خط التوريد انقلب عليهم
أوقفه عند الحاجز ومدّ كفه أمامها كأنه يغلق شارعًا كاملًا، لا يوقف امرأة تحمل بطاقة دعوة. قال فارس للحارس بصوت مقصود أن يسمعه الواقفون عند ممر السيارات: "المدخل هذا للمدعوين على كشف الاستقبال، وهي تنتظر على الجانب." كانت ريم قد نزلت من سيارة الأجرة قبل دقيقة، كتفاها مثقلين من نهار طويل في المواقع، كسرات العباءة على مرفقيها تحكي عن ساعات جلوس وقيام، وعلبة وجبة باردة من الظهر ما زالت في حقيبتها. في يدها بطاقة مرور زرقاء مهترئة الحافة، وفي الطرف الآخر من الساحة كانت سيارات الضيوف تصطف تحت حرارة مساء الرياض، وعمال التحميل ينقلون صناديق مختومة إلى فتحة الشحن بجانب المجلس.
لم ترفع صوتها. قالت للحارس: "اسمي موجود على تسليم الشحنة وعلى قائمة الضيافة." ابتسم فارس تلك الابتسامة التي تتجمّل للناس وتصفع صاحبها. "على ورق المكتب يمكن. هنا الليلة غير. أبو ناصر داخل، وكبار الحضور واصلين، والعائلة والأصدقاء يعرفون الوضع. لا نفتح بابًا يحرجنا قبل أن تتضح الموافقة." قالها وهو ينظر إلى سيارة سوداء توقفت عند حافة الإسقاط، ثم التفت بنفس اللحظة ليفتح الباب بنفسه لضيف وصل قبلها بلحظات. لم يكتفِ بمنعها؛ أخذ منها حق الوقوف في المكان نفسه.
وقفت ريم خارج الخط المرسوم على الأرض، الأبيض المتآكل عند حافة الرصيف. خلف الزجاج، انعكست صورتها على باب المجلس المعدني حيث آثار مسحات قديمة وبصمات أصابع حول المقبض. هند، ابنة خالتها، لمّحت لها من الداخل ثم خفضت عينيها حين مرّ فارس، وكأن مجرد الاعتراف بها صار مخاطرة. عند صينية القهوة، تغيّر ترتيب التقديم في لحظة؛ الضيف الجديد قُدّم، والرجل الذي جاء مع فريق التوريد سُحب إلى الداخل، أما هي فبقيت عند الهواء الحار وعادم السيارات.
قال فارس لسالم، المشرف على المناولة، وهو لا يزال يراقبها بطرف عينه: "حمّلوا أولًا للشاحنة المخصصة لمجلس أبو ناصر. والباقي يتأجل حتى نثبت الاستلام من الطرف المعتمد." سالم هز رأسه ونادى على الحمّالين. تحركت عربة صغيرة، وارتفعت صناديق الأجهزة نحو مسار آخر. كان ذلك أكثر من إهانة ضيافة؛ كان سحبًا للشحنة من يدها أمام رجال من قطاع الطاقة يعرفون جيدًا من أمضى الأسبوعين الماضيين في تتبع هذه القطع بين المستودع والموقع.
قالت ريم: "الطرف المعتمد أنا." رد فارس من غير أن يلتفت كامل الالتفات: "ليس الليلة. الليلة هناك ترتيب." ثم أشار إلى مقعدين عند طرف الساحة، بعيدين عن باب المجلس، وقال للحارس: "إذا أرادت الانتظار، هناك."
كانت تلك أول صفعة يمكن للجميع قراءتها: منع من الدخول، وسحب من خط الاستلام، وإنزال إلى مقعد انتظار لا يخص أحدًا. حتى السائق الذي أنزلها بقي لحظة، ينظر في المرآة، ثم مضى.
أخرجت ريم هاتفها. لم تتراجع إلى الظل، ولم تذهب إلى المقعدين. اتصلت مباشرة برقم محفوظ باسم "أبو ناصر". لم تكثر الكلام حين رد. قالت فقط: "أنا عند بوابة المجلس. الشحنة حُوّلت عن مسارها، واسمي مُنع من الاستلام." سكتت ثانيتين، ثم قربت الهاتف من الحارس. سمع الرجل صوتًا مبحوحًا حادًا يقول: "أعطها سالم. الآن."
تغيّر وجه سالم قبل أن تصلها الكلمة. جاء مسرعًا من عند عربة التحميل، أخذ الهاتف بيد مرتجفة، ووقف نصف خطوة بعيدًا عن فارس. لم يسمع الموجودون كل شيء، لكنهم رأوا ظهره يستقيم فجأة. "أبشر... نعم... نعم، الاستلام باسم المهندسة ريم... نعم، التحويل فورًا." حين أعاد الهاتف، لم يسلمه إليها وحده؛ أخرج من جيبه ظرفًا شفافًا فيه تصريح الاستلام المختوم وورقة مسار السيارة، وقدمه لها بكلتا يديه. "هذا إذن الاستلام، والمفتاح التشغيلي للبوابة الجانبية مع السائق. التوجيه صار لك."
لم يتكلم فارس فورًا. هذه كانت المشكلة. الرجل الذي ملأ الساحة تعليماتٍ وجد نفسه متأخرًا بنصف ثانية، وهي مدة تكفي لتتبدل القراءة كلها. الحارس الذي سد الطريق قبل قليل تنحى عن الخط الأبيض. وعامل كان يحمل صندوقًا إلى شاحنة المجلس توقف في منتصف الطريق، ثم استدار ينظر إلى سالم لا إلى فارس.
مدّت ريم يدها، أخذت الظرف، ومررت إبهامها على الختم الأحمر كأنها تتأكد من برودته فقط. ثم قالت لسالم: "رجّعوا الصناديق من السيارة الأولى. المسار يتبدل إلى فتحة الشحن الجانبية." كانت جملتها قصيرة، عملية، بلا انتقام ظاهر. لكنها خرجت في المكان الصحيح، أمام الضيوف الواصلين، وأمام الباب الذي منعها منه قبل دقائق.
وصلت سيارة أخرى، هذه المرة تقل رجلين يعرفهما نصف الواقفين في الساحة. أسرع فارس بخطوتين ليستقبل، لكنه تعثر في أول سؤال جاءه من أحدهما: "وين المهندسة ريم؟ قالوا لنا نستلم منها." لم يجب بسرعة. في هذه المسافات القصيرة، بين باب سيارة مفتوح ورصيف مضاء، لا تحتاج السلطة إلى خطبة كي تنهار؛ يكفي أن يتجه السؤال إلى غيرك. رفعت ريم يدها بالظرف، فتبدل مسار الرجلين نحوها. مرّا بجانبه كما لو أنه واقف في مكان غير ضروري.
ومن هناك بدأ الترتيب يعاد علنًا. سالم فتح البوابة الجانبية التي كانت مغلقة بسلسلة قصيرة، والحارس نفسه رفع الشريط المخطط لتمر العربة الصغيرة. سائق الشاحنة، الذي كان ينتظر إشارة فارس، أخذها الآن من ريم حين رفعت ورقة المسار. حتى صينية القهوة تغيّر خطها؛ العامل الذي كان يلف على الداخل فقط خرج بها إلى الطرف الذي وقفت فيه، لأن الاستقبال الحقيقي تحوّل مع خط الشحنة. هند رفعت رأسها هذه المرة ولم تخفضه، واكتفت بأن تقول من خلف الباب: "المجلس الجانبي فُتح."
اقترب فارس أخيرًا، صوته مخفوض كي لا يفضحه الارتباك أكثر: "ريم، لا تكبرين الموضوع. المسألة ترتيب عائلي، وأبو ناصر ما كان يقصد—" قاطعته وهي تنظر إلى الورقة لا إليه: "أنت قلتها من قبل. الليلة هناك ترتيب." ثم أشارت إلى الخط الأبيض على الأرض. "قف خلفه. حركة التحميل من هنا صارت تحت اسمي."
كانت الضربة في بساطتها. لا شجار، لا كشف أسرار، فقط رد البروتوكول عليه. حاول أن يمد يده إلى أول صندوق أعاده العامل من السيارة المخصصة للمجلس، كأنه يثبت أن يده ما زالت داخل الحركة. لكن سالم قال بسرعة، وبصوت سمعه القريبون: "لا، التوجيه تغيّر. أي صندوق يطلع إلا بأمرها." وانسحبت يد فارس في الهواء لحظة، فارغة، قبل أن تهبط إلى جانبه.
رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، ثم رفعه إلى أذنه ومشى خطوتين بعيدًا. من نبرة "إيه... حاضر... فهمت" عرف الموجودون أن الخط الثاني لم يأت لنجدته. عاد أقصر قليلًا، كأن بدلته نفسها ضاقت عند الكتفين. وفي تلك اللحظة بالذات خرج أبو ناصر من الممر الداخلي متكئًا على عصاه، لم يقترب من ريم أكثر مما يليق بالمقام ولا أقل مما يكفي. قال لسالم: "الضيوف اللي لهم علاقة بالمشروع يدخلون من الجانبي. والاستلام معها. المجلس الرئيسي يبقى لأهله." كان ذلك فصلًا باردًا، رسميًا، لكنه قاسٍ على الرجل الذي بنى نفوذه قبل دقائق على ادعاء أنه يحفظ الوجه العائلي. الآن الوجه نفسه أغلق الباب في وجهه.
تحركت الساحة دفعة واحدة. فتحت أبواب سيارات على الجهة الجديدة. انحرفت عربة التحميل. دُفعت الصناديق بعيدًا عن المسار الذي كان فارس يسيطر عليه، وبدأ الواصلون الذين لهم صلة بالشحنة يتجهون إلى المكان الذي تقف فيه ريم. حتى الظل تغيّر؛ ظل السيارة الكبيرة تمدد فوقها هي وسالم والحمّالين، بينما تُرك فارس عند الرصيف المكشوف قرب الباب الأمامي، لا داخل الضيافة تمامًا ولا داخل العمل.
التقطت ريم من الظرف بطاقة المرور الصغيرة، وفي طرفها ثقب معدني وسلسلة قصيرة. كانت حافتها مثل بطاقة النقل القديمة التي تحملها دائمًا؛ مهترئة من كثرة ما مرّت في أجهزة ومسارات وأبواب لا تعترف إلا بما يمكن لمسه. رفعتها للحارس وقالت: "افتح مسار الجانبي، وأغلق الأمامي أمام أي تحميل." تردد الرجل نصف نبضة، فقط لأن فارس كان يراقبه. ثم نفذ. تحرك المزلاج، وسُمعت طقطقة القفل المعدني أوضح من أي اعتراض.
قال فارس بصوت خرج هذه المرة أعلى مما أراد: "الأمامي معتاد للشاحنات الكبيرة." قالت ريم: "ليس لهذه الشحنة." ومدت له ورقة المسار، ثم سحبتها قبل أن يمسها. "أنت خارج إذن الاستلام."
حاول التقدم من البوابة الجانبية وكأنه يختبر إن كان اسمه القديم ما زال يفتح شيئًا. أوقفتْه حركة واحدة من ريم؛ وضعت البطاقة على جهاز القراءة المثبت عند العمود، ففتح الحاجز الجانبي واشتغلت الإشارة الخضراء، وفي اللحظة نفسها أشارت بيدها الأخرى إلى الحارس ليعيد الحاجز الأمامي إلى وضع الإغلاق. فتح مسار، وأغلق آخر. الحركة وقعت في ثانية واحدة، واضحة إلى حدّ أن الحمّالين لم يحتاجوا إلى تفسير. أخذوا أول صندوقين ومروا من الجهة التي فتحتها.
ظهر الضرر على فارس فورًا. السائق الذي كان ينتظر أوامره التفت عنه إلى ريم. العامل الذي ناداه باسم "أبو عبد العزيز" طوال المساء قال الآن: "أين نضع الدفعة الثانية يا مهندسة؟" والرجلان اللذان وصلا في السيارة السوداء دخلا من الباب الجانبي وراء سالم من غير أن يلتفتا ليعرفا إن كان فارس يلحق أم لا. القوة لم تعد مسألة كلام؛ انقطعت عنه يد التشغيل نفسها.
قال فارس للحارس: "أنا مسؤول الاستقبال هنا." لكن الحارس كان ينظر إلى البطاقة المضيئة باللون الأخضر في يد ريم. المسؤولية التي لا تفتح حاجزًا لا تساوي إلا صوتًا زائدًا في ساحة مزدحمة.
انحنت ريم قليلًا فوق صندوق مفتوح الطرف لتتأكد من رقم الدفعة. لم تكن بحاجة إلى أي انتصار زائد، فقط إلى دقة تعرفها الأيدي التي شغلت نفسها بالعمل بدل المجالس. قالت لسالم: "أربع صناديق للسيارة البيضاء، وستة تكمّل الشاحنة الجانبية. لا شيء يمر من الأمامي." رد سالم فورًا: "تم." ثم صرخ بأسماء الحمّالين، فتسارعت الأقدام، ودارت العربة، وانزلق أول صف من الصناديق بعيدًا عن المسار القديم.
اندفع فارس مرة أخيرة إلى جانب الشاحنة، كأنه يريد أن يوقف الحركة بجسده بعدما خسرها باسمِه. قال: "هذه الشحنة كانت داخلة للمجلس." قالت ريم، من غير أن ترفع نبرتها: "كانت." ثم أعطت سائق الشاحنة ورقة المسار الجديدة. "المحطة الجانبية. الآن."
توقف الحمّالون لحظة قصيرة لأنهم اعتادوا طوال المساء أن ينظروا إليه قبل الرفع. هذه اللحظة وحدها كانت آخر ما بقي له. أخرجت ريم التصريح المختوم من الظرف، ورفعته أمامهم بحيث يُرى الختم بوضوح، ثم ضغطت بإبهامها على سطر الاسم. "الاستلام باسمي. التحميل من جهتي." انتهت اللحظة. تحركوا كلهم دفعة واحدة، كما لو أن الساحة نفسها تخلصت من حجر كان يربك دورانها.
عند فتحة التحميل الجانبية، كان المحرك يدور على سرعة منخفضة، والهواء يدفع رائحة كرتون وغبار معدني. عبر الخط الأصفر المرسوم على الأرض وُضعت الدفعة الأخيرة، ثم دفعت ريم أول صندوق بباطن يدها إلى ما بعد الخط في جهتها، فلحقت به بقية الصناديق واحدًا بعد آخر حتى استقرت الرصّة كاملة عند خانة التحميل، على جانبها هي من العلامة المدهونة، والمحرّك ينتظر حركتها التالية.