اللمسة التي لم نأخذها #2
صفق أبو راشد بكفه على قائم الباب وقال للحارس: «ليان تجلس برا. النساء في الداخل يكفون، والملفات تدخل مع سلمان.» ثم أخذ الحافظة من يدها كأن يدها لم تسهر عليها ثلاثة أسابيع، ودفع الستارة الثقيلة بأصابعه السمينة ودخل.
توقفت ليان عند فتحة المجلس النسائي، وبطاقة عملها المهترئة من شركة في قطاع الطاقة تضرب صدرها مع النفس السريع. على الكرسي الجانبي قربها علبة طعام باردة لم تُفتح، وضعتها أم سلمان قبل المغرب ثم نُسيت كما تُنسى الأشياء التي تُخدم ولا تُدعى. لم يكن الوجع في الحافظة وحدها. الوجع أن العائلة والأصدقاء يعرفون أن اسمها صار يسبق المشاريع الصعبة في المكتب، ويعرفون أيضًا أن قربها من سلمان صار يحتاج حسابًا أكثر من أي تقرير. ومع هذا، حين جاءت الليلة لتشرح عرض التوريد أمام كبار العائلة والشركاء، مُحيت عند العتبة بكلمة واحدة.
خرج سلمان من خلف الستارة قبل أن تستوعب الإهانة كاملة. كان في ثوبه الأبيض، أكمامه مطوية قليلًا، وعلى وجهه ذلك الهدوء الذي يرفع المسافة بدل أن يخففها. مد يده نحو الحافظة التي لم تعد معها، ثم رأى أنها سُحبت، فهبطت يده في الهواء بينهما لحظة. قال بصوت منخفض: «لا تدخلي الآن.»
رفعت ذقنها. «الآن؟ بعد كل اللي سويته؟»
التفت بعينه إلى الممر لا إليها. عند آخره، كانت نورة ابنة خالته تتباطأ حاملة صينية قهوة، تلتقط ما تستطيع من نظرات. قال سلمان، رسميًا أكثر مما ينبغي: «روحي غرفة الاجتماعات الصغيرة. بجيب لك النسخة الثانية.» ثم ابتعد خطوة، كأنه يخاف حتى من وقفة نصف ذراع عند الستارة.
ذلك الابتعاد كان الصفعة الأولى. لكنها لحقت به إلى الممر القصير قبل أن تدخل نورة. كادت أطراف أصابعها تمس ساعده، فاستدار بسرعة تكفي لتفلت اللمسة دون أن تبدو مقصودة. أخذ من جيبه ورقة مطوية نصف طية، إيصالًا صغيرًا فتح وأغلق كثيرًا، ودسه في يدها بدلًا من أن يلمسها. «الطابعة تحت. انتظريني هناك.» ثم مضى إلى المجلس، تاركًا الورقة وحرارة الغضب في كفها.
في المصعد، كانت المرآة مشوبة ببقع مسح قديمة وآثار أصابع مطموسة. ضغطت ليان الزر بعنف، والورقة في يدها اتضح أنها ليست إيصالًا عاديًا؛ كانت ملاحظات سلمان بخطه على العرض، مرتبة بدقة، وفي آخرها سطر واحد: لا تصعدي إلا إذا أنا ناديتك. قرأته مرة وازدادت إهانتها. كأنها موظفة مؤقتة لا صاحبة الخطة. كأن كل تعبه معها في المكتب يُلغى عند باب بيتهم.
غرفة الاجتماعات الصغيرة في الطابق السفلي كانت باردة أكثر من اللازم. على الطاولة شاشة مطفأة، وأكواب ورقية، ونسخة ناقصة من العرض. بعد عشر دقائق دخل سلمان وأغلق الباب نصف إغلاق، لا أكثر. وضع النسخة الكاملة بعيدًا عن يدها ثم بقي واقفًا. «أبو راشد يبيك من وراء الستارة فقط إذا سألوا عن الأرقام.»
ضحكت ضحكة قصيرة يابسة. «يعني أشتغل من خلف القماش؟ ممتاز.»
«ليان.»
«لا تقول اسمي كأنك تسوي لي معروف.» تقدمت نحو الطاولة فأخذ هو خطوة جانبية، حاجزًا بين الباب وبينها بلا لمس. «في المكتب تخليني واجهة المشروع، وهنا تصيرين حريصًا على الحلال والحرام فجأة؟»
شد فكه. «هنا مو مكتب.»
«واضح. هنا أنا ما لي وجه.»
رن هاتفه باسم أمه على الشاشة، فقطع الكلام. رد بكلمات مقتضبة، ثم فتح الباب قبل أن ينهي المكالمة. مرت خالته مع امرأة كبيرة في السن، فرأت ليان واقفة معه في الغرفة الضيقة. ارتفعت حاجباها فورًا. في اللحظة نفسها، دفع سلمان ملف النسخ إلى يد ليان وقال بصوت يسمعه الممر: «جزاك الله خير، خليها عند أمي. حساب الضيافة ناقص.» وتناول بنفسه علبة المناديل من الرف كأنه جاء يبحث عنها لا أكثر.
نظرت إليه بحدّة تكاد تجرحه. هو أخذ الضربة كاملة. أمام قريبته، أنزلها من شريكة العرض إلى من تنقل حساب الضيافة. لم يبرر ولم يلتفت إليها. فقط مشى أولًا إلى الممر الطويل، وجعلها تخرج بعده بمسافة محسوبة. الخالة اكتفت بنظرة أقل سمًا، وانشغلت بالسلام على المرأة الكبيرة.
عند المجلس تغيّر الإيقاع مع أذان العشاء. الرجال قاموا إلى المصلى الداخلي، والنساء انشغلن بترتيب الصحون. أم سلمان، بوجه متعب وعينين تراقبان كل شيء، أشارت إلى ليان أن تضع الملف قرب المدخل لا داخل المجلس. حين مرت نورة بجانبها همست، بنبرة فيها شفقة لاذعة: «الناس تتكلم بسرعة. خصوصًا إذا العائلة والأصدقاء يعرفون إنكم تشتغلون سوا كثير.» ثم أخذت الصينية ومضت، تاركة الجملة كشوكة في الرقبة.
بعد الصلاة، استدعي سلمان على عجل إلى الطابق العلوي لأن عمًا من دبي أراد الاطلاع على عرض الأسعار قبل توقيع مبدئي في الصباح. نزل بعد دقائق متجهًا إلى الممر الخلفي المؤدي للمكاتب الخاصة، ولم يلتفت إليها. كأنه لم ير عينيها أصلًا. ثم، عند زاوية الستارة الأخيرة، رفع يده قليلًا من غير أن يلتفت، إشارة سريعة لا يقرأها سواها. مرة واحدة. تعالي.
الاستثناء كان صغيرًا إلى حد الوقاحة. ومع ذلك تبعته.
الممر الخلفي أضيق من واجهة البيت؛ سجاد كحلي، جدار عليه شهادات مؤطرة، وبرودة المكيف تضرب جلد الذراعين. في آخره مصعد خاص للمكاتب، بابه المعدني يعكس الضوء بخدوش قديمة. وقف سلمان عند حافته ولم يضغط الزر. لما وصلت، قال من غير مقدمات: «أبو راشد ناوي يسحبك من المشروع بعد الليلة.»
تجمدت. «بأي حق؟»
«بحق إن الناس بدؤوا يربطون اسمك باسمي أكثر من الشغل.» نظر أخيرًا إليها، وكانت تلك أسوأ لحظة لأنه لم يبدُ باردًا، بل متعبًا. «إذا دخلتِ المجلس معي من البداية، أو خليتكِ فوق أكثر من اللازم، كان عطاهم الشيء اللي يدورون عليه. مو كلام. صورة. يكفيهم.»
«وأنت أعطيتهم صورة ثانية.» تقدمت حتى صارت بينهما أقل من خطوة. «إنك تستغني عني إذا احتجت تحفظ وجهك.»
اشتد صوته لأول مرة. «حفظت وجهك أنت.»
سكتت. لم تكن جملة كبيرة، لكنها نزلت في مكان لم تستعد له. في آخر الممر انفتح باب بعيد ثم أغلق. الزمن ضاق. قال سلمان: «الخالة شافتنا في الغرفة. لو ما حولت الموقف في لحظتها، كانت أمّي تسمع الكلام قبل نهاية العشاء، وأبو راشد يطلعك من المشروع ومن البيت معًا.»
«فحولتني إلى أحد الضيافة؟»
«إيه.» قالها بلا تجميل، وكأن القسوة لا تستحق قماشًا. «وأخذت أنا شكل الوغد أهون من إنهم ياخذون عليك شكل المرأة اللي تدخل من أبواب مو لها.»
الهواء تغيّر بينهما بطريقة فجّة. كل الإهانات الصغيرة منذ أسابيع عادت بترتيب آخر: إرساله لها نسخًا عبر السكرتير، خروجه من الاجتماعات قبلها بثوانٍ، امتناعه عن الرد على رسائل خارج وقت العمل إلا بما لا يحتمل حرفًا زائدًا. لم يكن يطردها. كان يبني جدارًا حولها ويقف هو في جهة الضرب.
كان يمكن لها أن تكرهه بسهولة لو لم يفتح الآن بابًا لا ينبغي أن يفتح. ضغط زر المصعد الخاص. التفتت إليه بحدة. «ليش؟»
«لأن عمّي فوق، وأنت الوحيدة اللي تحفظين التفاصيل. وإذا تركت العرض في يدهم يعبثون فيه، يخسر الفريق كله.» ثم أضاف بعد لحظة أصعب: «تعالي من هنا. دقيقة وحده. ثم تنزلين مباشرة.»
هذا هو الجنون الحقيقي؛ ليس أن يبتعد، بل أن يستثنيها الآن، في الطريق الأخطر، حيث لا مجلس يغطّي ولا ستارة تبرر. جاء المصعد فارغًا. فتح الباب بيده وأشار لها أن تدخل أولًا. بقي هو عند الحافة، لا يدخل كاملًا ولا يبتعد، كأن باب المصعد نفسه صار خطًا شرعيًا واجتماعيًا ومهنيًا في آن.
دخلت ليان خطوة واحدة ثم استدارت إليه. المسافة بينهما صارت ضيقة بما يكفي لتفضح النفس. انعكاسهما في المرآة المشوبة أظهر كتفين متقابلين وحذرًا يكاد يُرى كجسم ثالث. سألته بصوت أخفض: «لو كنت تحميني، ليه ما قلت؟»
أغلق الباب نصف غلقة بكفه ثم ثبته قبل أن يطبق. «لأن القول ما يحمي. القول يثبت الشيء.»
كان بوسعه أن يدخل الآن، أن يترك المصعد يبتلعهما إلى الأعلى، دقيقة مغلقة لا شاهد فيها إلا المرآة. وكان بوسعها أن تتراجع إلى الخلف، تفسح له مكانًا، وتحوّل كل ما بينها وبينه من احتمال إلى خطوة واحدة. لم يفعل. لم تفعل. لكن الخط كان قد انشدّ حتى صار مؤلمًا.
سمعوا وقع قدمين في الممر البعيد. الوقت انكسر. قال سلمان: «إما تطلعين الآن، أو أنزلك وأروح أنا وحدي.»
هذه المرة لم يكن هو من يملك المشهد كاملًا. رفعت ليان يدها، لا إلى وجهه ولا إلى صدره، بل إلى معصمه حين همّ أن يدخل أخيرًا ليغلق الباب من الداخل. أمسكت المعصم قبل العبور، قبضتها ثابتة، كأنها توقف المصعد نفسه لا الرجل. التفت إليها فورًا. كانت عينه قريبة لأول مرة بهذا الشكل، وقريبة إلى حد لا يحتمل تفسيرًا بريئًا.
قالت: «لا.»
لم تكن رفضًا للصعود فقط. كانت إيقافًا لكل ما كاد يحدث تحت اسم الضرورة. شدّ معصمه قليلًا، لا ليفلت، بل كأنه يختبر هل ستتركه. لم تتركه. بقي الباب مفتوحًا شبرًا، والمصعد يطلق تنبيهًا خافتًا متقطعًا. في ذلك الشبر الضيق، كان عبور واحد كافيًا ليقلب كل شيء: صورته عند أهله، صورتها عندهم، والمشروع الذي تعبت له، والاسمين اللذين صار الناس يقرؤونهما معًا بسرعة شرهة.
انخفض صوته حتى صار يكاد يكون خشونة نفس. «ليان.»
ثبتت أصابعها أكثر على معصمه. «إذا كان الثمن إني أدخل عليك من هذا الباب، ما أبيه.» ثم، بعد نبضة مكشوفة، أضافت بما يكفي ليصير الجرح واضحًا: «ولا أبيك تدفعه عني كل مرة وتسميه ترتيب.»
تحركت عضلة عند فكه. رفع يده الحرة ببطء، لا ليأخذها ولا ليزيحها بعنف، بل توقف قبل لمس أصابعها بشعرة. كأن الامتناع نفسه صار اللمسة. ظلا هكذا لحظة قصيرة ومستحيلة؛ يدها على معصمه، يده عند حافة يدها، والباب بين انغلاق وانفراج، والتنبيه الخافت يقطع الهواء قطعًا.
ثم كانت هي من أنهى المشهد. أطلقت معصمه أولًا، خطوة إلى الوراء، وخارج عتبة المصعد. الحركة صغيرة، لكنها سحبت منه حق القرار. قالت بنبرة مستقيمة: «اطلع وحدك. وإذا سألوا عن الأرقام، اتصل من السماعة.»
لم يمد يده هذه المرة. لم يطلب. لم يشرح. فقط أبقى الباب مفتوحًا ثانية واحدة أكثر من اللازم، كأن جسده كله يقاوم عادة الإغلاق. ثم أنزل يده من الحافة، وترك المسافة تقوم بالعمل الذي عجز الكلام عنه.
عند الخط الفاصل بين باب المصعد والممر، تركت ليان معصمه أخيرًا، فمرّ زفيرها على المرآة الجانبية الملطخة بمسح قديم؛ غامت عليها سحابة خفيفة، وعلقت لحظة على الخط اللامع قبل أن تثبت في هواء المكيف المقطوع.