المشهد ارتد عليهم #2
صفع فهد ورقة الجرد على لوح الفلين عند حافة منصة التحميل حتى ارتجفت المشابك المعدنية، ثم قال بصوت سمعه السائقون وعمال الرافعة: «النقص أربع مضخات، ومسؤول الاستلام هنا سالم. جاوب.» كانت العربات اليدوية تمر بين البالات الملفوفة، وعجلاتها تصر على الإسفلت الساخن، وسالم واقف بين منصة فيها صناديق مختومة ورافعة تنتظر الإشارة، لا يملك حتى أن يخطو نصف خطوة إلى الظل. عند قدميه علبة وجبة باردة لم يفتحها منذ الظهر، وعلى إبهامه أثر حبر قديم من قلم يعلقه في جيب صدره كل يوم.
رفع سالم الورقة بعينه لا بيده. رقم الشحنة صحيح، الختم صحيح، لكن خانة الفرز الداخلي أضيفت عليها ملاحظة بقلم فهد نفسه. عرف الخط من الضغط الغليظ على حرف الراء، ومن انبعاج الورق تحت التوقيع التجريبي الذي يسبق عادة توقيعه النهائي. قال بهدوء أزعج فهد أكثر مما لو صاح: «الاستلام الخارجي تم كامل. الفرز الداخلي ما كان بيدي.» رد فهد وهو يلتفت ليضمن أن الجميع يسمع: «كل شيء يمر من يدك. وإذا فيه نقص فأنت تتحمله. ولا أحد يطلع من هنا قبل ما يوقع.»
كان باب الممر الجانبي المؤدي إلى مجلس الضيافة مفتوحًا نصف فتحة. من هناك كانت رائحة القهوة تجيء خفيفة، ويمر خادم بصينية تمر ثم يختفي. في آخر الممر ظهر طرف عباءة أبي راشد، كبير العائلة والشريك الأقدم في عقد التوريد، ثم اختفى خلف الستارة الثقيلة. اليوم لم يكن يوم شحنة فقط. اليوم كانت منى مع خالتها في المجلس الداخلي، والعائلة والأصدقاء يعرفون أن الكلام الذي طال تأجيله عن ارتباطها بسالم لن يبقى مؤجلًا إذا استقام وضعه في الشركة أمام أبي راشد. فهد يعرف هذا جيدًا، ولذلك وقف بكتفه يسد الممر وقال، بنبرة فيها أدب مصطنع أشد إهانة من الشتيمة: «قبل المجلس، نظف اسم الشركة من غلطك. وبعدها نشوف إذا لك وجه تدخل.»
انشدّ فك سالم. كمّه الأيسر ما زال يحمل كسرة حادة من يوم طويل، وحر الظهر علق بظهره كأنه لوح صفيح. لم ينظر إلى الممر إلا مرة واحدة، فرأى على المعدن المصقول قرب المصعد الخلفي لطخة مسح قديمة تعكسه مشوشًا بين الصناديق والباب. قال: «إذا تبي تحملني النقص، أعطني أمر تحميل واضح.» ضحك فهد ضحكة قصيرة، وأخذها بعض العمال على أنها نهاية المسألة. «واضح؟ أبشر. نخلص الآن.»
أخرج من الملف نموذج أمر صرف وتعهد عجز، ووضعه على غطاء صندوق خشبي قريب. كتب بسرعة، والورقة ترتج تحت كفه: تحويل العهدة، الإفراج الفوري عن الشحنة الثانية، وتحميل مسؤولية أي نقص لاحق على مسؤول الاستلام الموقّع أدناه. ثم دفع بالقلم إلى سالم. «وقع هنا. الآن.» نظر سالم إلى السطر الأخير، ثم إلى باب المخزن الذي بقي مغلقًا بسلسلة الإفراج، وإلى الرافعة التي لا تتحرك إلا بأمر مكتوب. قال: «هذا السطر يجمع العجز والإفراج. من يوقع عليه يملك الإذن ويتحمل النقص.» اقترب فهد أكثر. «لا تتفلسف علي قدام العمال. وقّع وإلا ما تعبر هذا الباب ولا ذاك.»
في تلك اللحظة خرج أبو راشد من الممر الجانبي بخطوات ثابتة، ليس وحده بل مع مسؤول الالتزام في الشركة، رجل أصلع يحمل ملفًا رماديًا ولا يحب التأخير عند نقاط التسليم. توقفا عند خط الظل حيث تلتقي المنصة بالممر. صار المكان أضيق فجأة: رافعة تنتظر، شاحنة تزمجر، باب مجلس مفتوح نصف فتحة، وكبير يراقب من دون أن يتكلم. ابتسم فهد ابتسامة مرتبكة سريعة ثم مد الورقة مرة أخرى. «تفضل يا سالم، أمام الشهود. وقّع وانتهينا.» قال سالم من غير أن يمد يده: «أنا ما أوقع إذن إفراج على نقص ليس بيدي.» فقد فهد صبره عند كلمة «إذن». جذب الورقة إلى صدره، وانحنى فوق الصندوق، وكتب اسمه بخط عريض تحت خانة التوقيع وهو يقول بعصبية: «أنا أوقع. حرّكوا الشحنة. خلّصونا.»
كانت الحركة سريعة لكن واضحة. سن القلم خدش الورق أولًا، ثم انزلقت اللام الأخيرة في اسم فهد طويلًا حتى كسرت طرف السطر. رفع الورقة ولوّح بها نحو عامل الرافعة. «يلا، افتحوا السلسلة.» لم يتحرك أحد. مسؤول الالتزام مد يده بهدوء وقال: «الورقة.» أخذها من بين أصابع فهد قبل أن تصل إلى عامل الرافعة. عينه نزلت إلى السطر الذي أراد فهد أن يبتلع بسرعة الممر والعمال والوقت. قرأ مرة واحدة فقط، ثم أعاد القراءة على الجزء المحدد بإبهامه: «تحويل العهدة، والإفراج الفوري، وتحميل مسؤولية أي نقص لاحق على مسؤول الاستلام الموقّع أدناه.» رفع عينيه إلى التوقيع. «الموقّع أدناه أنت يا أستاذ فهد.»
تبدلت وقفة فهد في لحظة صغيرة لكنها قاسية؛ كتف كان يسد الممر ارتخى نصف شبر، وأصابعه التي تعودت أن تشير للناس توقفت على الهواء. حاول أن يسحب الورقة من جديد. «لا، المقصود—» قاطعَه مسؤول الالتزام من غير رفع صوته: «المقصود مكتوب. والإفراج الفوري صدر باسمك. إذا تحركت الشحنة الآن، فأي فرق في الجرد يصير عليك، ومعه خرق الإفراج.» من داخل الممر، لمعت دلة القهوة على الطاولة الجانبية ثم اختفت حين تحرك الخادم خطوة إلى الوراء. أبو راشد لم يسأل، وهذا أسوأ لفهد من السؤال؛ اكتفى بأن مد نظره من الورقة إلى السلسلة المعلقة على باب المخزن ثم إلى سالم.
قال فهد بسرعة، يريد أن يرد كل شيء إلى مكانه قبل أن يكتمل المعنى: «طيب، ألغيها. أعطوني ورقة جديدة. سالم كان يماطل وأنا استعجلت.» قال سالم: «السلسلة لا تُفتح إلا بأمر صحيح. والأمر الصحيح الآن مع مسؤول الالتزام.» ثم اتجه بنفسه إلى باب المخزن، ووضع كفه على ذراع الرافعة اليدوية التي كانت ستدفع البالتين الأوليين إلى الخارج. لم يرفع صوته، لكنه تكلم بصيغة يعرفها أهل المنصات أكثر من أي نقاش: «قفوا الإفراج.»
توقف العامل فورًا، ونزلت سنون الرافعة من تحت الطبلية نصف بوصة مع صوت حاد. هذا هو أول الضرر المرئي الذي لم يستطع فهد تغطيته: الشحنة التي أراد تحريكها أمام أبي راشد تجمدت في مكانها، والوقت الذي كان يستخدمه سوطًا انقلب قيدًا على عنقه. تقدم فهد خطوة كأنما سيزيح سالم بيده، لكن مسؤول الالتزام دخل بينهما بملفه الرمادي. «لا أحد يلمس المسار. الورقة قائمة حتى تُرفع بمحضر، والمحضر الآن على مسؤولية الموقّع.» قال فهد، وقد انخفض صوته رغمًا عنه: «أنا مدير العمليات هنا.» رد الرجل: «في هذا السطر، أنت مسؤول الاستلام والإفراج والعجز. اختر اسمًا واحدًا لنفسك لاحقًا.»
على طرف الممر الجانبي، ظهرت منى لحظة عند الستارة ثم توقفت. لم تدخل المنصة، ولم تحتج إلى ذلك. يكفي أن ترى أين يقف كل واحد. فهد لمحها، فزاد اضطرابه؛ هذه ليست خسارة بين عمال فقط، بل أمام باب مجلس يعرف من يدخل إليه ومن يُوقف خارجه. حاول أن يعود إلى سلاحه الأول. أشار إلى سالم وقال لأبي راشد: «الرجال هذا سبب التأخير كله، وأنا كنت أستر عليه.» التفت أبو راشد إلى سالم لا إلى فهد. «أنت طلبت أمرًا مكتوبًا؟» قال سالم: «طلبت ورقة واضحة. كتبها ووقّعها بنفسه.» هز أبو راشد رأسه مرة قصيرة، ثم قال لمسؤول الالتزام: «اقرأ سطر المسؤولية مرة ثانية.» فقرأه. هذه المرة كان الصوت أبطأ، كأنه يطرق مسمارًا أخيرًا في لوح.
هنا حاول فهد آخر حركة دفاعية. مد يده إلى الباب الجانبي المؤدي للمجلس وقال لسالم بحدّة مكشوفة: «أنت تبقى هنا إلى أن نرتب الموضوع. ما لك دخول الآن.» لم يجبه سالم بالكلام أولًا. أخذ الورقة من مسؤول الالتزام بعد أن أذن له الرجل بعينه، طواها نصف طية لا تغلق التوقيع، ومشى خطوتين إلى موضع الوقوف بين المنصة والممر. كانت السلسلة على باب المخزن ما تزال في مكانها، والرافعة متوقفة، والشاحنة تنتظر من يطلقها. رفع سالم الورقة أمام فهد وأعادها إلى يده نفسها التي كانت قبل دقائق تأمره بالتوقيع. قال: «هذا أمرك أنت. وبهذا التوقيع أنت الموقوف عن الإفراج حتى تُسلّم العجز أو يُقفل المحضر. والممر هذا ليس لك تحجزني عنده.»
ثم التفت إلى خادم المجلس الواقف قرب الستارة وقال بعبارة قصيرة تحترم المقام وتثبت الوقوف: «بلغ الداخلين أني سأتأخر عشر دقائق لإنهاء الإجراء.» كانت الجملة بسيطة، لكنها مزقت ما أراده فهد من منع اجتماعي؛ لم يعد هو صاحب البوابة ولا صاحب ترتيب الدخول. صار مجرد رجل يحمل ورقة حبسته عند حدّها. مد سالم يده الأخرى إلى مقبض الباب الجانبي، فتحه بقدر ما يكفي للعبور، ثم وقف نصف خطوة والتفت إلى مسؤول الالتزام: «أغلقوا الإفراج على اسم الموقّع حتى ينهي النقص.» قال الرجل: «تم.»
بقي فهد عند حافة المخرج الجانبي والورقة مفتوحة في يده، وسطر التحميل ظاهرًا تحت اسمه. لم يعد يستطيع أن يدخل إلى المجلس من هذا الباب قبل أن يمر من الإجراء نفسه الذي كتبه، ولا أن يطلق الشحنة التي استعجلها، ولا أن يرمي النقص على أحد. أخذ سالم الورقة من يده لحظة، عدّل اتجاهها حتى صار التوقيع في الأعلى واضحًا، ثم أعادها إليه وقال: «احتفظ بها يا فهد. هذه التي تمنعك.» ومضى عبر الباب، بينما ظلت الورقة مفتوحة في يد فهد عند المخرج الجانبي، وتوقيعه عليها هو القفل.