إيصالًا من صيدلية باسم أمها؛ كانت قد وضعته صباحًا لتتذكر الدواء بعد العمل. الشيء الصغير أغضبها أكثر من الإهانة؛ حتى فوضاها الدقيقة على هذا الركن يعرف أنها صاحبتها، ومع ذلك يُعامل وجودها فيه كأنه تسلل. قالت من غير رفع صوت: «إذا طلع الصندوق هذا غلط، اسم المركز كله يروح مع الشحنة. واسمك أنت قبله.»
ابتسم فهد ابتسامة من يقترض هيبة لا يملكها وقال: «إذا عندك اعتراض، ارفعيه بعدين.» ثم أعطى أمرًا جديدًا خطأً: «حمولة الرف أحد عشر تسبق.» كان أمرًا أسوأ. الرف أحد عشر محجوز لشحنة مرتجعة لم تُقفل أوراقها بعد. أمجد أنزل يده عن ذراع الرافعة تمامًا. السائق الثاني سبّح تحت أنفاسه. والمندوب، من دون أن يتكلم، فتح ملفه على اسم الشركة ودوّن شيئًا.
هنا دخلت سارة الممر كأنها تدخل بيتها بعد أن أغلقه غريب من الداخل. لم تطلب. مدت يدها إلى السماعة على أذن فهد ونزعتها نزعة واحدة قبل أن يتم عبارته التالية. صوت البلاستيك على بشرته جاء حادًا، والتفتت الوجوه كلها دفعة واحدة. وفي الحركة نفسها فتحت كفها الأخرى تحت السلسلة المعدنية وقالت: «المفاتيح.» لم تقل لو سمحت. لم تقف عند الطاولة. أخذت مكان التشغيل نفسه، بين لوحة الإطلاق وحافة الرف، بحيث صار عليها أن تُدفع جسديًا إذا أراد منعها.
فهد شهق من المفاجأة أكثر مما غضب. «انتبهي لحدودك.»
لكن سارة كانت قد ضغطت زر القناة وقالت بصوت مسموع للجميع، جاف، سريع، لا يبحث عن موافقة: «أمجد، الرف تسعة يتقفل. السائق الأول يرجع نصف متر. الصندوق الأحمر يبقى مكانه. السائق الثاني على المسار اثنين مع حمولة الكابلات فقط. افتحوا حاجز اثنين.» ثم أشارت بإصبعها إلى المندوب لا بوجه اجتماعي بل بوجه عمل: «إذا تبغى تشوف سبب التعطيل، هذا هو الملصق.»
النتيجة نزلت فورًا. العربة الأولى رجعت، الثانية انزلقت على المسار الصحيح، والرافعة تحركت بعد توقف خانق كأن الممر نفسه أخذ نفسًا واحدًا عميقًا. لا أحد احتاج شرحًا. أول أمر صحيح صنع فراغًا واضحًا في الاختناق، وهذا الفراغ أهان فهد أكثر من أي كلام. صار واقفًا خارج مركز الحركة، يكرر «أنا قلت…» ولا يكمل، لأن الحركة بدأت تتبعه هي لا هو.
قال أبو ناصر للمندوب من غير أن ينظر إلى ابنه: «كمّلوا.» كانت الكلمة هذه المرة موجهة إليها عمليًا. سارة لم تلتفت إليه. أبقت السماعة على أذنها، وعيناها تمسحان الملصقات والأرقام والمقابض. «حمولة المرتجع ما تتحرك. ثبتوا التوقيع أول. ريم، صوري رقم الدفعة وأرسليه للمراجعة. بسرعة.» ريم هزت رأسها وركضت. فهد حاول يدخل بجسمه بين سارة واللوحة: «ما لك صلاحية تفتحي القناة باسمي.» فردت من داخل العمل لا من خارجه: «اسمك عطّل المسار. إذا عندك شجاعة، ارجع افتحه بدون ترتيب.»
ما قدر. هذا انكسر على الوجوه قبل أن ينكسر عليه. أمجد، الذي كان يراقب دائمًا أين تميل الكفة، لم ينظر لفهد أصلًا حين سأل: «سارة، بعد الرف تسعة؟» قال اسمها أمام المندوب وأمام أبي ناصر وأمام السائقين. فهد مد يده إلى السلسلة في قبضتها كأنه يسترد رمزه الأخير، لكنها شدتها إلى صدرها وقالت الأمر التالي مباشرة: «بعده الرف خمسة عشر. الشحنة البيضاء فقط. لا أحد يلمس الأحمر.» تحركت الرافعة على هذا الإيقاع. وتكدس الخطأ كله حول فهد وحده: أوامره السابقة، توقف العربات، ملاحظة المندوب في الملف، ونظرة أبي ناصر التي صارت يابسة تمامًا.
كادت الأزمة تهدأ لولا أن سيارة صغيرة دخلت ساحة التحميل في تلك اللحظة، تحمل الحمولة الأغلى في اليوم: وحدة تحكم مستعجلة لموقع صحراوي تابع للعقد نفسه. نزل السائق ومعه أوراق مضروبة بختم مستعجل، والصندوق مغلف بعناية أكثر من اللازم، كأن غلاءه يلمع من تحت البلاستيك. نظرت سارة إلى الكود، وتجمد طرف فكها. الشحنة موجهة إلى بوابة إطلاق غير مطابقة؛ إذا دخلت مع مسار اليوم العادي ستتوقف عند نقطة التسليم، وهناك تحديدًا سيظهر أن الإذن الداخلي ناقص وأن رقم الحفظ الحراري مربوط بمسار آخر. غلط من النوع الذي لا يُصلح آخر الطريق.
فهد التقط الفرصة بارتباك أخرق. رفع صوته فجأة كأنه وجد أرضًا يعود يقف عليها: «هذه أنا أتعامل معها.» وخطف الورقة من يد السائق، ثم ضغط زر القناة من فوق كتف سارة وقال: «افتحوا البوابة الخارجية أربعة.» لم تفتح البوابة. لأن أربعة مربوط بمفتاح الأمان الطويل، المفتاح الأسود المفرد في السلسلة، وقد بقي في قبضتها. التفتت إليه كل العيون مرة ثانية، المرة هذه أشد قسوة، لأن الخطأ صار باهظًا وواضحًا. المندوب أغلق ملفه، لا مجاملة هذه المرة. أبو ناصر قال ببطء قاتل: «لو طلعت على أربعة، من يتحملها؟»
فهد مد يده. «أعطيني المفاتيح.» كانت أول مرة يطلبها منها لا يأخذها بأمر.
سارة لم تعطِه. أخذت الورقة من السائق، مسحتها بعين تعرف ترتيبات هذا المكان أكثر مما يعرف أسماء أبوابه الرسمية، ثم قالت: «هذه تتحول إلى بوابة اثنين-ب، بس لازم إذن تحرير داخلي وختم الحفظ الحراري يتغير. ملف الإفراج عندك أنت.» وحدقت في جيبه العلوي حيث يبرز الكرت الصلب ومشبك الملف. هذا هو الحاجز الأخير: ليس الكلام، بل علامة التحكم نفسها؛ الملف والمفاتيح والسماعة. إذا لم يعد الثلاثة إليها، ستظل تصحح منقوصة، وسيتدخل هو فيفسد آخر لحظة.
أبو ناصر لم يرفع صوته. فقط مد يده لابنه، كأن يطالبه بدين تأخر سداده. «سلّمها.»
«بس—»
«سلّمها.»
اللحظة انقلبت جسديًا لا معنويًا. فهد اضطر أن يخرج ملف الإفراج من جيبه، ثم البطاقة المعلقة، ثم يمدها كلها إلى سارة تحت عين المندوب والسائقين. لم ينقذه لقب ولا أبوة. أصابعه ترددت عند السلسلة لحظة أخيرة، ثم أرخاها في يدها. رنت المفاتيح رنة قصيرة مذلة، رنة فقدان لا رنة سلطة. عندها فقط وضعت سارة السماعة بثبات على أذنها، أدخلت البطاقة في شق الإذن، فتحت الملف على الصفحة الصحيحة، وبدأت الأوامر تتوالى بلا فجوات.
«ريم، وصلي الختم من غرفة المراجعة الآن.» «أمجد، فرّغ أمام اثنين-ب.» «السائق، لا تطفي المحرك.» «قفلوا أربعة. لا أحد يقربه.»
كل جملة منها كانت تشطب جملة خاطئة قالها فهد قبل دقائق. ظهرت النتيجة في الممر كما يظهر الخطأ على شاشة بيضاء: حاجز انفتح، آخر أُغلق، رافعة انعطفت، حمولة ابتعدت عن مسار الفشل. فهد وقف إلى جانب الطاولة من غير وظيفة، يفتح فمه ثم يبلعه. لما حاول أن يتكلم مرة ثالثة، قاطعه المندوب أخيرًا لكن بتهذيب جارح: «خلّها تكمل.» لم تكن مجاملة لسارة. كانت سحبًا رسميًا للثقة من فهد.
وصل ختم المراجعة مع ريم تركض، طرحت الورقة على الحافة الملطخة بدائرة الشاي. سارة ضغطت الختم، غيّرت رقم الحفظ، أدخلت المفتاح الأسود في القفل السفلي ولفته. البوابة اثنين-ب أطلقت صفيرتها القصيرة، تلك الصافرة التي لا يسمعها العاملون عادة إلا حين تتطابق الأوامر كلها. السائق شد المقود، وتحركت الحمولة الغالية في المسار الصحيح، مستقيمة، بلا ارتجاف. عند نقطة الإفراج وقف المؤشر الأخضر بعد أن كان يرفض. لا تصفيق، لا كلام كبير؛ فقط ما هو أقسى على فهد: النظام أطاع يدًا واحدة، ولم يطع يده.
سحبت سارة الملف من الشق بعد أن ظهر القبول، وأغلقت الصفحة على اسم الشحنة، ثم أعادت ترتيب البطاقات في راحة يدها ترتيبًا يعرفه جسدها من كثرة ما فعله. في الممر المتقاطع بين الرفوف، حيث كانت الأوامر قبل قليل ترتد وتتشابك، أعادت السلسلة إلى معصمها، أسندت السماعة لحظة إلى كفها، وقالت في القناة: «المسار نظيف. كملوا حسب الجدول.» ثم أطبقت السماعة في يدها، وهدأت رنّة المفاتيح، وخلت القناة.