Fast Fiction

اختبار واحد عرّى الكل

صفق راشد بيده مرة حادة فوق الطاولة الجانبية وقال لفنّي الصوت: "لا أحد يلمس الكونسول غيري." ثم مدّ ذراعه أمام سلمى كأنها موظفة توصيل ضلّت الممر، وأخذ من تحت كفه الملف الذي أعدته هي بنفسها، الملف الذي عليه أثر قلم قديم عند الزاوية وثنية تعرفها أصابعها أكثر مما يعرفها اسمه المطبوع على الغلاف. خلفهم كانت المنصة مضاءة، والشاشة الرئيسية تومض بشعار فعالية في قطاع الطاقة، وأمام الستارة المفتوحة نصف فتحة كان كبار الضيوف يتحركون نحو مقاعد الصف الأول. على طاولة الضيافة تُرك كوب شاي حتى برد وترك حلقة باهتة على الخشب. لم يكن عند سلمى وقت حتى لتزحزح الكوب؛ راشد كان يقدم عملها بصوته هو، ويمنعها من الاقتراب من الجهاز أمام الشهود.

قال مبتسماً لمنسق الحفل، وصوته أعلى مما يحتاجه الممر الجانبي: "سويت المعايرة الأخيرة بنفسي. إذا سألكم أحد عن الدمج بين الصوت والعرض، الموضوع عندي." ثم أشار إلى سلمى من غير أن ينظر لها. "هي تساعد الفريق في الترتيب فقط."

لم تكن الإهانة في الجملة وحدها. الإهانة كانت في أن أبا راشد يقف عند حدّ الباب مع اثنين من رجال الأعمال، وفي أن نورة، ابنة خالته، تراجعت خطوة ووقفت قرب قائم الباب كأنها فهمت فجأة أن المسافة هنا محسوبة. العائلة والأصدقاء يعرفون، يعرفون أن اسم سلمى كان يتردد في البيت كلما تعطل نظام أو تأخر تركيب، ويعرفون أيضاً أن راشد هو الذي يُقدَّم دائماً إذا حضر التصوير والوجوه الكبيرة. اليوم، لو نجح العرض، سيُثبت ذلك على المنصة، لا في البيت.

مالت سلمى قليلاً نحو شاشة القراءة الصغيرة وقالت بصوت منخفض يكفي من يقف قريباً: "الحمل يرتفع مع انتقال المشهد الثالث. لازم تخفف مسار الخلفية الآن، وإلا راح يضرب المحدد ويقص الصوت على كلمة الافتتاح."

رفع راشد حاجبه كما لو أنها قاطعت مجلساً لا حق لها فيه. "لا تعلّمينني شغلي." ثم استدار نحو أبو راشد نفسه، مستفيداً من وجوده أكثر مما يحترمه. "ترى بعض الناس تحفظ خطوات من ورانا وتظن نفسها فاهمة النظام كله."

أبو راشد لم يرد. لكنه هز رأسه لابنه هزة قصيرة فيها تزكية قديمة، كأن المكان كله ميراث عائلي لا فعالية مدفوعة. عندها جاء أول شرخ صغير، واضح ومادي: الشاشة الكبيرة على طرف المنصة تأخرت نصف ثانية، ثم خرجت خشخشة قصيرة من السماعات العالية، خشخشة جعلت المنسق يلتفت فوراً إلى الكونسول. سلمى لم تتحرك. فقط قالت: "بدأ."

شد راشد ظهره، ووضع يده على المنزلق الخطأ. "شيء بسيط." دفعه للأعلى. انفتحت الخشخشة أكثر، وانكمش الصوت الرئيسي في القاعة حتى صار صوت المذيعة على المسرح البعيد كأنه يأتي من هاتف مغطى. أحد الضيوف في الصف الأول رفع رأسه. المنسق بلع ريقه وقال: "عندنا دقيقة قبل دخول الرئيس التنفيذي."

مدت سلمى يدها، فمنعها راشد بكفه على معصم الهواء لا على جلدها، حركة أوقف بها الطريق من غير لمس. "قلت لا أحد."

قالت هذه المرة بوضوح يكفي الجميع: "أنت رافع مسار المؤثرات وتارك تغذية المقدمة على حدّها. لو لمست المحدد مرة ثانية يطيح المشهد كله." كانت جملة قصيرة، تشخيصاً لا يمكن أخذه من الحظ. لكنها خرجت في لحظة سيئة لها وجيدة له؛ لأن نورة سمعتها، وأبو راشد سمعها، والمنسق سمعها، وراشد اختار أن يقتلها أمامهم.

ضحك ضحكة جافة وقال: "المشكلة إذا الواحد اشتغل خلف الشاشة ينسى حدّه." ثم سحب الكرسي البلاستيكي الموضوع في الركن بقدمه نحو الحائط وقال لها: "إذا تبين، اقعدي هناك. لا تسوين زحمة."

استقرت عينها لحظة على طرف الكرسي الرخيص، الزاوية التي يُركَن إليها من يُترك واقفاً وهو أحقّ بالمكان. لم تجلس. بقيت عند حافة الممر، عند المسافة التي لا تسمح بالدخول ولا ترضي بالخروج. ومن خلف الستارة جاء صوت المذيعة: "نبدأ بعد ثلاثين ثانية باختبار العرض التمهيدي."

التفت المنسق بعصبية بينهما. "أبي تشيك حيّ الآن. الآن." كانت الكلمة الأخيرة كصفعة على الطرفين. راشد قال فوراً: "جاهز." وسلمى رأت من لون الشاشة أن الجاهزية كذبة كاملة.

بدأ الاختبار. انطلقت الشارة الأولى، ثم اختنق صوتها عند الذروة، وظهرت على شاشة القراءة خطوط الحمل تقفز فوق الأحمر. أصابع راشد تجمدت لحظة، تلك اللحظة الصغيرة التي يفضح فيها الجهاز من يعرفه ومن يحفظ شكله فقط. ضغط زراً لا علاقة له بالمشكلة، فانطفأ مسار جانبي وخرج من القاعة صفير حاد قصير جعل أحد الضيوف يرفع يده عن أذنه.

قال المنسق، وهذه المرة لم يعد ينظر إلى راشد وحده: "مين يفهم هذا الجهاز فعلاً؟"

لم تشرح سلمى. خطت خطوة واحدة فقط، إلى داخل المسافة الممنوعة، ومدت أصبعين إلى منزلق واحد في الجهة اليمنى، خفضته مقداراً محسوباً، ثم لفت مقبض الإرسال نصف لفة وأعادت تغذية المقدمة. انقطعت الخشخشة فوراً كما ينقطع سوء الأدب عند دخول كبير، واستقام صوت الشارة في القاعة ناصعاً، لا مرتفعاً ولا خائفاً. على الشاشة الصغيرة هبطت الخطوط من الأحمر إلى الأخضر في انزلاق سلس. كان الفرق فظاً في وضوحه؛ يد واحدة عصبية قبلاً، ويد مطمئنة الآن يطيعها النظام من أول لمسة.

لم تقل "قلت لكم". لم تحتج. المنسق نفسه تحرك نحوها، لا نحوه، وقال بسرعة: "كمّلي." كانت هذه أول مرة في المساء تُعطى فيها الكلمة على هذا النحو. راشد فتح فمه: "أنا كنت—" لكن صوت المذيعة من المنصة قطع عليه، ومعه تحرك اثنان من الفريق إلى أوامر سلمى من غير أن يطلبا إذناً من أحد.

قالت وهي تنظر إلى الشاشة لا إلى الوجوه: "أطفئوا المسار الرابع. رجّعوا بداية الفيديو ثانيتين. لا أحد يرفع شيئاً حتى أقول." نفذوا فوراً. واحد جرى إلى شاشة العرض، وآخر إلى صندوق التوزيع. حتى عامل القهوة الذي كان يدفع الصينية للخلف توقف عند الباب ينتظر المرور. أبو راشد بقي في مكانه، لكن نظرته انتقلت من كتف ابنه إلى يد سلمى فوق الكونسول، انتقالة صغيرة أشد إيلاماً من أي توبيخ.

حاول راشد أن يستعيد موضعه بالعادة القديمة، فتقدم نصف خطوة ومد يده نحو الأزرار. التفتت سلمى إليه أخيراً، لا بحدة عالية، بل ببرود محكم يحرج أكثر من الصراخ. "ابعد يدك." ثم أتبعتها باسم المنصب لا الاسم: "الآن يا أستاذ راشد، أنت تعطل." الجملة قيلت أمام المنسق وأمام أبيه وأمام نورة عند قائم الباب. تراجع كمن اصطدم بحافة زجاج لم يرها.

لم يكن في التراجع هدوء. كانت فيه فضيحة شكلها الجسد أولاً. ربطة عنقه انزلقت قليلاً، والسماعة الصغيرة على أذنه مالت، والملف الذي يحمل اسمه أفلت من تحت ذراعه وسقط على الطاولة الملطخة بحلقة الشاي البارد. لم يرفعه أحد له. المنصة في الخارج كانت تنادي الداخل بثوانيها الأخيرة، وهذا ما قتل ما تبقى له من وجاهة؛ المكان لم يعد يملك رفاهية مجاملته.

قال المنسق: "الرئيس التنفيذي دخل." ثم وقف بجانب سلمى لا أمامها. "وش تحتاجين؟"

قالت: "أحتاج خط المسرح مفتوحاً وحده عشر ثوانٍ، وبعدها ندخل الطبقة الثانية يدويّاً. إذا اشتغل التحميل مثل قبل، لا أحد يلمس الكونسول غيري." كررت الجملة التي بدأ بها راشد، لكن حين قالتها لم تبدُ استعراضاً؛ بدت كشرط نجاة. الفريق هز رؤوسه لها. هذا وحده كان انقلاباً كاملاً في الغرفة.

انفرجت الستارة أكثر، وانسكب ضوء المنصة على أرضية الممر الجانبي. بدا الخارج قريباً جداً: الصف الأول، الأثواب المكوية، العباءات الداكنة، هواتف على وضع الصامت، ووجوه جاءت لتقيس الشركات كما تقيس الرجال. كان وقت المغرب يقترب، والجدول مضغوط، والفضيحة في فعالية كهذه لا تعيش في القاعة فقط؛ تخرج مع الناس إلى السيارات وإلى موائد العشاء وإلى المجالس. لهذا لم يتدخل أحد لينقذ راشد بالكلام. لا أحد يراهن على اسم يسقط وهو يراه يسقط.

بدأت الفقرة الحية. على الشاشة الكبيرة ظهرت الخريطة التفاعلية لمنشآت الطاقة، ومع أول انتقال ارتفعت قراءة الحمل مرة أخرى بعنف. هذه المرة كان الخطر أكبر؛ لو قصّ المحدد الصوت هنا لانكسر العرض أمام القاعة كلها. راشد قال من خلف كتفها، بصوت خافت فيه رجاء متأخر: "خليني أنا أمسكها." لم تلتفت. هذا الرجاء نفسه كان إدانة؛ لأن من يطلب الجهاز في هذه اللحظة يعترف أنه فقده.

وضعت سلمى يدها اليسرى على مقبض الإرسال، واليمنى على المنزلق الرئيسي. عيناها بين شاشة القراءة ومؤشر الوقت. سمعت المذيع على المسرح يأخذ نفس الافتتاح، وسمعت الحمل يقفز قبل أن يُرى. خفضت المنزلق لحظة واحدة قبل الذروة، لا بعدها، ثم فتحت التغذية النظيفة لمسار الصوت الحي، ومررت الخلفية على حافة محسوبة كحد السكين. ارتفع صوت المذيع في القاعة صافياً، بينما انزلقت المؤثرات تحته بلا خنق ولا زحام. على الشاشة الصغيرة صعدت الخطوط إلى القمة، ارتجفت عندها، ثم ثبتت داخل الأخضر.

لكن المشكلة القديمة لم تمت بسهولة. مع دخول المشهد الثالث حدث التكدس الذي حذرت منه، وقفزت قراءة التحميل من جديد. هنا حاول راشد الحركة الأخيرة التي يفعلها كل من ينهار اسمه ولا يرضى أن ينهار بصمت؛ مد يده من الجانب ليضغط زر التحويل العام، كأنه يريد نسب النجاة لنفسه أو إغراق الجميع معه. التقطت سلمى الحركة بطرف عينها، وضربت بأصابعها ظهر يده عن المسار من غير عنف زائد، ثم استولت بجسدها كله على مساحة الكونسول، كتفاً أمام كتف، ودفعت التحويل بنفسها إلى القناة اليدوية.

انفتحت الخريطة على الشاشة الكبيرة بسلاسة، وخرج صوت العرض كما يجب أن يخرج في المناسبات التي لا تُغتفر فيها الزلة. في الخارج، تحركت رؤوس الصف الأول إلى المنصة بعد أن كانت نصف ملتفتة نحو الممر. في الداخل، لم يعد راشد يملك حتى حق الاعتراض؛ لأن كل ما كان يهدد القاعة استقام تحت يد سلمى وهو واقف إلى جانبها بلا وظيفة. هذه هي الضربة التي لا يعالجها الكلام: أن يرى الجميع الجهاز يطيع شخصاً واحداً ويعصي الآخر في اللحظة نفسها.

قال المنسق بصوت منخفض لكنه مسموع: "كل التعليمات من الأستاذة سلمى." لم يحتج إلى أكثر. أحد أفراد الفريق أخذ السماعة الاحتياطية من الطاولة وناولها لسلمى، متجاوزاً راشد كأنه غير موجود. نورة، عند حد الباب، لم تتقدم ولم تبتسم، لكنها غيّرت وقفتها؛ لم تعد تستند إلى القائم الذي وقف عنده المتفرجون، بل فتحت لها مساحة صغيرة قرب الداخل، اعترافاً دقيقاً يراه من يفهم المسافات.

اشتد المقطع الأخير من العرض. كانت الفقرة الأخطر: تزامن كلمة الرئيس التنفيذي مع انتقال الصورة وارتفاع الموسيقى ثم هبوطها. أي خطأ هنا يفضح الارتباك كله. سلمى لم ترفع رأسها. كانت أصابعها تتحرك في اقتصاد قاسٍ، بلا حركة زائدة، كأنها تعيد النظام إلى أصله لا تصنع معجزة. رفعت المنزلق الرئيسي على قدر النفس البشري، لا على قدر خوف المنظمين، وأخرت المؤثر نصف نبضة، ثم مررت طبقة الصوت الثانية في اللحظة التي انفتحت فيها الصورة على شعار الشركة. امتلأت القاعة بالصوت الصحيح، ذلك الصوت الذي لا يلاحظه الناس حين ينجح لأنه يجعل كل شيء يبدو طبيعياً، لكنه في لحظة الخطر يصير برهان السيادة.

على شاشة القراءة هبط التحميل أخيراً إلى مستوى آمن. لم يعد هناك ما ينقذ راشد من الحقيقة. الملف الذي يحمل اسمه بقي مبللاً بحلقة الشاي، كرسي البلاستيك بقي فارغاً في الركن، وأبوه لم يتقدم خطوة لينقذه. كان أسوأ ما في المشهد أن أحداً لم يعد يحتاج إليه؛ حتى الإهانة تترك للناس قيمة ما، أما هو فخسر حتى حق أن يكون محور الفضيحة. سلمى، لا هو، صارت الحاجز الوحيد بين المنصة والانهيار.

وصلت الفقرة إلى آخر ذروتها. أخذت سلمى نفساً قصيراً، راقبت صعود الخطوط مرة أخيرة، ثم دفعت المنزلق بيد ثابتة إلى القمة المرسومة للمخرج، وأعادت إنزاله بهدوء محسوب مع انطفاء المؤثر الأخير. بقيت الشاشة الصغيرة مضاءة أمامها في جناح المنصة، أثر التحميل فيها يصعد ثم يهبط، وأصابعها تفلت المنزلق فوق الكونسول.