Fast Fiction

المهارة الحقيقية ظهرت

انتزع فيصل مفك البراغي الدقيق من يد لمى ووضعه على طاولة العرض أمام شعار الراعي، ثم قال للمشرفة بصوت يكفي الصف الأول: "هي تتابع من الطرف، وأنا أقدّم." كان الروبوت على المسار البيضاوي في وسط الساحة المفتوحة، والكاميرات الصغيرة منصوبة حول الحلقة، وأكواب القهوة والشاي تصطك على الطاولة الجانبية تحت مروحة واقفة لا تغلب حر مساء الرياض. لمى بقيت واقفة ويدها نصف مرفوعة، عليها أثر حبر قديم قرب الإبهام من قلمها اليومي، كأن العلامة وحدها تتذكر من بنى هذه اللوحة السفلية ومن ربط المستشعرات فجرًا. عند طرف الممر، كان أبو لمى يقف مع خالتها، وبعيدًا عنهما بدرجتين فقط وقف فيصل في موضع التقديم الذي كان لها. كل هذا أمام ناس العائلة والأصدقاء يعرفون أصل الحكاية، ويعرفون أيضًا أن فيصل لا يفوّت فرصة يلمع فيها اسمه إذا كانت لمى وراء الستار.

قالت المشرفة، وهي تنظر إلى بطاقة التعريف على صدر فيصل لا إلى الملف في يد لمى: "الفقرة تمشي باسم قائد الفريق." ثم مدت يدها إلى بطاقة الدخول الخاصة بمساحة التشغيل. لمى أخرجتها من جيبها، لكن فيصل سبقها، أخذ البطاقة من يدها نفسها، ومررها على القارئ. ضوء أخضر فتح الحاجز القصير له وحده. كان ذلك أول حكم علني، مادي، لا يحتاج أحد يفسره. لمى بقيت خلف الخط الأصفر، ومعها علبة وجبة باردة لم تفتحها منذ الظهر، موضوعة عند رجل الطاولة كشيء منسي لا أحد ينسبه لمن اشتغل.

مها اقتربت من لمى وهمست: "أقسم بالله هذا نصب عينك." لمى لم تلتفت إليها. كانت تراقب يد فيصل على وحدة التغذية، وعلى شاشة الإعداد التي فتحها على الوضع التجريبي. ضغط زر المعايرة مرتين متتاليتين، ثم قال للمهندس نادر، ممثل الراعي من قطاع الطاقة: "النسخة هذه تتحمل تبديل المسار لحظيًا." رفع نادر حاجبًا وقال: "والمستشعر الجانبي، ثبتوه على أي حساسية؟" تأخر فيصل أقل من ثانية، لكنها كانت ثانية مكشوفة. "على... الوسط. مناسب للجمهور." لمى شدّت فكها. الحساسية لم تكن وسطًا، ولو تركها على هذا الوضع مع انعكاس الإضاءة من اللوحات اللامعة سيقرأ الخط الأبيض كحافة وهمية ويخرج الروبوت من أول التفاف حاد.

حاولت أن تخطو نصف خطوة إلى الداخل، فقط لتصل إلى الطاولة وتخفض قيمة واحدة، لكن المشرفة رفعت كفها أمامها بحركة تهذيب قاسية: "خليك هنا لو سمحتِ. لا نربك العرض." التفت بعض الحضور إليها، لا كمهندسة مُبعدة بل كزائدة في المكان. ومن خلفهم، سمعت خالتها تقول لأبيها بنبرة منخفضة لا تكفي لانخفاضها: "البنت ذكية، بس الواجهة تحتاج واحد يعرف يتكلم." أبو لمى لم يرد. فقط نقل مسبحته من يد إلى يد، ونظر إلى الروبوت بدل أن ينظر إليها.

بدأ العرض. انطلق الروبوت أول مترين كما يجب، عجلاته المطاطية تمسك المسار الأسود بين مصابيح الحدود. فيصل صار يشرح بصوت متدرب، يلوّح نحو الشاشة الكبيرة ونحو المجسم المصغر لمحطة معالجة في طرف الحلبة. "الفكرة مو بس روبوت، الفكرة نظام اتخاذ قرار..." ولمى كانت ترى النهاية قبل أن يراها أحد. عند المنعطف الثالث، لم يبدّل وضع القراءة مع انعكاس اللوح المعدني، لأن شرط التثبيت لم يُفعّل بعد المعايرة المزدوجة التي ارتكبها. هي لم تحتج شرحًا؛ يكفيها أن المستشعر يومض بنمط خاطئ.

قال نادر، هذه المرة وهو أقرب: "ليش القراءة تتذبذب؟" رد فيصل بسرعة زائدة: "هذا جزء من التصحيح الذكي." ثم مد يده إلى الجهاز اللوحي ليزيد السرعة قليلًا، كأن الاندفاع يستطيع تغطية الخطأ. هنا فقط رفعت لمى صوتها أول مرة، لا لتجادل، بل كسؤال قصير حاد: "فعّلت قفل الانحراف بعد المعايرة الثانية؟" التفت إليها فيصل، وارتبك وجهه قبل لسانه. "القفل... تلقائي." عرفت من الفراغ بين الكلمتين أنه لم يفعله، وعرف نادر ذلك أيضًا. لم يقل أحد شيئًا، لكن رجلًا من الصف الأول كان يخطو نحو فيصل ثم توقف في مكانه، ونقل نظره إلى لمى.

وقع التعطل علنًا بلا رحمة. عند المنعطف، ارتجف الروبوت، قصّ الخط الأبيض كأنه يراه جدارين بدل خط واحد، ثم انحرف جانبًا واصطدم بحافة المسار، فانفصل ذراع الالتقاط من أول وصلة مطبوعة ودار نصف دورة ثم سقط على الأرضية الخشبية بصوت ناشف. شاشة التتبّع لم تنطفئ؛ هذا جعل السقوط أسوأ. بقيت القراءات تومض بخطأ متكرر والروبوت يحاول التقدم بعجلة واحدة تدور في الهواء. انقطع شرح فيصل في منتصف جملة، وسمع في الساحة فقط صوت المحرك الصغير وهو يطحن الفراغ.

الصف الأول لم يقترب منه هذه المرة. بالعكس، اتسعت حوله مسافة صغيرة فجأة، مساحة واضحة لا تحتاج إعلانًا. نادر لم يسأل فيصل، بل مال بجسده نحو الخط الأصفر وقال: "مين اشتغل على الضبط الفعلي؟" لمى لم ترفع يدها. مها هي التي أشارت إليها بعصبية مكشوفة، لكن النظرات كانت قد وصلت أصلًا. حتى المشرفة التي كانت تسد الطريق قبل دقيقة، سحبت كفها عن الممر من غير أن تنتبه لحركتها. وفي الطرف، استدار أبو لمى كامل الجسد الآن، لا إلى فيصل، بل إلى ابنته.

فيصل استعاد صوته بطريقة أسوأ من فقدانه. "مجرد وصلة، أعطوني دقيقة." انحنى ليجمع الذراع الساقطة، ومد يده إلى مفك البراغي نفسه الذي أخذه منها، لكن أصابعه كانت ترجف، وحين حاول فتح الغطاء أخطأ الشق مرتين أمام الكاميرا القريبة. قالت المشرفة: "لدينا جدول." قال نادر بلا ارتفاع صوت: "ولدينا رعاة وضيوف." ثم نظر إلى لمى مباشرة. "تقدرين تدخلين؟" لم يقل أحد "تفضلي" من باب المجاملة. كان السؤال أثقل من ذلك؛ كان نقلًا علنيًا لحق الدخول.

عبرت لمى الخط الأصفر. هذه الخطوة وحدها أوقفت الحركة حولها. عامل الضيافة الذي كان يمر بصينية تمر عند الممر انحرف وتراجع نصف خطوة حتى لا يقطع بينها وبين الطاولة. المشرفة ابتعدت من فتحة الدخول ورفعت الحاجز القصير بيدها. فيصل بقي في الداخل، لكن موضعه انكمش إلى جانب الطاولة، لا أمامها. حاول أن يقول: "أنا أوضح لها..." ولم يكمل، لأن نادر تحرك إلى الجهة الأخرى من المسار ووقف مواجهًا لمى وحدها. الترتيب الاجتماعي تغيّر في الساحة كلها في أقل من نفس.

وضعت لمى علبة الوجبة الباردة على الأرض، بجانب رجل منصة المراقبة، ومدت يدها إلى المفك. لم تستأذن أحدًا في أخذ ما سُحب منها. أولًا نزعت غطاء المستشعر الجانبي، إصبعها يثبت السلك الأسود وإبهامها يدير البرغي نصف لفة فقط، لا أكثر. رفعت الذراع الساقطة، نظرت إلى الوصلة المطبوعة المكسورة، ثم إلى فيصل. لم تقل شيئًا. سحبت من جيب حقيبتها رباط تثبيت رفيع كانت تحتفظ به للأسلاك، أدخلته من ثقبين متقابلين، شدته بأسنان كما يفعل العامل الحقيقي حين لا يريد أن يضيع ثانية، ثم قصت الزائد بقطّاعة صغيرة. بعدها لمست الشاشة، ألغت المعايرة الثانية، فعّلت قفل الانحراف، وخفضت الحساسية درجتين. على الشاشة الصغيرة قرب يدها، استقرت القراءة بدل ارتعاشها.

الروبوت ما زال في وضع سيئ، عجلته اليسرى تلتقط الهواء لأن الهيكل لم يعد موازيًا للمسار بعد الاصطدام. جثت لمى على ركبة واحدة، قربت عينها من مستوى العجلات، وأدارت محور اليسار ربع دورة بيدها لتعيد توازن التماس. فيصل قال من فوقها: "المشكلة من الذراع أصلًا، مو من..." قطعت كلامه بأن دفعت إليه الغطاء المفتوح بظهر يدها من غير أن تنظر. وقع الغطاء على طرف الطاولة، وتوقف صوته. كانت تلك أول خسارة وجه حقيقية له: لم تعد بحاجة حتى أن ترد عليه.

قال نادر: "نكمل من البداية؟" هزت رأسها نفيًا. "من نقطة الانقطاع." وضعت الروبوت قبل المنعطف بنصف متر فقط. هذا القرار وحده كان تحديًا؛ لا إعادة مريحة، لا مسح لأثر السقوط. رفعت يدها عن الهيكل ببطء، ثم ضغطت التشغيل من الزر الجانبي، لا من الجهاز اللوحي الذي كان فيصل يتفاخر به. انطلق الروبوت هذه المرة بلا رعشة. دخل المنعطف الذي أسقطه قبل دقيقة، وبدل أن يعض الحافة، قص الخط الأسود بدقة، انخفض ذراعه المثبتة مؤقتًا عند المجسم الأول، التقط العبوة المعدنية الصغيرة ورفعها من غير ميل.

في الممر المقابل، توقف شاب كان يصور بهاتفه عن التعليق لصاحبه. عند الطاولة الجانبية، وضعت إحدى السيدات فنجانها قبل أن يلامس الصحن. لم يكن في الساحة صمت كامل؛ كان هناك فقط انكماش أصوات البشر أمام صوت العجلات والمحركات. لمى سارت بمحاذاة الروبوت لا أمامه، عيناها بين الشاشة الصغيرة وحركة الذراع، تعدل السرعة من مفتاح جانبي دقيق، نصف درجة هنا، لمسة هناك. عند المحطة الثانية، تأخرت الذراع جزءًا من ثانية بسبب مقاومة غير متوقعة من الرباط المؤقت. دخل فيصل فجأة ليشير إلى زاوية الإمساك، حركة متأخرة كأنه يريد سرقة العودة. لمى صدّت يده بكوعها من غير أن تنظر إليه، وأعادت ضبط زمن الإغلاق من الواجهة نفسها. التقطت الذراع القطعة في المحاولة التالية مباشرة.

الضرر صار مرئيًا عليه هو هذه المرة، لا على الجهاز. كان واقفًا على طرف المنصة ويدان فارغتان لا تعرفان أين تذهبان. حاول أن يبتسم لمن خلف الكاميرا، فلم يجد أحدًا ينظر إليه أصلًا. المشرفة التي قدمته قبل دقائق صارت تسأل لمى بصوت منخفض: "تبغين مساحة؟" ومها، من خارج الخط، كانت تضم ذراعيها إلى صدرها بشدة حتى ابيضت مفاصلها، كأنها تمنع نفسها من الصياح. أبو لمى تقدم خطوة واحدة إلى الأمام، ثم توقف عند حد اللياقة، لكنه لم يعد بجوار خالته. صار وحده في الممر، مواجهًا المنصة، والوجه الذي كان يتفادى ابنته صار يثبت عليها.

بقيت العقدة الأخيرة: بوابة القياس عند نهاية المسار. بعد الصدمة الأولى اختل ارتفاع المستشعر الأمامي جزءًا صغيرًا، وهذا الجزء يكفي ليحسب عبور النهاية خطأ ويعيد الروبوت إلى وضع الأمان، فتذهب كل هذه العودة سدى أمام الجميع. لمى مدّت يدها أسفل الهيكل والروبوت يتحرك ببطء، رفعت مقدمته شعرات عن الأرض، وشدت قاعدة المستشعر بإبهامها حتى استقام على الحامل. الحركة كانت خطرة ومكشوفة: يد، أداة، عجلة تدور، شاشة تقرأ، ومسار لا ينتظر. لمح فيصل ما تفعل، فقال للمشرفة بسرعة يائسة: "هذا تدخل يدوي، ما يحتسب." لكن نادر رد من الجهة الأخرى، وعينه على الروبوت لا عليه: "الذي يحتسب أن الجهاز يكمل."

عند البوابة الأخيرة، مال الروبوت نصف ميلان ثم اعتدل، عبر الحساس الضوئي، توقف على العلامة المحددة تمامًا، وارتفعت الذراع المثبتة بالرباط الرقيق كأنها لم تسقط قبل دقائق. ضوء النهاية اشتعل أخضر على المنصة لا على الشاشة البعيدة، أخضر صغير وقاسٍ وقريب، يراه من حول الطاولة قبل غيرهم. لمى لم ترفع رأسها للناس. أطفأت المحرك، سحبت نفسًا قصيرًا، وأبعدت يدها عن الهيكل فقط بعدما توقفت كل اهتزازة فيه.

فيصل حاول أخيرًا أن يستعيد مكانًا من الصوت فقال قرب الميكروفون الجانبي: "أنا كنت أشرح فقط أن—" خرجت من الميكروفون صفعة ارتداد قصيرة، حادة، ثم هبطت ميتة في الممر. كانت لمى عند حافة شاشة المراقبة المائلة بجانب المسار، كفها على طرفها الأسود، أنفاسها تنزل وتستقر واحدة بعد أخرى. التقطت علبة وجبتها الباردة من الأرض، وسحبت مفكها من فوق المنصة، ثم أبعدت يد فيصل عن الطريق بطرف الكوع ومشت.