Fast Fiction

رجعت السيطرة ليدي

اصطدمت العربة المعدنية بحافة المنضدة ومالت الصناديق فوقها، فاندفع ملف أحمر إلى الأرض تحت أقدام الواقفين، ومدّ نادر ذراعه يمنع سلمى من لمس المقبض كأنه يمنعها من باب بيت لا من أداة عمل. قال من فوق كتفها، بصوت مقصود أن يسمعه الصف كله: "خليكِ على الترتيب الورقي. المسار الأمامي اليوم عندي."

كان الزجاج الأمامي يرد حر الظهيرة على الوجوه، والناس متكدسون بين الحاجز الأسود وباب الدخول، وكل دقيقة تقرّب أذان الظهر وتشحن الأعصاب أكثر. خلف المنضدة، علبة وجبة باردة مفتوحة من الصباح عند طرف الطابعة، ورق غلافها اليابس يطقطق كلما سحب نادر مستندًا بعجلة وأعاده إلى غير ملفه. سلمى تعرف هذا المسار أكثر من أي أحد هنا؛ هي التي رتبت أسماء الشركات الزائرة ومسارات التصاريح منذ أسبوع، وهي التي بقيت بعد الدوام أمس لأن مفتاح الخزانة أُعيد لها متأخرًا بعدما استعاروه دون استئذان. ومع ذلك، بطاقتها التشغيلية ليست على صدرها الآن. نادر نزعها أول اليوم وقال بابتسامة ملساء: "أمام أبو راشد، نحتاج وجهًا أهدأ."

رفعت سلمى الملف الأحمر من الأرض ووضعته على الزاوية الصحيحة من المنضدة، لا حيث رماه. قالت ببرود: "الاسم هذا للنافذة الثانية، مو هنا." لم تنظر إليه. نظرت إلى الرجل المنتظر أمامها، ممثل شركة مقاولات كبيرة من قطاع الطاقة، وإلى الختم الناقص في ورقته. "إذا ضاع وقته هنا، بيتعطل دخول فريق كامل."

نادر سحب الورقة من يد المراجع قبل أن يكمل سماعها. "أنا أقرر." ثم التفت للمراجع بنبرة ترحيب زائدة: "تفضل، دقيقة وننهي." لكنه فتح سجل الزوار على الاسم الخطأ، وطلب رقمًا ليس مطلوبًا أصلًا، وترك خلفه ثلاث بطاقات دخول غير مفعلة فوق العربة. من آخر الصف خرجت همهمة ضيقة، لا صراخ فيها، لكنها أوضح من الاعتراض. رجل كبير السن في ثوب مكوي وقف بجانب الزجاج، ومعه شابان بملفات جلدية سوداء. أبو راشد. اسمه وحده يكفي لأن يشد ظهور الموظفين المستترين وراء الفواصل.

هدى، من الطرف الجانبي، مالت على سلمى وهمست: "أخوكِ اتصل مرتين." لم تلتفت سلمى. كانت تعرف لماذا. العائلة والأصدقاء يعرفون هذه الوظيفة، ويعرفون أن اليوم مهم، وأن وفدًا من شركة شريكة سيدخل قبل الظهر. إذا تعطلت المنضدة تحت يدها فهذه خسارة عمل. وإذا تعطلت وهي واقفة بعيدًا عنها، فهي إهانة أسوأ؛ شكلها أمام الناس يصير كأنها أُبعدت لأنها لا تُحسن.

أخرج نادر كرسيًّا بلاستيكيًّا من الزاوية ودفعه بقدمه نحوها. "اجلسي هناك وراجعي النسخ. لا تتدخلي قدام الزوار." كانت حركة صغيرة، لكنها واضحة؛ هو في الكرسي المرتفع خلف قارئ البطاقات، وهي تُدفع إلى ركن انتظار رخيص، تحت نظر الصف. سلمى لم تجلس. أخذت الكرسي بيد واحدة، طوته وأعادته إلى الجدار حتى التصق به. كانت تلك أول مرة يختل فيها ترتيبُه لا ترتيبها.

قالت امرأة من الصف، بعد أن نظرت إلى ساعتها: "إذا ما خلصنا قبل الصلاة بنرجع بكرة." ورجل خلفها رفع ظرفًا كبيرًا وهو يقلبه بعصبية، وصوت الورق الجاف صدر من يده كخشخشة إنذار. على العربة تراكمت خمس حافظات، اثنتان منها مختومتان بالشعار الذهبي للوفد. نادر يرد على سؤالين ويترك ثلاثة، يطلب نسخًا من أشخاص لا يحتاجهم، ويرسل موظف الأمن مازن إلى الباب ثم يستدعيه بعد ثوانٍ لأنه نسي اسمًا آخر. الضرر صار مرئيًّا: الصف لا يتحرك، والعربة تمتلئ، والوجوه تتجه إلى الرجل الخطأ لأنه يمسك القارئ.

وصل أبو راشد إلى حافة المنضدة بنفسه. لم يرفع صوته، وهذا زاد ثقله. "عندي ثلاثة ضيوف من الشركة الأم. المجلس مجهز فوق، والغداء مؤجل عليهم. من يدخل الآن؟" أجاب نادر بسرعة من يعرف قيمة الاسم ولا يعرف قيمة الإجراء: "الكل تحت السيطرة، بس نحتاج رقم مرجعي إضافي." قطب أبو راشد حاجبه. أحد الضيوف أخرج دعوة مختومة، نظيفة وواضحة، لا تحتاج شيئًا من هذا. نادر أخذها، قلبها مرة، ثم طلب صورة هوية من المرافق بدل صاحب الدعوة. حتى مازن عند الباب لف رأسه إلى سلمى هذه المرة، لا إلى نادر.

قالت سلمى دون أن ترفع صوتها: "مازن. افتح النافذة الثانية للحالات المختومة، وخذ أول ثلاث دعوات ذهبية مباشرة للفحص اليدوي. هدى، افصلي بطاقات الوفد عن بطاقات المقاولين. الأحمر يمين، الأزرق يسار. وهذا الملف" وأشارت إلى الأحمر الذي رفعته قبل قليل، "يعبر الآن للنافذة الثانية."

التفت الجميع إليها في نفس اللحظة التي سحب فيها مازن الدرج الجانبي ونفذ. لم يسأل نادر. لم ينتظر إذنه. هدى خطفت البطاقات من فوق العربة وبدأت تفرزها كما قالت سلمى تمامًا. الرجل صاحب الظرف الكبير تحرك خطوة إلى النافذة الثانية من تلقاء نفسه، لأن المسار أخيرًا صار مفهومًا. خلال ثوانٍ انكسر الاختناق الأول، لا بالكلام بل بحركة ثلاثة أشخاص أطاعوها لأنها الوحيدة التي أعادت النظام إلى الأشياء.

استدار نادر إليها بحدة مكبوتة. "مين سمح لك تعطين أوامر؟" لكنها لم تجبه. أخذت أول دعوة ذهبية، وضعتها تحت الكاشف اليدوي الصغير المركون جانبًا، ومررت إصبعها على الخانة الصحيحة. "هذه تكفي. هذا الضيف يدخل الآن." مدّت الدعوة إلى مازن، ففتح الحاجز. أول واحد عبر. الصف رأى الفرق قبل أن يفهم سببه. حتى أبو راشد لم ينظر إلى نادر عندما قال: "أكملي."

كان هذا أسوأ ما يمكن أن يسمعه نادر: ليس توبيخًا، بل تجاوزًا هادئًا له. حاول أن يستعيد المكان بحركة سريعة؛ جذب العربة نحوه بقوة فانحشرت إحدى عجلاتها عند قاعدة المنضدة، وسقطت منها حافظتان على الأرض. ظهر اسم شركة رئيسية من قطاع الطاقة على الغلاف المكشوف، وانثنت زاوية المستند تحت حذائه قبل أن يرفعه. انخفض مازن لالتقاطها، لكن عينه ارتفعت إلى سلمى يسأل قبل يده. قالت: "اتركها. أولًا أدخل الضيفين الباقيين." فأطاع.

منذ تلك اللحظة صار المرور كله ينعطف نحوها. هدى تسألها عن الختم الناقص بدل أن تسأل نادر. مازن يمد لها الأوراق المفتوحة من الطرف الذي يُمكّنها من القراءة السريعة. امرأة من الصف مدت هويتها إلى سلمى مباشرة، متجاوزة يد نادر الممدودة في الهواء. حتى أبو راشد، وهو يضبط شماغه قبل أن يلتفت إلى مرافقيه، قال لسلمى: "بعد الضيوف، المقاولون المتعطلون. عندي موعد بعد الأذان." الجملة أغلقت بابًا وفتحت بابًا: من يحدد الترتيب الحقيقي الآن ليس من يحمل الكرسي، بل من يعرف كيف يُدخل الناس.

حاول نادر أن يثبت نفسه بحجة أكبر. أمسك بالبطاقة التشغيلية المعلقة عند جيبه، تلك التي نزعها من سلمى صباحًا، ولوّح بها قليلًا قبل أن يضعها على القارئ. "النظام ما يشتغل إلا بهذه، وأنا المسؤول اليوم." لكنه حين جاء اسم الضيف الثالث، ارتبك. كانت الدعوة مزدوجة الارتباط، واحدة من تلك الحالات العالية القيمة التي تحتاج تحويلًا يدويًا بين سجل الزوار وسجل التصريح المؤقت. ضغط مرة، ثم أخرى، ثم فتح النافذة الخطأ. ظهر تنبيه أحمر، ووقف القارئ. الضيف أمام المنضدة، وأبو راشد بجانبه، والصف خلفه يطول، والأذان قريب.

عرفت سلمى المشكلة من أول لمحة. هذا النوع من الإدخال لا يُنقذ من بعيد. إذا أرشدته كلمة بكلمة سيبطئ أكثر، وسيبقى القارئ في يده، وسيستمر شكل السلطة الكاذبة قائمًا رغم أن العمل متوقف. مد نادر الجهاز نحوها دون أن يسلّمه، وقال من بين أسنانه: "قولي لي الخطوات." كأنه يطلب منها أن تكون عقلًا مستعارًا بلا حق في الواجهة.

لم تمد يدها إلى الجهاز. نظرت إلى البطاقة أولًا. ثم قالت بوضوح يكفي المنضدة كلها: "أعطني بطاقتي."

تجمدت يده لحظة، كأن الجملة صفعته أمام من كان يتوقع أن يحفظ له ماء الوجه. "الحين مو وقت—"

قاطعه أبو راشد هذه المرة، لا بحدة، بل بانتهاء صبر ثقيل: "إذا كان الوقت ليس الآن، فمتى؟ الناس واقفة." ونظر إلى نادر نظرة قصيرة خلت من المجاملة. الوجه الذي استعاره نادر للصباح سقط في ثانية واحدة؛ لم يعد ممثل الهدوء، بل صار عائقًا بين رجال مهمين وباب مغلق.

مدّت سلمى يدها ولم تهزها. لم تشرح، لم تترافع. خلفها هدى توقفت عن الفرز، ومازن أمسك الحاجز نصف مفتوح ينتظر. نادر حاول آخر مقاومة صغيرة، تلك التي يحتمي بها من يخسر قبل أن يعترف: "أنا كنت فقط أحافظ على الشكل قدام الكبار." قالت سلمى: "الشكل عطّلهم." ثم أبقت يدها ممدودة.

نزع البطاقة من جيبه ببطء لا يشبه سلطته الأولى، حتى صوت المشبك حين انفك من القماش بدا مسموعًا. لم يناولها مباشرة؛ وضعها على حافة المنضدة كمن يريد أن يتظاهر أنه لم يُجبر. لكن ما إن لامست أصابعها البطاقة حتى سحبتها وعلقتها على صدرها في حركة واحدة، وأخذت الجهاز من بين يديه قبل أن يرجع عنه. في اللحظة نفسها قالت لمازن: "افتح للضيف الثالث عند الإشارة." ثم أدخلت الرقم اليدوي الصحيح، قلبت الملف إلى شاشة التحويل، وختمت الدعوة المؤقتة على الخانة السفلية التي تجاهلها نادر. "الآن."

تحرك الحاجز. عبر الضيف الثالث. لم تتوقف سلمى. أشارت إلى أول مقاول متعطل: "أنت، ظرفك هنا." وإلى هدى: "الأزرق بعده اثنان فقط، ثم الأحمر كاملًا للنافذة الثانية." كانت الأوامر قصيرة، لا تحتاج تفسيرًا، ويكفي أنها تُنتج عبورًا بعد عبور. الصف بدأ يتقدم فعليًّا، خطوة فخطوة، فصار كل من في الخلف يرى ظهر من أمامه يتحرك لا يبقى ثابتًا. هذا وحده كان إعلانًا أقسى من الكلام.

نادر بقي واقفًا عند طرف المنضدة بلا كرسي ولا قارئ ولا بطاقة. حاول أن يلتقط ملفًا ليبدو مشغولًا، فناولته هدى كومة نسخ غير مختومة. ليست إهانة صريحة، لكنها تنزيل واضح للمقام داخل لحظة العمل نفسها. أخذها لأن لا شيء آخر بقي في يده. ومرّ عليه أحد المراجعين يسأل: "من فضلك، أعطيها هذه." لم يسمه حتى.

دخل أخو سلمى اتصالًا ثالثًا، اهتز الهاتف في جيبها هزة قصيرة. تجاهلته وهي تختم وتدفع البطاقات الواحدة تلو الأخرى. كانت تعرف أن البيت سيسمع لاحقًا من غيرها؛ من سائق أحد الزوار، من قريب يعمل في المبنى، من تلك الطرق السريعة التي تنتقل بها الأخبار في الرياض بين العمل والمجالس. العائلة والأصدقاء يعرفون. اليوم لن يصلهم أنها أُبعدت عن المنضدة، بل أنها عادت إليها حين توقف كل شيء.

انحنى أبو راشد على الزاوية، وأعاد ملفًا سقط غلافه قبل قليل، لكن هذه المرة وضعه أمام سلمى لا أمام نادر. قال فقط: "كملي." ثم أخذ ضيوفه إلى المصعد بعد أن فتح لهم مازن الطريق من غير ارتباك. لم تكن فيها مجاملة، لكنها كانت أوضح من أي ثناء: الإذن النهائي صار في جهة أخرى.

ظل ضغط المنضدة عاليًا، غير أن حدة الفوضى انكسرت. سلمى مررت آخر بطاقة من دفعة الوفد، ثم سحبت العربة المعدنية من عند الحافة العالقة، رفعت مقدمتها قليلًا لتخرج العجلة من مكانها، وعدلت الصناديق بحيث يثبت الأحمر فوق الأزرق. البطاقة على صدرها تضرب القماش مع الحركة. في وسط الممر العملي دفعت العربة أمامها، فانطلقت عجلاتها أخيرًا مستقيمة تحت يديها، لا تميل ولا تعلق.