Fast Fiction

رجع التحكم ليدي أمامهم

سحب نادر الكرسي الدوّار من تحت يد ريم ووضع ملف التشغيل الأزرق عند صدره كأنه ملكه، ثم قال بصوت مرتفع يكفي الطابور كله: "أنتِ روحي مسار الصيانة الخلفي. الكاونتر اليوم أنا عليه."

رفعت ريم عينيها إليه فقط. خلف الزجاج كانت ظهيرة الرياض تضرب الساحة البيضاء بحرها، والمراجعين متكدسين عند الحاجز المعدني، وبينهم أبو فهد بغمترته الناصعة وعصاه الخفيفة، الرجل الذي تعرفه وجوه كثيرة في الشركة لأن كلمة منه تصل إلى مجلس الإدارة أسرع من البريد الرسمي. على طرف الطاولة كأس شاي برد نصفه، وبجانب شاشة الرقم المتعطل علبة وجبة صغيرة لم تُفتح إلا من طرف واحد. كانت ريم قد أحضرتها منذ الصباح ولم تمسها.

قال نادر وهو يفتح الملف أمام الناس: "اليوم عندنا زائر من طرف كبار الملاك، خلّي الصورة مرتبة. لا تعقدينها."

هذه هي الضربة التي توجع الآن بالضبط؛ ليس لأن الكرسي مريح، بل لأن هذا المقعد هو نقطة التسليم الوحيدة لبلاغات الأعطال العاجلة لفرق قطاع الطاقة، والملف الأزرق فيه تسلسل البلاغات، وأسماء الفرق، وأولوية المواقع. ثلاثة أشهر وهي من تحفظ النمط: أي محطة إذا تأخرت نصف ساعة يتضخم الخطر، وأي مقاول يرفع صوته لا يعني أن بلاغه أولى. نادر لا يعرف إلا الأسماء الكبيرة على الأوراق.

مدت ريم يدها إلى بطاقة دخولها المهترئة الحواف في جيب العباءة، مررتها بين أصابعها مرة، ثم تركتها وعبرت إلى يمين الكاونتر بدل أن تبتعد. قالت بهدوء قصير: "إذن افتح المسار الثاني الآن. بلاغ محطة الغبيراء واقف من عشرين دقيقة."

التفت نادر إليها بنفاد صبر مصطنع، كأنه يمسكها على خطأ شكلي. "لا تعطيني تعليمات قدام الناس." ثم أشار إلى عامل الاستقبال: "أمجد، خلّ الطابور يجي واحد واحد. الملف عندي."

جاء أول ثلاثة مراجعين دفعة، ومع كل واحد توقفت خطوة زيادة. نادر يقلب الصفحات ببطء ويبحث عن أرقام المواقع مثل من يفتش في حقيبة ليست حقيبته. سأل عن اسم متعهد، ثم أعاد السؤال نفسه بصيغة أخرى، ثم طلب اتصالاً تأكيدياً كان يجب أن يطلبه قبل خمس دقائق. خلفه، شاشة النداء علقت على رقم واحد. المكيف العالي لم يخفف الاختناق؛ فقط جعل الورق يرفرف خفيفاً تحت يده المرتبكة.

مالت هالة من باب الغرفة النصف مفتوح، وقفت وقفة قصيرة في إطار الباب من غير أن تدخل. همست لريم: "فيه فريقين ينتظرون تصريح حركة من هنا. إذا ما خرج خلال دقايق بيرجعون للمستودع."

ريم لم تنظر إليها. كانت تراقب يد نادر فوق الملف. ورأت اللحظة التي تجاوز فيها بلاغاً أحمر بختم "انخفاض جهد" وأخذ بلاغاً أقل خطراً فقط لأن اسم الشركة المتعهدة أشهر. هنا بدأ الضرر يصير مرئياً حتى لمن لا يفهم التفاصيل؛ رجل في آخر الطابور رفع صوته، وآخر أنزل ملفه على الحاجز بقوة، وأبو فهد أخرج هاتفه ونوره يلمع منخفضاً في كفه لا على وجهه، يكتب أو يرسل من غير استعراض.

قالت ريم، هذه المرة بصوت يسمعه الصف الأول: "أنت قلبت الترتيب."

رد نادر فوراً، كأنه كان ينتظرها لتبدو متدخلة: "أنا المسؤول المناوب. وأعرف أرتب الشغل."

ثم وقع الجام. سائق شركة جاء راكضاً بورقة موقعة ومختومة، وقال إن مركبة الإصلاح عند البوابة منذ ربع ساعة ولا تستطيع الدخول لأن رقم التصريح المربوط في النظام لم يُفعّل من الكاونتر. مدّ نادر يده ليأخذ الورقة، لكنه بحث عن النموذج الخطأ، ثم أدخل رقم البلاغ في خانة الموقع، فرفض النظام الطلب وأغلق النافذة المؤقتة. على الشاشة ظهر تنبيه أحمر، وانقطع المسار كله؛ لا تصريح دخول، لا تحديث، لا خروج لفريق.

سمع الجميع صوت الطابعة وهي تسحب نصف ورقة وتتوقف. هذا الصوت الصغير فضحهم أكثر من أي صراخ.

تحركت ريم قبل أن يطلب منها أحد. لم تشرح، ولم ترفع صوتها. أخذت الورقة من يد السائق مباشرة، سحبت من تحت كف نادر الورقة اللصيقة التي تغطي رمز الموقع، قلبت الملف إلى الصفحة المفهرسة التي تحمل خطوطاً صفراء بقلمها، وضربت بإصبعها على سطر محدد. "هذا البلاغ تابع لمجموعة الشمال، لا للجنوب. التصريح مربوط على المسار القديم لأنك سحبت بلاغ العزل قبله."

حاول نادر أن يعيد الورقة إلى جهته، لكنها كانت قد انحنت على حافة الكاونتر وأدخلت التسلسل الصحيح. ضغطت زرين متتابعين، أخرجت طلب العزل المؤجل من بين ورقتين، ومررته أولاً، ثم أعادت بلاغ المركبة. الطابعة شهقت ثم أخرجت الورقة كاملة. رفعتها ريم إلى السائق من فوق الحاجز: "البوابة ثلاثة. لا توقف المحرك."

التحرك جاء فوراً. السائق انطلق. أمجد، من غير أن ينتبه، استدار بجسده إليها لا إلى نادر عندما سأل: "اللي بعده؟" ورجل من الصف الأول دفع مستنده نحو يد ريم لا نحو الملف الأزرق عند صدر نادر.

هذا كان أول انكسار صغير، واضح بما يكفي ليجرح. شد نادر كتفيه، ابتسم ابتسامة ضيقة نحو أبو فهد، وقال بصوت أعلى: "حلو. خلّصنا نقطة وانتهت. ريم تساعد فقط، لكن القرار عندي." ثم بقي واقفاً ملاصقاً للكرسي الذي سرقه، لا يجلس عليه ولا يتركه، يصدر أوامر قصيرة كأن المظهر وحده يكفي لرجوع السيطرة.

اقترب أبو فهد خطوتين، لا أكثر. قال بنبرة مهذبة أشد من التوبيخ: "الناس واقفة من زمان."

في هذه الشركة، الجملة القصيرة من رجل مثله لا تعني استعجالاً فقط؛ تعني أن حفظ الوجه صار مهدداً. نادر سمعها وفهمها، فاستدار بسرعة إلى المراجعين وفتح موجة ثانية من المعاملات دفعة واحدة ليكسب شكل الكفاءة. أخذ أربع أوراق، نادى فريقين معاً، وطلب من أمجد إدخال بيانات مركبتين على البلاغ نفسه. خلال أقل من دقيقة، رجع التعطل أسوأ. اسم موقع اختفى من القائمة، ورقم تصريح خرج مكرراً، ومقاول غاضب صاح بأن فريقه تحرك إلى موقع مغلق. حتى من لا يعرف النظام عرف أن الرجل أمامهم يخلط المسارات.

قالت هالة من الباب، بصوت مكسور بين الحذر والاستعجال: "المحطة الغربية اتصلت مرتين. إذا تأخر العزل أكثر بيوقفون خطاً كاملاً."

أمسك نادر الملف بقوة حتى انثنت حافته. "ولا أحد يتدخل." ثم أشار إلى ريم من غير أن ينظر لها: "ارجعي للخلف. لا تسوين بطلة عند الكاونتر."

هنا فقط رفعت ريم يدها إلى الملف نفسه، لا إلى وجهه ولا إلى الشاشة. "أزل يدك."

ضحك ضحكة قصيرة مرتبكة، لأنه ظنها خطوة شكلية. "بأي صفة؟"

جاء الجواب من الضرر المتراكم لا من الكلام. ثلاثة مراجعين في الصف الأمامي التفوا نحو أبو فهد دفعة واحدة، واحد منهم قال: "يا طويل العمر، من الصبح وإحنا واقفين." والسائق الذي عاد ليأخذ نسخة ثانية لوّح بالتصريح الملغى وهو يقول: "البوابة رفضتني بسبب تكرار الرقم." وأمجد، الذي ظل طوال الصباح ينادي "أستاذ نادر"، توقف في منتصف الجملة ثم التفت إلى ريم: "أي ملف أمشي أول؟"

تقدمت ريم نصف خطوة فقط، المسافة التي تجعل الوقوف الاجتماعي يتغير من طرف الكاونتر إلى صاحبة الكاونتر. مدت يدها، وثبّتت أصابعها على حافة الملف الأزرق. نادر شدّه إليه، فانزلقت منه ورقة بلاغ مختومة وسقطت على الأرض عند حذاء أبو فهد. انحنى أمجد والتقطها، قرأ الختم ثم رفعها تلقائياً نحو ريم. كانت ورقة محطة الغبيراء، الحمراء التي تجاوزها نادر أول مرة.

قال أبو فهد دون أن يرفع صوته: "أعطيها الملف."

هذه ليست استشارة. هذه في مثل هذا المكان إعادة ترتيب مكشوفة للوقوف والحق في الكلام. رأى نادر الطابور، ورأى أمجد ممسكاً الورقة لريم لا له، ورأى أن محاولته الثانية لم تحفظ له شيئاً. ومع ذلك تمسك بالكرسي كأن الخشب آخر ما بقي له. "أنا المناوب."

قالت ريم: "أنت واقف على المناوبة فقط."

ثم سحبت الملف بقوة محسوبة، لا تشدداً ولا تراجعاً. انفتح الغلاف، وتبعثرت ورقتان، لكنها أمسكت القلب: صفحة التسلسل الأصلية. وفي الحركة نفسها دفعت الكرسي برجبتها إلى الخلف ولفت حول نادر من الجهة الضيقة، فاضطر أن يبتعد خطوة حتى لا يصطدم بها وبالحاجز. جلست. مجرد الجلوس هنا كان قراراً مرئياً أكثر من أي خطاب.

رفعت الملف أمامها ووضعته مسطحاً على الطاولة. "أمجد. بلاغ الغبيراء أولاً، ثم الغربية، ثم مركبات العزل المعلقة. أي ورقة بدون ختم تحويل ترجع لصاحبها." تحرك صوتها قصيراً، جافاً، كأنه كان ينتظر هذا المكان فقط. "هالة، اتصلي ببوابة ثلاثة وأربعة. افتحي مرور المركبات بالأرقام التي أمليها."

تحرك الخط فوراً، كأنه كان محبوساً خلف حجر وانزاح. أول مراجع انتهى في أقل من نصف دقيقة. الثاني تلقى ردّاً حاسماً: "ناقصك ختم التحويل، ارجع لمكتبك"، فانكسر التزاحم الكاذب عند الحاجز لأن الناس فهمت أن الدور يمشي وأن الالتفاف لن يفيد. الثالث كان مقاولاً متجهماً، حاول أن يلوّح باسم شركته، فقطعت عليه ريم بالرقم والموقع ووقت البلاغ، فسكت ودفع الأوراق المطلوبة. الطابعة عادت إلى صوتها الطبيعي، متتابعة لا متقطعة. من الخارج، مركبة إصلاح عبرت الزجاج ببطء ثم انطلقت.

نادر بقي واقفاً عند طرف الكاونتر، يمد يده أحياناً ليمسك ورقة أو يصحح لفظاً، وكل مرة كانت الحركة تسقط في الهواء. مرة قال: "هذا يتأخر، عندنا زوار—" فقطعته ريم من غير أن تنظر إليه: "هذا موقع تشغيل، مو مجلس ضيافة." ومرة حاول أن يعطي أمجد أمراً، فأخذ أمجد الأمر من فم ريم التي كانت أسرع: "أرسل النسخة الآن." صار نادر يسمع صوته بعد فواته، وهذا أسوأ من السكوت.

تراكمت خسارته علناً في تفاصيل صغيرة جارحة. بطاقة تعريفه المعلقة انقلبت إلى ظهرها فلم يعد اسمه ظاهراً. الكأس الذي تركه عند الشاشة سقط منه خط شاي على كم الملف الذي لم يعد بيده. وعندما حاول أن يستعيد شيئاً من الهيبة بالوقوف قريباً من أبو فهد، وجد الرجل يحافظ على مسافة رسمية باردة، لا يفسح له مقام القرب ولا يلتفت له إلا بقدر ما يلتفت لأي موظف عابر.

وصلت موجة ثالثة قبل أذان الظهر بقليل. أربعة بلاغات متتالية من مواقع متقاربة، واحدة منها تحتاج عزل مسار وتحويل فريق من مهمة إلى أخرى. هذه هي اللحظة التي كان نادر يخشاها من دون أن يعرف اسمها؛ تشابك الأولويات. مد يده مرة أخيرة إلى الملف وهو يقول بحدة: "هذا أنا أرتبه."

ريم لم ترد عليه. فقط رفعت الملف من الطاولة لحظة، ثم وضعته في الجهة اليسرى الملاصقة لكرسيها، داخل نصف دائرة ذراعها، المكان الذي لا يصل إليه إلا من يجلس عليه. هذه كانت علامة التحكم الأخيرة، أوضح من الكلمات. بعدها أخذت أول ورقة، رتبت الثانية تحتها، وسحبت الثالثة إلى أمجد قبل أن يطلب. "العزل هذا يخرج الآن. التحويل بعده بثلاثين ثانية. وإذا اتصلت المحطة الغربية مرة ثالثة، حوليهم عليّ مباشرة."

حاول نادر أن يمر من خلف الكرسي ليقترب من الشاشة، لكن المسافة الضيقة عند الكاونتر خانته. اصطدمت ركبته بطرف الدرج، فتوقف، ورأى السطر الذي أراد أن يلمسه قد سبقته إليه يد ريم. ضغطت، ختمت، نادت، ناولت، أعادت. المراجعون لم يعودوا ينظرون إليه إلا كعائق جسدي يجب الالتفاف حوله. واحد منهم قال تلقائياً: "الله يعطيك العافية يا أستاذة ريم"، وهو يناولها الورقة التالية. لم تكن مجاملة؛ كانت إعادة توجيه رسمية من طرف الصف نفسه.

مرّ الأذان خفيفاً من مسجد قريب، وانخفضت الأصوات لحظة، لكن الكاونتر لم يهدأ. هالة أعادت إبريق القهوة إلى الطرف البعيد، بعيداً عن الأوراق، كأن مساحة العمل عادت تتنظم حول يد واحدة. أبو فهد أخذ ورقة مكتملة، نظر إلى الختم وإلى وقت الإصدار، ثم وضعها في جيبه الداخلي من غير كلمة. لم يعد أحد يحتاج شرحاً عما حدث؛ الحركة نفسها صارت الشرح.

حين انخفض ضغط الطابور من عقدة إلى خط يمكن التنفس معه، وقفت ريم من الكرسي دفعة واحدة، والملف تحت يدها لا تحت يد غيرها. قالت لأمجد: "استمر على هذا الترتيب. أي تعطل في التصاريح نادني من المسار الخلفي." ثم التفتت نحو نادر للمرة الأولى منذ جلست. "خلك على الاستقبال العام. هذا الكاونتر له يد واحدة."

لم تنتظر جوابه. عبرت الباب الجانبي إلى مسار الإصلاح، حيث الإسمنت مكشوف والحر يجيء من الفتحات مع رائحة مطاط وزيت خفيف. عند الحائط كانت عربة الأدوات واقفة بتحميلتها كاملة، مفكوك أحد مقابضها من أثر سحب مرتجل. وضعت ريم الملف على الرف المعدني المخصص له، شبكت المشبك جيداً، ثم قبضت على مقبض العربة وعدلت اتجاه العجلة الأمامية بركلة قصيرة. استقامت، وتحرّكت العربة في المسار الضيق تحت يدها، والعجلات بدأت تمشي صح.