Fast Fiction

لما رجعت صاحبة المسار

لوّح فارس بيده للحارس وقال ببرود: «السيارة السوداء تدخل من هذا المسار، وهي تنتظر هناك.» ثم أشار بطرف ذقنه إلى مريم، الواقفة خارج الخط الأصفر عند زاوية كرسي بلاستيكي مكسور، كأنها زيادة لا موعد لها. تدلّى تصريحها من رباط باهت متجعّد من كثرة ما علق في أبواب وممرات، بينما عبر غيرها أمامها إلى ظلّ الممر المكيّف. على الطاولة الجانبية فنجان شاي تُرك حتى برد، وترك على السطح دائرة رطبة كاملة. هذا المساء وحده كان كافيًا ليكسر شهرين من السعي؛ فعالية مغلقة لقطاع الطاقة في الرياض، وضيوفها من النوع الذي يفتح اسمهم أبوابًا ويغلق مستقبلًا إذا رأوا أحدًا في المكان الخطأ.

لم ترد. فقط ثبتت كفها على ملف التسليم الصغير الذي أحضرته بنفسها من المكتب بعد أن تعطل السائق الاحتياطي، ونظرت إلى الممر حيث دخلت هالة بخطوات متعجلة. كانت هالة تعرف تمامًا أن مريم هي من رتبت انتقال ضيوف الجناح الخاص منذ الفجر، لكن فارس سبقها بابتسامته الجاهزة. «أهلًا أستاذة هالة، هذا الطريق أهدأ. أبو راشد وصل؟» ثم أخذ منها التحية وأدار جسده ليحجب الرؤية عن مريم. لم يكتفِ بمنعها من مسار الاستلام؛ أخذ مكانها في الاستقبال أيضًا.

وصل أبو راشد بعد دقائق في سيارة طويلة لامعة، ونزل بعباءته الصيفية الخفيفة ونظرته التي تقيس المقام قبل الكلام. تحرك السائقون دفعة واحدة. أحدهم أسرع بفتح الباب، وآخر حمل حقيبة، وثالث سحب سيارة من خط الانتظار. مريم كانت الأعرف بجدول الرجل وموعد خروجه قبل أذان العشاء، ومع ذلك قال فارس بصوت مسموع يكفي: «خلّوا الأسماء المعتمدة أولًا، واللي معهم تصاريح تشغيل يقفون على الجنب.» قالها وهو ينظر إلى رباطها الباهت. التفتت هالة غريزيًا إلى مريم ثم أعادت وجهها بسرعة، لأن أبو راشد كان حاضرًا، والعائلة والأصدقاء يعرفون أن أي خطأ علني في مثل هذا المشهد لا يبقى خطأ عمل فقط؛ يبقى سمعة.

ناول أحد العاملين فارس كوب قهوة بدلًا من مريم، رغم أنها هي التي طلبت قبل نصف ساعة تفعيل مسار الاستلام الثاني لتخفيف الازدحام. جلس فارس نصف جلسة على الكرسي المخصص لمتابعة الحركة عند الحاجز، وتركها واقفة قرب العمود المعدني، كأنها تنتظر إذنًا لتقترب من عملها. ثم مد يده إلى سلة المفاتيح المؤقتة، رفع بطاقة سيارة الضيف الإماراتي، وقال للسائق: «خذه من المسار السريع، لا توقفه عندها.» كانت «عندها» وحدها صفعة نظيفة؛ ليست اسمًا، بل نقطة تعطيل.

رن هاتف مريم القصير في جيب عباءتها العملية. نظرت إلى الشاشة، ثم أجابت فورًا وهي تدير وجهها قليلًا عن الضيوف. لم تقل إلا: «نعم... حاضر... الآن.» كان الصوت من مدير العمليات الإقليمي، الرجل الذي لا يحضر الواجهة إلا إذا انكسر فيها شيء مهم. خلال ثوانٍ فقط خرج الحارس الكبير من كشك البوابة وخطا مباشرة نحو فارس لا نحوها. «وقف هذا الصف.» قالها وهو يرفع كفه في وجه السائق المتقدم. تلعثم فارس: «ليش؟» لكن صوتًا آخر جاء من سماعة الحارس المثبتة في أذنه: «تحويل سيارات الجناح الخاص إلى المسار الشرقي. التسليم عند الأستاذة مريم فقط.»

بدت الجملة كأنها وقعت على الإسفلت نفسه. السائق الذي كان ينتظر إشارة فارس انحرف بعجلة السيارة نصف انحراف ثم توقف، والحارس الثاني فتح السلسلة الجانبية المؤدية إلى الخط الشرقي الذي ظلت مريم تطلب تفعيله من البداية. أبو راشد، الذي كان قد وضع قدمًا داخل الممر، توقف لحظة ونظر إلى الحارس ثم إلى مريم. هذه المرة لم يلتفت إليها أحد باعتبارها زائدة. تقدّم السائق ببطء نحوها، لا نحو فارس، ومد لها بطاقة السيارة ليطابق الرقم. أخذتها منه دون أن ترفع صوتها.

قال فارس بسرعة وهو يحاول أن يبتسم أمام هالة: «أكيد صار لبس، أنا منسق المسار هنا.» لكن الحارس لم يكرر كلامه له. كرره للسائقين. «كل سيارات الجناح الخاص إلى هذا الخط. لا أحد يتحرك إلا من عندها.» وفي أقل من دقيقة تغير شكل الأجساد نفسها: رجلان كانا يلتصقان بظلّ مقعد فارس ابتعدا عنه واتجها إلى مريم، والعامل الذي كان يضع القهوة أمامه سحب الصينية ودار مع حركة السير الجديدة. حتى الكرسي البلاستيكي عند الزاوية، الذي كانت مريم تُترك عنده، صار خلف الصف لا أمامه.

تقدمت هالة نحو مريم بنصف خطوة مترددة، وفي صوتها حذر من يعرف أن الكلمة الخاطئة تُسمع طويلًا: «أبو راشد سيغادر بعد أقل من عشرين دقيقة.» ردت مريم وهي تطابق الأرقام على المفاتيح وتسلّم السائق ورقة الخروج: «سيخرج في وقته إذا بقي المسار نظيفًا.» لم تزد. لم تشرح لمن كانت تنظف المسار منه. لكن فارس فهم، لأن السيارة التي كانت معدّة لضيفه الخاص أوقفت الآن على طرف الخط، لا تدخل ولا تخرج.

بدأ ضيق وجهه يظهر في التفاصيل الصغيرة التي لا يستطيع سترها؛ يده على الهاتف بلا اتصال، حركة إصبع تطرق على غطائه، التفاتة سريعة إلى أبو راشد ثم إلى الحارس ثم إلى مريم. حاول أن يسترد الأرض من أقرب نقطة يملكها، فاقترب من السلسلة وقال للحارس: «هذه سيارتي مع ضيفين من طرفي، افتحها الآن وبعدها كمّلوا إجراءاتكم.» أجابه الحارس من دون اعتذار: «التعليمات واضحة.» لأول مرة بدا فارس في المكان الذي وضعها فيه قبل نصف ساعة: خارج الخط، يشرح نفسه لرجال لا يحتاجون رأيه.

خرجت سيارة الضيف الإماراتي أولًا، ثم سيارة أبو راشد التي تحركت من الظلّ إلى مقدمة الممر بعدما راجعت مريم الرقم بنفسها وسلمت السائق بطاقة العبور. أبو راشد لم يبتسم، لكنه حين مر قربها قال فقط: «هكذا الترتيب الصحيح.» كانت الجملة قصيرة، إلا أنها وقعت أمام هالة وفارس وكل من رأى من يسلّم ومن ينتظر. وحين حاول فارس أن يقاطع: «يا أبو راشد أنا—» رفع الرجل يده دون أن يلتفت إليه، ومضى إلى سيارته.

اقترب فارس هذه المرة مباشرة. لم يعد صوته واسعًا ولا واثقًا كما كان. «مريم، افتحي لي هذا المسار خمس دقائق فقط. الضيوف معي، والازدحام سيحرجنا.» هو نفسه الذي تركها عند الحاجز لتُحرج وحدها، صار يطلب المرور بالاسم. نظرت إليه نظرة قصيرة، ثم إلى السيارة الواقفة خلفه، ثم إلى قائمة الخروج على الجهاز الصغير في يدها. «هذه ليست سيارات الجناح الخاص.» قالها وكأنها تقرأ رقمًا لا تمنح رأيًا. حاول أن يقترب أكثر، لكن وقفة الحارس عند السلسلة شدّت المسافة بينهما من جديد.

هالة، التي كانت قبل قليل تتجنب النظر إلى رباط التصريح الباهت، قالت بصوت خافت لا يخلو من رجاء: «إذا تأخروا سيتكلم الناس.» هذه بالذات كانت الطعنة القديمة: الناس، الكلام، الوجه أمام الكبار. رفعت مريم بطاقة عبور أبو راشد التالية، وأشارت للسائق أن يتقدم. «الناس تتكلم أكثر حين يختل الترتيب.» ثم سلّمت البطاقة إلى السائق بيد ثابتة. تحركت السيارة المصرح لها إلى نقطة المسح، وبقيت سيارة فارس مكانها، محركها يعمل على الخمول كغضب لا يجد منفذًا.

ازداد الازدحام عند جهته هو، لا عند جهتها. سيارة ضيف متأخر توقفت خلفه، ثم ثالثة. أحد السائقين أنزل زجاج النافذة وسأل الحارس: «هذا الخط مغلق؟» رد الحارس وهو يشير بوضوح إلى مريم: «هذا الخط ينتظر اعتمادها، والباقي يلتف.» التفتت رؤوس كانت قبل ساعة تتبع يد فارس، ثم عادت تراقب يده هو وهي فارغة. السلطة حين تسقط لا تصدر صوتًا كبيرًا؛ تصدر فراغًا حول صاحبها.

ضغط فارس على آخر ورقة كانت عنده. أخرج بطاقة قديمة من محفظته الجلدية وقال سريعًا: «عندي تصريح بوابة، أعرف النظام.» أخذت مريم البطاقة بطرفين باردين، نظرت إلى تاريخها، ثم أعادتها إليه. «منتهية من الأسبوع الماضي.» وقالت للحارس: «جمّد هذا الخط حتى تنتهي سيارات القائمة.» لم ترفع عينيها إليه بعد ذلك. الجملة خرجت صغيرة، لكن أثرها كان فوريًا؛ الحارس شدّ السلسلة، والسائق الذي خلف فارس أدار المقود مبتعدًا عنه، ساخطًا عليه لا عليها.

هنا فقط انكشف الضرر كاملًا. ضيفاه بقيا في السيارة، لا يستطيعان التقدم ولا النزول إلى ممر كبار الضيوف لأن ترتيبهم انهار أمام العيون التي تهمه. هالة ابتعدت نصف خطوة لتخرج من صورته. والرجل الذي كان قبل قليل يأخذ التحيات بدلًا عن غيره صار واقفًا عند حافة الحرارة والعادم، يراقب كل مركبة صحيحة تمر من جهة مريم. حاول مرة أخيرة، وهذه المرة بلا غطاء: «مرري سيارتي أولًا، وبعدها افعلي ما تريدين.» كان الطلب نفسه اعترافًا بمن يملك الفتح والإيقاف.

رفعت مريم رأسها أخيرًا. لا قسوة في وجهها، ولا رحمة تعيد له مقامه. فقط عمل. أشارت إلى سيارة أبو راشد الأخيرة أن تتقدم، ثم مررت بطاقة العبور على القارئ فصدر الطنين القصير. التفتت إلى الحارس وقالت: «هذه تخرج. ذاك يبقى مغلقًا.» تحرك السائق المصرح له فورًا، وتوقفت سيارة فارس خلف السلسلة المشدودة وقد انقطع حتى وهم الاستعجال الذي كان يتغطى به.

وصلت سيارتها العملية بعد أن فرغت القائمة، نظيفة لكن متعبة مثلها، ومفتاحها عاد إليها متأخرًا من مكتب التشغيل مع سلسلة معدنية خفيفة. أخذته من العامل من غير أن تنظر إلى أحد، وفتحت الباب الخلفي لوضع الملف الصغير، ثم جلست في المقعد الأمامي. خارج الزجاج، ظل فارس عند نفس الحافة التي تركها لها أول المساء، لا داخل الخط ولا قادرًا على الادعاء أنه يديره.

أخرجت مريم تصريح البوابة من الرباط المتجعّد، رفعته عند قارئ المسار. أضاء الضوء الأخضر، ارتفع الحاجز، وانعطف محرك سيارتها إلى خط الخروج بينما بقي المسار الآخر مجمّدًا خلف السلسلة المتوترة، والحاجز يواصل تأرجحه.